الصحافة التشاركية: دروس مستفادة من “يوميات النزوح في لبنان” – ملخص الجلسة

لا يزال لبنان يواجه ضغوطًا كبيرة ناجمة عن النزوح وتأثيراته على الأفراد والمجتمعات التي تعيش في البلاد. وفي ظل هذه التحديات، استضاف مركز النهضة الاستراتيجي في منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) ندوة بعنوان الصحافة التشاركية: دروس مستفادة من يوميات النزوح في لبنان لاستكشاف نموذج بديل من العمل الصحفي. فعلى خلاف التغطيات الإعلامية التقليدية والتقارير القائمة على الأرقام والإحصاءات، تمنح الصحافة التشاركية مساحة للأصوات الحقيقية وحرية التعبير للمجتمعات التي تعيش تجارب النزوح بشكل مباشر، والتي غالبًا ما تبقى مهمشة في السرديات الإعلامية السائدة.

أدارت الندوة ماريا جيوفانا مارياني، الباحثة في مركز النهضة الاستراتيجي، بمشاركة الصحفيتين آني سليمرود وزينب شمعون من منصة ذا نيو هيومانيترين (The New Humanitarian)، اللتين ساهمتا في تطوير مشروع السرد القصصي “يوميات النزوح في لبنان”.

تُعد آني سليمرود صحفية ومحررة حائزة على جوائز وصاحبة تجربة طويلة في تغطية قضايا المنطقة لأكثر من عقد، فيما تعمل زينب شمعون كصحفية وباحثة مستقلة من جنوب لبنان، وقد عاشت بنفسها تجربة النزوح وما تزال تتعامل مع تداعياته المستمرة.

تُعرف الصحافة التشاركية بأنها نموذج في إنتاج الأخبار يصبح فيه الأشخاص الذين تُروى قصصهم مشاركين فاعلين في عملية صناعة المحتوى، بدلًا من أن يكونوا مجرد موضوعات للتغطية الصحفية. فهي تكسر الحدود التقليدية بين الصحفي والمصدر، وتحول عملية إنتاج الأخبار إلى حوار حقيقي قائم على المشاركة. وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة أوسع من الفعاليات التي تجمع بين الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني لتسليط الضوء على هذا النهج الصحفي.

ماذا ستأخذ معك إذا اضطررت إلى النزوح من منزلك؟

افتتحت الصحفيتان الجلسة بسؤال تفاعلي وُجه إلى الحضور: إذا اضطررت إلى مغادرة منزلك بسبب النزوح، ماذا ستأخذ معك؟ وكان هذا السؤال هو نقطة الانطلاق الأساسية للمشروع نفسه. ورغم أن وسائل الإعلام التقليدية قد لا تركز عادة على مثل هذه التفاصيل الشخصية، فإنه يعكس صراعًا إنسانيًا عميقًا يعيشه الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم.

أدركت القائمتان على المشروع أن هذا السؤال يضفي بُعدًا إنسانيًا وشخصيًا على شهادات المشاركين في “يوميات النزوح في لبنان”، كما يساعد القراء على بناء صلة أكثر قربًا مع تجارب الأشخاص المتأثرين بالنزوح.

وأوضحتا أن التغطية الإعلامية كثيرًا ما تركز على الأرقام والبيانات، بينما تضيع التجارب الإنسانية الحقيقية، بما تحمله من مخاوف وآمال وتفاصيل الحياة اليومية. وقد سعى المشروع إلى قلب هذه المعادلة من خلال تسليط الضوء على عمق الصراع وأثره الإنساني. فالنزوح ليس حدثًا منفردًا له بداية ونهاية واضحتان، بل هو تجربة ممتدة ومتعددة الطبقات. ولخّصت سليمرود وشمعون هذه الفكرة بالقول: نهاية الحرب ليست نهاية القصة.”

