عادةً ما تتأرجح الكتابات الاستشراقية حول علم الكلام بين إرجاع كل مقولاته ونظرياته إلى اللاهوت المسيحي والفلسفة اليونانية، أو إنكار العمق الفلسفي للتقليد الكلامي والنظر إليه بوصفه نمطًا من المناظرات الجدلية العقيمة. أما الباحثون العرب الذين أرادوا إعادة الاعتبار لعلم الكلام، من علي سامي النشار إلى محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن، على اختلافهم الواسع في الرؤية والمنهج، فقد اعتبروه علمًا إسلاميًا خالصًا، مستقلًا عن المباحث الفلسفية من حيث المقاربات والمنطلقات والآليات البرهانية.
لقد ظهرت أطروحة الأصول اللاهوتية والفلسفية لعلم الكلام مبكرًا في كتاب المستشرق المجري إغناتس جولدتسيهر، *”العقيدة والشريعة في الإسلام”*، الصادر سنة 1910، وقد أرجع فيه الجدل الإسلامي حول الصفات الإلهية والجبر والاختيار وخلق القرآن إلى النقاشات اللاهوتية المسيحية المتأثرة بالفلسفة اليونانية.
وقد ظهرت الأطروحة نفسها في كتاب المستشرق الأمريكي هاري أوسترين ولفسون، *”فلسفة الكلام”*، الصادر سنة 1976، مضيفًا التأثير اليهودي من خلال الفيلسوف فيلون الإسكندري، الذي عُرف بمذهبه الخاص في التأويل الرمزي للنصوص الدينية ونظريته التنزيهية في الصفات الإلهية. وفي كتابه المذكور، يستشهد ولفسون بالشهرستاني وابن خلدون في تأكيدهما أن المتكلمين خلطوا تصوراتهم العقدية بالفلسفة اليونانية، بدءًا من مرحلة النضج الاعتزالي في حقبة أبي الهذيل العلاف، ت 227هـ، وإبراهيم النظام، ت 231هـ، مع قول ابن خلدون إن الأشعرية انتقلت مع الغزالي إلى نمط علم الكلام الفلسفي.
ورغم أن المستشرق الألماني المعروف جوزيف فان إس انتقد كثيرًا من الآراء التي تنفي أصالة علم الكلام الإسلامي، فإنه، في دراسة مهمة حول *”البنية المنطقية للاهوت الإسلامي”*، يرجع منهج الجدل والقياس الكلامي إلى التأثير الرواقي، قبل أن ينتقل المتكلمون مع الغزالي إلى استيعاب المنطق الأرسطي.
إن الأطروحتين كليهما، أي أطروحة الأصول اللاهوتية والفلسفية لعلم الكلام وأطروحة استقلاليته التامة، تتسمان بالتبسيط المخل، وتعجزان عن إدراك خيوط التداخل الكثيف بين علم الكلام والفلسفة، رغم انفصالهما تصوريًا ومنهجيًا.
فليس صحيحًا أن علم الكلام تشكّل في بيئة إسلامية محضة دون تأثير فلسفي، بل إن الجدل الكلامي الأول برز في سياق ثقافي كان للفكر اليوناني فيه حضور لافت، بالنظر إلى انتقال المدارس الفلسفية اليونانية المتأخرة إلى مناطق مهمة من الشرق العربي، أصبحت لاحقًا من حواضر الإسلام الكبرى، مثل الإسكندرية وأنطاكية والرها وحران. ولم تكن المباحث العقدية الإسلامية لتتشكل خارج هذا المناخ، الذي تقوّى فيه التقليد المسيحي النسطوري، الجامع بين منطق أرسطو وميتافيزيقا أفلوطين وفلكيات بطليموس، والفلسفات الهرمسية والغنوصية الفارسية التي استبطنت جوانب أساسية من الفلسفة اليونانية، ممتزجة بالديانة المانوية.
إلا أنه من الخطأ النظر إلى المتكلمين الأوائل، مثل القدرية والجهمية، على أنهم انطلقوا في تناولهم معضلة الجبر والاختيار أو مسألة الصفات الإلهية، وهي من إشكاليات الاعتقاد الإسلامي، من خلفيات مانوية أو لاهوتية مسيحية، كما في حالة معبد الجهني وجعد بن درهم وجهم بن صفوان.
