في زمن الحرب: سلسلة الحوارات السياساتية الإقليمية
بمشاركة سحر فرنسيس، المحامية الفلسطينية المختصة بحقوق الإنسان والمدافعة عن الأسرى السياسيين الفلسطينيين منذ أكثر من 25 عاماً، والدكتور منير نسيبة، الأستاذ المساعد في كلية الحقوق بجامعة القدس ومدير ومؤسس مشارك لعيادة القدس لحقوق الإنسان.
نبذة عامة
يشهد الشرق الأوسط تصعيداً خطيراً للصراع، يرتكز إلى قضايا بنيوية مزمنة، من بينها الإرث الاستعماري والقضية الفلسطينية غير المحسومة. وفي هذا السياق، عقد مركز النهضة الاستراتيجي حواراً سياساتياً رفميا بتاريخ 27 نيسان/أبريل 2026، تحت عنوان: “فلسطين في قلب الحرب الإقليمية: توسّع الضم الاستعماري والعنف السياسي”.
تناولت الندوة الكيفية التي تسهم بها أشكال العنف الاستعماري الراهنة في فلسطين، بما في ذلك تسارع ضم الأراضي في الضفة الغربية، وإضفاء الطابع الرسمي على عقوبة الإعدام بحق الأسرى، وأشكال القمع السياسي الأوسع، في تشكيل الحرب الإقليمية الأوسع والتأثر بها في الوقت نفسه. كما ناقشت الندوة كيف تبقى فلسطين محوراً أساسياً لفهم الأزمة الإقليمية الراهنة ومساراتها المستقبلية.
وقدّم المتحدثان، سحر فرنسيس، المحامية الفلسطينية المختصة بحقوق الإنسان والمدافعة عن الأسرى السياسيين الفلسطينيين منذ أكثر من 25 عاماً، والدكتور منير نسيبة، الأستاذ المساعد في كلية الحقوق بجامعة القدس ومدير ومؤسس مشارك لعيادة القدس لحقوق الإنسان، تحليلاً معمقاً لكيفية تشكّل قانون الإعدام، والانتهاكات وسوء المعاملة بحق الأسرى الفلسطينيين، وتسارع ضم الأراضي، والقمع السياسي في الضفة الغربية، بوصفها جميعاً عناصر مركزية لفهم الديناميكيات الفعلية الكامنة وراء الحرب الإقليمية الحالية.
وأدارت الحوار الدكتورة مريم أبو سمرة، رئيسة مركز النهضة الاستراتيجي في منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية.
فلسطين في قلب الحرب الإقليمية
استهلّت الدكتورة مريم أبو سمرة الجلسة بالتأكيد على أن فلسطين تمثل جزءاً من منطق ومشروع استعماري يتجاوز حدود جغرافيتها المباشرة. فبُنى التهجير، والتوسع الإقليمي، والعنف، لا تقتصر على فلسطين وحدها، بل تُشكّل ملامح المنطقة بأسرها. وتبقى فلسطين في الوقت ذاته محوراً مركزياً للحرب الإقليمية الراهنة ومتأثرة بها.
معاملة الأسرى الفلسطينيين
أوضحت سحر فرنسيس أن تصاعد الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين يُعد مكوناً بنيوياً في مشروع استيطاني استعماري غير قانوني، يستند إلى نظام قانوني مزدوج وتمييزي تم تطبيعه، وإلى حالة من التقاعس الدولي. كما أن توظيف إسرائيل للأدوات القانونية كسلاح يُعد جزءاً أساسياً من سياق تطبيع العنف الذي انتهجته تاريخياً، بما في ذلك تشريع عقوبة الإعدام عبر نظامها القضائي.
ويعتمد هذا النظام على أنظمة الطوارئ البريطانية وقانون “مكافحة الإرهاب” لعام 2016، وصولاً إلى إقرار قانون الإعدام في 30 آذار/مارس 2026، والذي ألغى ضمانات قضائية أساسية، ما أدى إلى ترسيخ نظام وصفه خبراء بأنه غير قابل للإصلاح ويتطلب التفكيك الكامل. كما يتجاوز النظام القضائي العسكري الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بشكل منهجي أحكام القانون الدولي الإنساني، من خلال تطبيق أنظمة الطوارئ البريطانية الصارمة لعام 1945، التي تعطي الأولوية للسرية على حساب معايير المحاكمة العادلة.
