الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

هل القومية العربية تعادي الإسلام؟ بقلم د. حسن نافعة، المفكر المصري وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

تتمحور “القومية العربية” حول فكرة رئيسية، مفادها أن الشعوب الناطقة باللغة العربية تشكل في مجموعها أمة واحدة، هي “الأمة العربية”، ومن ثم فلها الحق في أن تسعى لتشكيل دولتها الموحدة والمستقلة. غير أن بعض الأوساط والتيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي ترى أن هذا الطرح يخالف تعاليم الإسلام الذي يرى في الدين، وليس في الأصل العرقي أو في الانتماء الثقافي، أساس قيام الأمم، ومن هنا تأكيده على أن المسلمين يشكلون في مجموعهم، بصرف النظر عن اختلاف ألسنتهم وأعراقهم، “أمة” واحدة ينبغي عليها أن تتوحد تحت علم “الخلافة”. ولترسيخ الإيحاء بأن القومية العربية هي دعوة معادية للإسلام والمسلمين، على الصعيدين الفكري والحركي، تستعين هذه الأوساط والتيارات بمجموعة من الحجج والأسانيد التاريخية، منها: 1- أن حركة القومية العربية استهدفت منذ البداية، بسعيها لسلخ العالم العربي عن الإمبراطورية العثمانية وإقامة دولة عربية موحدة ومستقلة، إضعاف الإمبراطورية العثمانية وتفكيك “دولة الخلافة” الإسلامية، وهي نفس الأهداف التي سعت لتحقيقها قوى الاستعمار الأوروبي، وفي مقدمتها بريطانيا، قبيل وأثناء الحرب العالمية الأولى. 2- اعتماد الحركة القومية العربية منذ البداية على دعم وتأييد بريطانيا التي لعبت الدور الرئيسي في إشعال “الثورة العربية الكبرى” إبان الحرب العالمية الأولى، ما يؤكد أنها لم تكن سوى أداة في يد الاستعمار الأوروبي استغلها لتحقيق مصالحه الخاصة وليس مصالح الشعوب العربية، بدليل عدم وفاء بريطانيا للوعود التي قطعتها على نفسها، بالمساعدة على قيام دولة عربية موحدة في المشرق العربي، بل وإقدامها على طعن العالم العربي في ظهره، بتقديم الدعم الكامل للمشروع الصهيوني الذي استهدف إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين. 3- الدور البارز الذي لعبه المفكرون المسيحيون العرب في الترويج للفكر القومي العربي، سواء قبل اندلاع الثورة العربية الكبرى أو بعدها، ما يشير إلى احتمال تجنيد هؤلاء من جانب القوى الدولية الراغبة في توظيف الفكر القومي العربي كأداة أو كوسيلة لإضعاف تيار الإسلام السياسي الصاعد، خاصة في ظل حركة الإصلاح أو الإحياء الديني.

             غير أن هذا الطرح يدخل في باب الجدل والسعي لافتعال خصومات فكرية وسياسية بأكثر من سعيه للبحث عن الحقيقة، ومن ثم يصعب أن يصمد أمام أي تحليل علمي صارم، رغم استناده إلى بعض الحقائق التاريخية. فالغالبية الساحقة من رواد الفكر القومي العربي، والذين كرسوا معظم أعمالهم لإثبات انتماء الشعوب العربية لأمة واحدة، لم يقولوا بأن الأصل العرقي للعرب هو الأساس الذي تستند عليه دعوة القومية العربية، وإنما اعتبروا أن وحدة اللغة، باعتبارها الوعاء المشكل لوحدة الثقافة، والتاريخ المشترك، باعتباره الوعاء المشكل لوحدة الانتماء والمصير، هما الأساس الراسخ الذي تستند إليه هذه الدعوة. ولأن اللغة العربية هي في الوقت نفسه لغة القرآن الكريم، أي اللغة التي نزل بها الدين الإسلامي، فضلًا عن أن الشعوب التي أصبحت فيما بعد “عربية” لم تتحدث اللغة العربية أصلًا إلا بعد الفتوحات الإسلامية، وبالتالي لم يكن لها “لسان مشترك” قبل تلك الفتوحات، فليس من المتصور عقلًا وضع العروبة في تناقض مع الإسلام. والواقع أن جميع رواد الفكر القومي العربي، بمن فيهم المفكرون المسيحيون، أجمعوا على أن العروبة والإسلام لا ينفصمان، وعلى أن جميع الشعوب الناطقة بالعربية، بمن فيهم غير المسلمين، ينتمون إلى هوية حضارية واحدة هي الهوية “العربية الإسلامية” وإلى قومية واحدة هي “القومية العربية”، وهم في هذا يختلفون اختلافًا واضحًا عن الشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية، حيث يشتركون معهم في “الدين” ولكن ليس في “القومية” التي تشكلها وحدة الثقافة والتاريخ المشترك معًا.