ويمكن القول إجمالًا إن التقليد الكلامي الإسلامي احتك بالفلسفة منذ نشأته، لكنه طور نهجًا نظريًا خاصًا به، من حيث المقولات والمفاهيم وآليات الاستدلال. كما أنه كان حاسمًا في صياغة نمط الخطاب الفلسفي الإسلامي، كما نلمس في كتابات الكندي الذي جمع بين الكلام والفلسفة. وقد قام المنعرج السينوي في الفلسفة الإسلامية على أساس صياغة أنطولوجية لمقولات كلامية، كما لاحظ ابن رشد. وفي المباحث الكلامية المتأخرة، بعد أبي هاشم الجبائي وفخر الدين الرازي، أُعيدت صياغة المباحث الكلامية على أسس فلسفية تختلف نوعيًا عن التقليد الكلامي الأصلي.
ما يتعين التنبيه إليه هو أن علم الكلام، وإن استخدم على نطاق واسع أطر التفكير الفلسفي، فإنه بلور اتجاهات ومقاربات مغايرة للتراث اليوناني، سواء تعلق الأمر بمنطق الحدود الأرسطي، الذي استُبدل بمنطق القضايا والتقسيم والقياس التمثيلي، أو بفيزياء المادة والصورة، التي استُبدلت بنظرية الجوهر الفرد وما تقوم عليه من تصور انفصالي للمكان والزمان وإقرار بالخلاء، أو بأنطولوجية الوجود، التي استُبدلت بأنطولوجية الشيء وما تتأسس عليه من نظرية الصفات المجردة والفصل بين الجوهر والصفات.
إن هذه التصورات اقتضتها بالضرورة الالتزامات العقدية المترتبة على أفق التعالي والتوحيد والخلق، الذي هو الإطار الناظم لعملية التفكير الكلامي. غير أن هذه المفاهيم والتصورات دشنت سياقات تأملية ونظرية جديدة وواسعة، استُثمرت في الأعمال الفلسفية الإسلامية الوسيطة، وكان لها أثرها القوي في السردية الفلسفية الحديثة.
ومن الواضح أن المتكلمين، منذ بدايات الكلام الاعتزالي على الأقل، كانوا مطلعين على الفلسفة اليونانية في مباحثها الطبيعية والمنطقية والميتافيزيقية، وقد نقدوها ولم يتبنوا كثيرًا من آرائها، باعتبارها لا تنسجم مع مجالهم التداولي.
وبالرجوع إلى *”الفهرست”* لابن النديم، نجد أنه يخبرنا، مثلًا، أن ضرار بن عمرو الغطفاني، ت 200هـ، وهو من متكلمي نهاية القرن الثاني، كتب ردًا على أرسطو في الجواهر والأعراض، في حين كتب أبو الهذيل العلاف، ت 227هـ، ردًا على السوفسطائية، وكتب النظام، ت 231هـ، *”ردًا على أصحاب الهيولى”*، وكتب أبو هاشم الجبائي، ت 321هـ، نقضًا لنظرية الكون والفساد لدى أرسطو.
وإذا كانت هذه الكتب قد فُقدت، فقد حفظ لنا التاريخ كتب المتكلمين الأشاعرة في نقد الفلسفة، مثل *”تهافت الفلاسفة”* لأبي حامد الغزالي، ت 505هـ، و*”مصارعة الفلاسفة”* للشهرستاني، ت 548هـ، و*”المباحث المشرقية”* لفخر الدين الرازي، ت 606هـ.
وعلى عكس الصورة السائدة، لم يحل نقد المتكلمين للفلاسفة دون الاستفادة الواسعة من التصورات والإشكالات الفلسفية، كما هو ظاهر في تفضيل المنطق الرواقي على المنطق الأرسطي، لكونه أكثر مناسبة للبنية التأويلية الإسلامية، وفي تفضيل فيزياء أفلاطون في محاورة “تيماوس” على طبيعيات أرسطو، واستيعاب الأنطولوجيا السينوية في المنهجية الكلامية حتى لدى أكبر خصوم ابن سينا، مثل الغزالي وفخر الدين الرازي.
وهكذا نستنتج أن خيوط الوصل بين الفلسفة وعلم الكلام ظلت ممدودة، رغم اختلاف المبحثين من حيث الخلفيات والمقاربات والمناهج.