ورغم أن عقوبة الإعدام كانت موجودة مسبقاً ضمن النظام القضائي العسكري الإسرائيلي، إلا أن اتخاذ القرار كان يتطلب إجماعاً، وكانت السلطات العسكرية تمتلك صلاحية منح العفو أو تخفيف الحكم. غير أن التعديل الذي أُدخل في 30 آذار/مارس 2026 على “قانون عقوبة الإعدام بحق الإرهابيين” ألغى المزيد من الضمانات القضائية الأساسية، وأرسى إطاراً قانونياً تمييزياً يستهدف الفلسطينيين حصراً.
ويُعد هذا القانون قانوناً تمييزياً يعكس نظام الفصل العنصري القانوني، إذ تُطبّق القوانين العسكرية في الأراضي المحتلة ضد الشعب الفلسطيني فقط، وليس ضد المستوطنين.
ووفقاً للقانون الدولي الإنساني، ينبغي لأي تشريع جديد يفرضه الاحتلال أن يراعي حماية مصالح السكان الواقعين تحت الاحتلال، وهو ما لا تحترمه عقوبة الإعدام. وقد تناولت منظمات حقوق الإنسان الدولية وعدد من المقررين الخاصين هذه الجوانب الخطيرة في نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلية. كما شددت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في أحدث تقاريرها، وبوضوح أكبر، على أنه لا يمكن إصلاح هذا النظام، بل يجب تفكيكه، باعتباره انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي.
الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين
شهدت أوضاع مراكز الاحتجاز الإسرائيلية تدهوراً حاداً منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع ورود تقارير عن ممارسات واسعة النطاق ومنهجية من التعذيب والعنف بحق أكثر من 30 ألف معتقل فلسطيني جرى اعتقالهم منذ ذلك التاريخ. وتشير التوثيقات إلى أن هذه الانتهاكات، التي أدت إلى وفاة عدد كبير من المعتقلين، تمثل سياسة ممنهجة وليست حوادث فردية.
وتتعرض حقوق الأسرى لانتهاكات غير مسبوقة من خلال الإهمال الطبي المتعمد، والتجويع المقصود، وقطع الموارد الأساسية مثل المياه والكهرباء. كما تُداهم غرف الأسرى يومياً، وتُمنع العائلات واللجنة الدولية للصليب الأحمر من الزيارة. وتشير التقارير إلى وفاة أكثر من 89 معتقلاً، بينهم طفل، في ظل انتشار واسع وغير معالج لمرض الجرب نتيجة الانعدام الحاد للنظافة والعزل الكامل عن العالم الخارجي.
كما وردت تقارير عن فترات طويلة من التحقيق والاحتجاز دون تهمة أو محاكمة، حيث أمضى بعض المعتقلين أكثر من عامين في الاعتقال الإداري، بمن فيهم أطفال. ويبلغ عدد الأطفال المعتقلين حالياً 350 طفلاً، فيما يصل العدد الإجمالي للفلسطينيين المحتجزين إلى نحو 10 آلاف معتقل.
وتحتجز السلطات الإسرائيلية أكثر من 700 جثمان لأشخاص توفوا داخل السجون، يعود بعضها إلى عقود مضت، وهو ما يشكل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي بحق عائلات المتوفين.
السياق الأوسع
من المهم النظر إلى الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين ضمن السياق الأوسع للنظام الإسرائيلي، الذي يطبق بشكل ممنهج سياسات الفصل العنصري والإبادة والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني. وقد تصاعدت جميع هذه الممارسات العنيفة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر.
كما أن مصادقة الكنيست على “قانون عقوبة الإعدام”، بعد سنوات من المعارضة السياسية داخل إسرائيل، تعكس شعوراً متزايداً بالإفلات من العقاب. وبالتالي، ليس من المستغرب تصاعد التعذيب وسوء معاملة الأسرى الفلسطينيين بالتوازي مع ذلك. وتمثل الجهود الرامية إلى تطبيع القمع العنيف للفلسطينيين جزءاً من أجندة أوسع.