             على صعيد آخر، لم تكن حركة القومية العربية موجهة، حتى إبان مرحلة “الثورة العربية الكبرى”، ضد “الخلافة الإسلامية” أو متمردة عليها، وإنما كانت حركة موجهة ضد “التتريك”، والفرق كبير بين هذين المفهومين. فمفهوم الخلافة، بصرف النظر عن الجدل المثار حول ما إذا كانت الخلافة تعد أصلًا من أصول الدين الإسلامي أم لا، يفترض وجود “أمير” أو “إمام” مسؤول عن قيادة الدولة الإسلامية، يُكلف شرعًا بإدارة هذه الدولة وفقًا لتعاليم الدين الإسلامي، وهو دين لا يميز بين العربي والأعجمي “إلا بالتقوى”. أما “التتريك”، فهو مفهوم يقوم على تغليب العنصر التركي على بقية العناصر التي تتشكل منها الشعوب الخاضعة للإمبراطورية العثمانية، وهو مفهوم سياسي مخالف بطبيعته لتعاليم الدين الإسلامي، وبالتالي يتناقض في الأساس والجوهر مع مفهوم الخلافة. تجدر هنا ملاحظة أن حركة “تركيا الفتاة”، وهي حركة قومية تركية، تعد أسبق في نشأتها على حركة القوميين العرب، ما يعني أن الأخيرة لم تكن أولى الحركات القومية التي انتشرت في ربوع الإمبراطورية العثمانية وأن الأتراك أنفسهم كان لهم السبق في هذا المضمار. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن الحركات القومية التي انتشرت في ربوع الإمبراطورية العثمانية لم تنشأ، من فراغ وإنما ظهرت كجزء من حركة فكرية وإنسانية عامة تستهدف بناء “الدولة” على أسس قومية، لتبين لنا بوضوح أن الحركة القومية العربية نشأت من أجل تحقيق مصالح عربية، وليس لمناهضة الدين أو إسقاط الخلافة. صحيح أن بريطانيا سعت لتشجيع ودعم هذه الحركة، باعتبارها حركة تؤدي إلى إضعاف الإمبراطورية العثمانية التي شاركت في الحرب العالمية الأولى ضمن الجبهة المعادية لبريطانيا، لكن هذا يعني توافر مصلحة ظرفية مشتركة، وليس بالضرورة تواطؤًا، بين الحركة القومية والحركة الاستعمارية الأوروبية، بدليل أن بريطانيا أخلت بالتزاماتها وبكل ما وعدت به في مراسلات حسين-مكماهون. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن حركة القومية العربية استهدفت، عبر مسيرتها التاريخية، تحقيق الاستقلال ليس فقط عن الإمبراطورية العثمانية وحدها، وإنما عن كل القوى الاستعمارية التي حاولت الهيمنة على العالم العربي، لتبين لنا بوضوح أنها حركة أصيلة استهدفت الدفاع عن مصالح وأمن الشعوب العربية كلها، ولم تكن بالضرورة حركة عميلة أو تابعة.

