إيزوتسو ورؤية العالم الكلامية

السيد ولد أباه

توشيهيكو إيزوتسو مستعرب ياباني مشهور، توفي سنة ١٩٩٣، ترجم القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية، وكتب كتبًا مهمة حول المفاهيم الأخلاقية في القرآن والتصورات الإسلامية للألوهية والإنسان، واهتم بالأدبيات الصوفية في تناولها لموضوعات الوجود والترقي الروحي.

ومع أن إيزوتسو لم يدرس، بصفة مباشرة، علم الكلام الإسلامي، فإنه أدخل إلى هذا الحقل مناهج وطرقًا جديدة، تتركز في النظر إلى النص الديني من حيث كونه يعكس، في نسقه اللغوي والدلالي، رؤية كاملة للعالم، لا تنحصر في موضوع الصفات والأفعال الإلهية، بل تتعلق بالمنظور الأخلاقي والقيمي الواسع.

ومن الجلي أن إيزوتسو يرجع هنا إلى تقليد فلسفي معروف، هو حقل الهرمنوطيقا التي بلورت فكرة رؤية العالم، كما لدى دلتاي في ربطه بين الفكر والوضع المعيش، ولدى غادامير في فكرة الأفق التأويلي الحي، وإلى حقل اللسانيات المعاصرة وما أفضت إليه من تأسيس علم واسع للدلالة لدى فرديناند دي سوسير (أي نظريات العلامات من حيث السياق التواصلي العام).

بالنسبة إلى إيزوتسو، يتعين أن تخرج الكلاميات من مسلكين يعتبرهما متجاوزين، هما: المبحث التاريخي الذي يعكس الجدل العقدي والسياسي الإسلامي في مراحل زمنية سابقة، والمبحث الاجتماعي الضيق الذي يحصر الأفكار في دلالات محدودة يعتبر أنها هي الوضع الأصلي لتشكلها.

ومن هنا ضرورة استكشاف رؤية العالم الإسلامية من خلال التحليل اللغوي للنص المرجعي، الذي هو القرآن الكريم، وفق ما قام به إيزوتسو في كتابيه الرئيسيين: «الله والإنسان في القرآن» (صدر سنة ١٩٦٤)، و«المفهومات الأخلاقية-الدينية في القرآن» (صدر سنة ١٩٦٦).

في الكتابين، يطبق إيزوتسو نهج المنهج السيميائي-الدلالي، لكن من منظور أوسع من المقاربات اللسانية النقدية التي تكتفي بتشريح النص لرصد نمط انتظامه الداخلي. إنه يعني بعلم الدلالة، حسب عباراته، «دراسة تحليلية للمصطلحات المفتاحية الخاصة بلغة ما، تتطلع في الوصول في النهاية إلى إدراك الرؤية العامة للعالم الخاصة بالناس الذين يستخدمون تلك اللغة».

اللغة، بهذا المعنى، ليست مجرد أداة للتعبير أو التفكير، بل تكشف عن رؤية كاملة للعالم، من حيث النظر إلى الوجود، وتشكيل المعنى، وضبط القيم المعيشة التي تنظم علاقات الناس فيما بينهم.

علم الدلالة هو، إذن، فلسفة وجود كاملة أو أنطولوجيا حية ومعيشة، وبتطبيقها على القرآن يكون الهدف هو رصد المفاهيم التي تشكل رؤيته للعالم، بضبط الشبكة المرجعية من العبارات والتصورات التي تسمح بالكشف عن معانيه الكلية الشاملة.

المشكل المنهجي الأول الذي تطرحه هذه المقاربة هو استكشاف الشحنة الدلالية القيمية للألفاظ في استخدامها القرآني، مع العلم أنها تشكلت واستخدمت في حقل لغوي سابق على الإسلام.

هذا التحليل يصدق على المفاهيم المفتاحية الأساسية في القرآن، وفي مقدمتها مفهوم الألوهية، الذي نُقل من السياق الطبيعي التعددي إلى أفق التوحيد والتعالي.