ويُعد هذا الواقع اختباراً حاسماً؛ فإذا سمح المجتمع الدولي بترسيخ هذه المعايير الجديدة، فقد يشكل ذلك نهاية فعلية للقانون الدولي. ومن هنا تبرز أهمية إجراء تحليل بنيوي لهذه القضايا.
الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية من قبل الاحتلال الإسرائيلي
سلّط الدكتور منير نسيبة الضوء على جهود الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى إضفاء الشرعية على عملية الضم الفعلي من خلال إطار قانوني يسهل عمليات التهجير المستمرة والمتسارعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتوفر النكبة سياقاً أساسياً لفهم ما يجري اليوم. ففي ظل الحرب، نجحت إسرائيل في تهجير 80% من الشعب الفلسطيني، ما أدى إلى نشوء أزمة اللاجئين الفلسطينيين. وقد تحقق ذلك عبر عمليات عسكرية شاركت فيها القوات الرسمية إلى جانب ميليشيات صغيرة.
واليوم، وفي ظل الإبادة الجماعية في غزة، والتصعيد في إيران ولبنان، وانشغال الإعلام بعيداً عن فلسطين، نشهد مجدداً دفعاً متسارعاً نحو الطموحات الاستعمارية الإسرائيلية. فقد ارتفع عدد المستوطنات الاستعمارية بشكل كبير، إلى جانب تطوير بنية تحتية مدنية تشمل طرقاً وحواجز، حتى باتت معظم القرى والمدن في الضفة الغربية محاطة بالبوابات والحواجز. وتعكس الشعارات الاستعمارية المكتوبة على الجدران، مثل “لا مستقبل في فلسطين”، هذا التوجه بوضوح.
وقد شكلت مسألة الضم، والاستيلاء على الأراضي، ودمج النظام القانوني الداخلي، والإبقاء على السيطرة العسكرية، هدفاً واضحاً لإسرائيل منذ فترة طويلة. فعلى سبيل المثال، تم الترويج لـ“اتفاق السلام” بين إسرائيل والإمارات باعتباره يشجع إسرائيل على التخلي عن الضم. إلا أن ما يجري على الأرض يمثل تطبيقاً عملياً للضم دون أي إعلان رسمي. وتُستخدم آليات متعددة لتحقيق هذا الضم الفعلي على أرض الواقع.
النظام القانوني الإسرائيلي كأداة للضم
يشكّل النظام القانوني الإسرائيلي أداة أساسية لتعزيز نظام الفصل العنصري وتحديد آليات عمله. وتعمل مؤسسات الدولة بصورة نشطة على تطوير آليات لتنفيذ الضم الفعلي؛ فعلى سبيل المثال، جرى تقديم تشريعات جديدة تهدف إلى توسيع نطاق تطبيق القوانين المدنية الإسرائيلية داخل المنطقتين “أ” و“ب”، بما يشمل المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية. كما جرى استغلال القوانين والأطر القانونية القائمة لتسهيل عمليات التهجير.
وفي القدس، تُهدم المنازل بحجة عدم الترخيص، في الوقت الذي ترفض فيه السلطات منح الفلسطينيين تصاريح البناء. أما في الضفة الغربية، فتُصنّف مساحات واسعة باعتبارها “أراضي دولة”، ما يتيح استخدامها للتوسع الاستيطاني والبناء الاستعماري، ويمنع الفلسطينيين من الاستفادة منها.
وفي المنطقة “ج” من الضفة الغربية، شرعت الحكومة الإسرائيلية والمجلس الأمني في عملية تسجيل للأراضي بهدف توثيق حقوق الملكية وسندات العقارات. وتتجاوز هذه العملية السلطة الفلسطينية بالكامل، ما يعمّق من سيطرة إسرائيل على الأراضي في إطار مشروعها الاستعماري.
أساليب أخرى للتهجير ونزع الملكية
أدت العمليات العسكرية المنظمة إلى تهجير عدد من مخيمات اللاجئين المدنية في شمال الضفة الغربية ومنطقة الأغوار. وفي غزة، جرى اعتماد استراتيجية قائمة على التدمير الشامل، حيث تم تدمير أكثر من 90% من المنازل والبنية التحتية، فيما بات نحو 55% من مساحة قطاع غزة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وامتد هذا الدمار إلى البنية التحتية الزراعية، ما قوض بشكل خطير قدرة الفلسطينيين على كسب سبل العيش وإنتاج غذائهم بأنفسهم.
