الحوار الأورو–متوسطي الثاني بعمّان يدعو إلى شراكة متجددة قائمة على الكرامة الإنسانية والتضامن والمسؤولية المشتركة

لا ينبغي أن يكون الشمول مكافأةً على التعاون، بل شرطًا له– صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال

 

عمّان، 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026 – في لحظة اتسمت بالحزن والغضب وتزايد حالة عدم اليقين في أنحاء الشرق الأوسط، وجّه صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال رسالة إنسانية مؤثرة، حملت معاني الأمل والتضامن، خلال مشاركته في النسخة الثانية من الحوار الأورو-متوسطي. ودعا سموه إلى تبنّي رؤية إنسانية شاملة لتحقيق السلام والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، تقوم على احترام الكرامة الإنسانية والحقوق والعدالة والتعاون بين الشعوب.

واكتسبت رسالة سموه أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن والمنطقة، في ظل المآسي الأخيرة واستمرار العنف ومعاناة المدنيين، وما تفرضه هذه الأوضاع من تحديات على ثقة المجتمعات ومدى التزام المجتمع الدولي بالمبادئ التي يتبناها. وفي خضم هذه الظروف المؤلمة، شكّلت مداخلات سموه دعوة إلى إبقاء الحوار والتراحم والتضامن في صميم الخيارات السياسية، حتى في أحلك الظروف.

ونظّمت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، من خلال مبادرتها للشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا (EMI)، هذا الحوار بالشراكة مع سفارة مملكة بلجيكا في الأردن ومنظمة الدبلوماسي المستقل (Independent Diplomat)، بمشاركة نخبة من كبار صانعي السياسات والدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين الحاليين والسابقين، وممثلي الأمم المتحدة، والأكاديميين، وممثلي المجتمع المدني.

وافتُتحت أعمال الحوار بكلمات لكل من الأستاذ الدكتور زيد عيادات، رئيس مجلس أمناء النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)؛ والسيد دومينيك بارتش، رئيس مبادرة أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا والممثل السابق للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن؛ وسعادة السفير بيير كريستوف خاتزيسافاس، سفير الاتحاد الأوروبي لدى الأردن؛ وسعادة السفير جانماركو ريتسو، سفير مملكة بلجيكا لدى الأردن؛ وسعادة السفير سامر نبر، مدير إدارة الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية.

لا يمكن بناء مستقبل مشترك في ظل مسؤوليات منقسمة

سلّطت النقاشات الضوء على واقع معقّد يتمثل في تزايد الترابط بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بفعل التحديات المشتركة، في الوقت الذي لا تزال فيه الاستجابات السياسية لهذه التحديات تتسم بالتشتت. فمن الدمار في غزة والضغوط المتزايدة على المؤسسات الإنسانية، إلى النزوح وانعدام الأمن الاقتصادي وتراجع الثقة بالحوكمة الدولية، باتت تداعيات التقاعس عن العمل ملموسة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وأكد الحوار ضرورة تجاوز التعاون الأوروبي مع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المقاربات التي تقتصر على إدارة الأزمات والاعتبارات الأمنية وضبط الهجرة، نحو شراكة أكثر توازنًا تستثمر في الإنسان، وتحمي الحقوق، وتعزز المؤسسات، وتوفر الفرص للأجيال الشابة.

وتناولت ثلاث جلسات هذه التحديات من خلال محاور مترابطة شملت الدبلوماسية والتنمية والحوكمة.

حملت الجلسة الأولى عنوان الدبلوماسية في ظل نظام دولي متشظٍ، وشارك فيها دولة الدكتور عمر الرزاز، رئيس الوزراء الأردني الأسبق؛ والسيد غيوم شارون من منظمة الدبلوماسي المستقل؛ والسيدة أنطونيا دي ميو، نائبة المفوض العام للأونروا لشؤون الخدمات التشغيلية؛ والسيدة ماريا ستافروبولـو، ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن. وأدار الجلسة الدكتور ليكس تاكنبرغ، حيث تناولت مستقبل الدبلوماسية الإنسانية، وحماية اللاجئين الفلسطينيين، والتحديات التي تواجه وكالة الأونروا، والحاجة الملحّة إلى استعادة الثقة بالقانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف.

أما الجلسة الثانية، بعنوان إعادة التفكير في التنمية والتعاون بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فجمعت السيد أحمد عوض من مركز الفينيق؛ والسيد يوست دي فريس من سفارة مملكة هولندا؛ والدكتور لورينز بيترسن من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) في الأردن؛ ومعالي الدكتورة سوسن المجالي، وأدارتها السيدة سيلين كاري. وبحث المشاركون سبل تطوير الشراكات التنموية لتكون أكثر استجابة للواقع الاجتماعي والاقتصادي، مع التركيز على سبل العيش المستدامة، والحماية الاجتماعية، وتعزيز الملكية المحلية للجهود التنموية. كما شكّل ميثاق الاتحاد الأوروبي من أجل المتوسط إطارًا مهمًا للنقاش حول بناء شراكة أكثر إنصافًا وتوازنًا.

وتناولت الجلسة الثالثة، بعنوان الحوكمة في أوقات الأزمات، أهمية بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة وتعزيز المشاركة المدنية ودور المجتمعات المحلية والشباب في استعادة الثقة. وشارك فيها السير تشارلز بيتري، الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة؛ والسيد مالك بن عاشور، النائب السابق في البرلمان البلجيكي؛ وسعادة النائب مارك ضو، عضو مجلس النواب اللبناني؛ والسيدة ماريا إيلينا رونزا، رئيسة مؤسسة سيلا للتدريب وحماية التراث. وأدارت الجلسة السيدة ماريا جوفانا مارياني.

من الحوار إلى المسؤولية المشتركة

برزت خلال الجلسات رسالة أساسية مفادها أن أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تستطيعان مواجهة تحديات اليوم كلٌّ على حدة. فمستقبلهما مترابط، والتعاون الفاعل بينهما يتطلب الإصغاء إلى أصوات المنطقة، والإقرار باختلال موازين القوة، وترجمة الالتزامات السياسية إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس.

وبالنسبة إلى الأردن، الذي دأب على الدعوة إلى الاعتدال وتحمل المسؤولية الإنسانية والحوار، رغم الضغوط الإقليمية الهائلة، أكد هذا اللقاء أهمية الحفاظ على جسور التواصل والتفاهم، لا سيما في الأوقات التي يبدو فيها الانقسام أسهل من التفاهم.

واختُتمت أعمال النسخة الثانية من الحوار الأورو-متوسطي وشمال أفريقيا بدعوة متجددة إلى تحويل التحديات والاهتمامات المشتركة إلى تعاون عملي، انطلاقًا من الإيمان بأن البحر الأبيض المتوسط يجب ألا يبقى مجرد ساحة لتضارب المصالح وتكرار الأزمات، بل يمكن أن يصبح فضاءً للتضامن والاحترام المتبادل والحلول المشتركة.

وستسهم مخرجات النقاشات في توجيه المرحلة المقبلة من عمل مبادرة أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع التركيز على استدامة قنوات الحوار والتبادل، وتعزيز العلاقات بين الجهات المعنية في المنطقة وأوروبا، وتحديد فرص تحويل الحوار بشأن السياسات إلى تعاون عملي يحقق نتائج ملموسة.

مواضيع ذات صلة