وفق هذا التمييز بين المعنى الأصلي أو «الأساسي»، حسب عبارة إيزوتسو، والمعنى «العلاقي»، أي الاصطلاحي الذي قننه التصور القرآني للعالم، تكتسي الرموز الأخلاقية والقيمية دلالة أساسية، حتى في النظر الطبيعي، باعتبار أن الظواهر الطبيعية هي «آيات» للاعتبار والتدبر، وطريق موصل إلى الله.

ومن هنا ندرك كيف شكّل مفهوم «التقوى» محور المنظومة الأخلاقية القرآنية، وهو في حقيقته نقل لدلالة الكرم من الفعل والسلوك الفردي، كما لدى عرب الجاهلية، إلى نقطة ارتكاز معيارية كونية.

وفي بنية التوحيد، إذا كان علم الكلام قد اكتفى، في تصور العلاقة بالله، بالمنظور الإبستمولوجي (أي معرفة الله في صفاته وأفعاله)، فإن علم التصوف استكشف أوجه العلاقة الأخلاقية بالإله الخالق، تقربًا وتجليًا وعرفانًا.

ومع أن إيزوتسو يقف عند الحقول الدلالية المختلفة في القرآن الكريم، من خلال منهجه في تحليل الكلمات المفتاحية، فإنه يمنح أولوية كبرى لثنائية الله والإنسان، التي يرى أنها محور رؤية العالم القرآنية.

ومن هنا تأكيد النزعة الإنسانية القوية في القرآن، التي لا تتعارض مع مركزية التوحيد الإلهي: «وفي الحقيقة، فإن الإنسان بطبيعته وسلوكه ونفسيته وواجباته ومصيره، ينال اهتمامًا مركزيًا في الفكر القرآني بالقدر الذي تناله مسألة الله ذاته».

إيزوتسو يتحدث هنا عن «التواجه الأساسي لهذين المفهومين الأكبرين» (ويعني الله والإنسان)، باعتباره «التضاد المفهومي الأكثر أهمية في القرآن». لكن عبارة «تضاد» لا تعني التناقض والتعارض، بل الاستقطاب الثري الذي تترتب عليه علاقة تجمع بين الانفصال العقدي والوجودي والاقتراب القيمي والروحي (الجلال والجمال، والقهر والرحمة…).

في هذه الشبكة التواصلية بين الله والإنسان، تندرج مفاهيم رئيسية، مثل الخلق الذي هو رابطة وجودية جوهرية، والوحي من حيث هو رسالة ربانية للبشر، والدعاء الذي هو خطاب بشري موجه إلى الله.

في تحليله المفهومي للبنية الأخلاقية للقرآن الكريم، يقف إيزوتسو عند ثنائيات الإيمان والكفر، والدنيا والآخرة، والصالح والسيئ، والخير والشر، والمعروف والمنكر، والحلال والحرام، مستنتجًا أن الإسلام استطاع، من خلال عملية نقل دلالي واسع، شحن المفاهيم والعبارات اللغوية بقيم ومعانٍ جديدة، بما يعني القطيعة الكاملة مع التقليد الوثني الجاهلي.

في السنوات الأخيرة، سُجل اهتمام واسع بأفكار إيزوتسو في حقل الدراسات الإسلامية، رغم أن كتبه الأساسية صدرت في ستينيات القرن الماضي. وقد جرى هذا الاهتمام في سياق مزدوج: من جهة، انفجار الدراسات اللغوية والسيميائية عربيًا، خصوصًا في المجالات الأدبية والنقدية؛ ومن جهة أخرى، شيوع النموذج المقاصدي في أصول الفقه، الذي فتح المجال أمام التأويل الأخلاقي للقرآن، رغم الطابع الأيديولوجي الغالب على المباحث المقاصدية في العالم العربي.

لقد سلك البعض خطوات إيزوتسو في استكشاف رؤية القرآن للعالم (ومن أهم الإحالات في هذا الاتجاه دراسة المستشرقة الألمانية البارزة أنجليكا نويفرت حول الرحمة في القرآن المكي، التي ترجمها صديقنا المفكر اللبناني المعروف رضوان السيد)، لكن التفسير الأخلاقي للقرآن الكريم لا يزال مشروعًا مطلوبًا في المستقبل.أبقيتُ التدخل في حدود التحرير اللغوي والترقيمي قدر الإمكان، من دون تغيير أطروحة الكاتب أو إعادة صياغة أفكاره بأسلوب مختلف.