             في سياق ما تقدم، ينبغي النظر إلى القومية العربية، سواء على صعيدها الفكري، أو على صعيدها الحركي، لا باعتبارها رؤية أيديولوجية سياسية تحاكي أو تحاول تمييز نفسها عن الرؤى الأيديولوجية الأخرى، كالليبرالية والاشتراكية وغيرها، وإنما باعتبارها حركة تحرر وطني تستهدف تحقيق أمرين رئيسيين، الأول: تحرير الوطن العربي من كل أشكال الاستعمار والتبعية للقوى الخارجية، والثاني: توحيد الشعوب العربية في دولة عربية واحدة، أيًّا  كان الشكل السياسي أو القانوني الذي يمكن أن تتحقق من خلاله هذه الوحدة، وأيًّا كانت الأيديولوجية الرسمية التي تتبناها دولة الوحدة، بعد قيامها. بعبارة أخرى، يمكن القول إن بوسع كل مؤمن بالوحدة العربية أو مقتنع بانتماء الشعوب العربية إلى أمة واحدة، أن ينتمي في الوقت نفسه لأي من التيارات الفكرية والسياسية المتنافسة على الساحة، كأن يكون ليبراليًّا أو اشتراكيًّا أو منتميًا لأي من فصائل أو تيارات الإسلام السياسي. ولا جدال عندي في أن الصدام الذي وقع فعلًا بين التيارين العروبي والإسلامي، خاصة خلال الحقبة الناصرية، كان أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى إضعافهما معًا وشل حركة التحرر الوطني والقومي في العالم العربي، وبالتالي وقف حركة النهضة العربية ككل. ولا يعود ذلك، في تقديري، إلى قصور بالضرورة في الأفكار المؤطرة لهاتين الحركتين السياسيتين، وإنما يعود إلى قصور في النضج السياسي من جانبهما معًا. لذا، أعتقد أن أي محاولة لوضع العروبة والقومية العربية في مواجهة أو في تناقض مع الدين الإسلامي هي محاولة لا تتسق مع أي تحليل علمي، وبالتالي مصيرها الفشل.

             قد يقول قائل إنه يستحيل على المنتمين فكريًّا وحركيًّا لتيار الإسلام السياسي أن يتبنوا في الوقت نفسه أفكارًا عروبية أو قومية، لأنهم يعتقدون أن الشعوب العربية لا تشكل أمة قائمة بذاتها، وإنما هي جزء من أمة إسلامية أوسع تقوم على وحدة المعتقدات الدينية، وبالتالي يرون أن الوحدة التي ينبغي التطلع إليها والعمل من أجلها هي وحدة الشعوب والدول الإسلامية وليس وحدة الشعوب والدول العربية. لكن هل يمكن إقامة الوحدة الإسلامية ودولة الخلافة دون المرور أولًا بوحدة الدول العربية، وهل يتصور البعض أن طريق الوحدة بين الدول والشعوب الإسلامية، المنتشرة في كل بقاع العالم، أقصر أو أسهل من الطريق إلى وحدة الدول والشعوب العربية، بل هل يمكن إقامة الوحدة بين الدول والشعوب العربية دون وجود دول وطنية يتمتع فيها المواطن بحرية التعبير والاختيار والمشاركة في صنع القرار؟ الحقيقة أنه يستحيل عمليًّا إقامة “دولة الخلافة” قبل إقامة “دولة العروبة”، وأن إقامة “الدولة الوطنية” المتماسكة اجتماعيًّا وسياسيًّا شرط يسبق قيامهما معًا! لكن طرح القضية على هذا النحو يثير إشكالية من نوع آخر، وهي إشكالية الهوية، وليس إشكالية التناقض بين القومية والدين. فبعض المصريين يتصورون أن “الفرعونية”، وليس العروبة أو الإسلام هي هوية مصر الحقيقية، وبعض اللبنانيين يتصور أن “الفينيقية” وليس العروبة أو الإسلام هي هوية لبنان الحقيقية…  إلخ. وتلك إشكالية تستحق أن نعالجها في مقال منفصل.