أنماط “عنف المستوطنين” أو الإرهاب الاستعماري
يمثل ما يُعرف بـ“عنف المستوطنين”، أو الإرهاب الاستعماري، جانباً بالغ الأهمية في هذا السياق. ففي السنوات الأخيرة، عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى تسليح الأفراد ومنح تراخيص لحمل السلاح للمدنيين. كما شكّل المستوطنون ميليشيات تجوب القرى الفلسطينية وتهاجم المنازل والمزارع، ليس فقط خلال موسم قطف الزيتون، بل بشكل يومي.
وقد أدى ذلك، في بعض الحالات، إلى الإفراغ الكامل لبعض القرى أو تطهيرها من سكانها. ورغم أن هذه الميليشيات لا تُعد مؤسسات رسمية تابعة للدولة، فإن الدولة سهلت أعمالها ومنحتها الحصانة، بل وقعت بعض الاعتداءات بحضور عناصر من الجيش.
وتهدف هذه الآليات إلى تغيير التركيبة السكانية للأرض وتهجير الفلسطينيين قسراً من منازلهم وأراضيهم. ويعمل نظام الفصل العنصري الإسرائيلي على إنتاج موجة جديدة من النكبة، فيما تتحمل المجتمعات المدنية العبء الأكبر من هذا العنف. وقد أثبت النظام القانوني الدولي عجزه وعدم استعداده لتوفير الحماية اللازمة للشعب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، أضافت الدكتورة مريم أبو سمرة أن المظاهر المستمرة لمختلف أشكال القمع تكشف عن نمط من العنف الاستعماري الذي يواصل التطور والتكيف. وفي المقابل، فإن صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة لهذا العنف يعكسان مستوى عالياً من القدرة على الصمود والثبات.
امتداد العنف إلى المنطقة الأوسع
أكد النقاش أهمية وضع فلسطين في صلب أي نقاش يتعلق بانتشار العنف في المنطقة الأوسع. وأشار المتحدثان إلى أن الانتهاكات ذاتها التي تُرتكب في فلسطين باتت تحدث أيضاً في لبنان وسوريا، حيث تُستخدم أساليب التطهير العرقي لإفراغ تلك الأراضي تمهيداً للاستعمار.
وفيما يتعلق بالأسرى، تتواصل الاعتقالات والاحتجازات اليومية وسط غياب شبه كامل للمساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم. كما يستمر المشروع الاستعماري في فلسطين، بالتوازي مع الهجمات المالية والعنيفة التي تستهدف منظمات إنسانية مثل الأونروا، بما يعيق جهود توثيق الجرائم والانتهاكات.
ويشكل هذا الواقع تهديداً ليس فقط للمجتمع الحقوقي الفلسطيني، بل أيضاً لمنظومة حقوق الإنسان الدولية بأكملها.
وفي ختام الجلسة، أشارت الدكتورة أبو سمرة إلى أن العنف والوحشية المتصاعدين في المشروع الاستعماري يكشفان عن نظام يكافح للحفاظ على استمراريته، في ظل تزايد الإدراك العالمي بأن هذا الظلم غير قابل للاستدامة. كما يتزايد عالمياً الاعتراف بالطبيعة الاستعمارية لهذا العنف، وللمشروع نفسه، وللمنظومة الأوسع التي يمثلها.
الحوار مستمر
ستواصل سلسلة الحوارات السياساتية الإقليمية “في زمن الخرب” استكشاف هذه الديناميكيات في الجلسات المقبلة. وستجمع الجلسات القادمة مزيداً من الخبراء والمتحدثين الضيوف لتقديم قراءاتهم للأزمة المتطورة، بما يشمل تداعياتها الإنسانية، وآثارها الاقتصادية، وآفاق الدبلوماسية الإقليمية والدولية.
وتهدف هذه الحوارات مجتمعة إلى بناء فهم أكثر شمولاً وارتباطاً بالواقع لما يعنيه هذا الصراع بالنسبة للشرق الأوسط والعالم.