اليوميات: خطوة بخطوة

استعرضت سليمرود وشمعون المنهجية التي اتبعها المشروع منذ ولادة الفكرة وحتى تنفيذها، والتي مرت بست مراحل رئيسية:

  1. تحديد الجمهور والأثر المتوقع

تمثلت الخطوة الأولى في تحليل الجمهور المستهدف والأثر المرجو من المشروع، وهي مرحلة أكدت الصحفيتان ضرورة البدء بها قبل إطلاق العمل فعليًا. استهدف المشروع الجمهور اللبناني بالدرجة الأولى، إلى جانب القراء الدوليين الذين يمتلكون اهتمامًا بالقضايا العالمية لكنهم قد لا يعرفون التفاصيل الدقيقة للأزمة اللبنانية، ويعتمدون في فهمها على التغطيات الإخبارية العامة.

  1. اختيار الشكل الأنسب للسرد

اختارت سليمرود وشمعون صيغة “اليوميات” لأنها تتيح للأشخاص التعبير عن أنفسهم بحرية وبشكل أصيل، حيث كتب المشاركون قصصهم بلغتهم الخاصة، وأرفقوا صورًا ومقاطع فيديو تعكس تفاصيل تجاربهم. كما حافظ المشروع على اختلاف اللهجات العربية داخل النصوص، وهو أمر نادر في العمل الإعلامي، لما يحمله من أهمية في نقل هوية كل شخص وتفرده.

  1. اختيار المشاركين وتوسيع دائرة الوصول

حرص فريق العمل على الوصول إلى أشخاص من خلفيات وتجارب متنوعة، وعدم الاكتفاء بالشبكات والعلاقات القائمة. ورغم الصعوبات المرتبطة بظروف النزوح وصعوبة الوصول إلى بعض الفئات المهمشة، سعى المشروع إلى تقديم أكبر قدر ممكن من التنوع ضمن القصص العشر التي تم اختيارها للنشر من بين عدد أكبر بكثير من الروايات المتاحة.

  1. اعتماد نهج صحفي يراعي الصدمات النفسية

التزمت الصحفيتان بإرشادات الصحافة المراعية للصدمات، حيث تشاورتا مع معالجة نفسية متخصصة في الصدمات من لبنان لفهم كيفية التفاعل مع الأشخاص المتأثرين في هذا السياق. وشملت هذه المبادئ تهيئة بيئة آمنة للمقابلات، ومنح المشاركين حرية التحكم في قصصهم، ومساعدتهم على إيجاد معنى في مشاركتها، وإتاحة مساحة للراحة والتنفس، والانتباه إلى آثار الصدمات المستمرة، وطلب الدعم النفسي والاجتماعي عند الحاجة.

  1. تشكيل الفريق وفهم موازين القوة والسياق المحلي

تعلقت الخطوة قبل الأخيرة بتحديد أعضاء فريق العمل ومدى وعيهم بالسياق المحلي والحساسيات الاجتماعية واللغوية، إضافة إلى فهم علاقات القوة داخل عملية إنتاج القصة. وقد شكلت تجربة زينب شمعون الشخصية كلبنانية عاشت النزوح عنصرًا مهمًا أضاف عمقًا وثقة أكبر في التعامل مع المشاركين.

  1. نشر اليوميات وتوسيع نطاق الوصول

ركزت الخطوة الأخيرة على استراتيجية نشر اليوميات وضمان وصولها إلى جمهور واسع. فقد نُشرت اليوميات على منصة “ذا نيو هيومانيترين”، كما أُعيد نشرها بالتعاون مع المنصة الإعلامية اللبنانية “درج”، إضافة إلى إطلاق حملة رقمية لنشر القصص عبر منصات التواصل الاجتماعي.

عندما تتحول القصص إلى فن: من الصحافة إلى المسرح

لم تتوقف رحلة “يوميات النزوح في لبنان” عند حدود الصحافة، بل ألهمت عرضًا مسرحيًا قُدم على مسرح “لبن” في بيروت. وجسد العرض صدى قويًا للقصص الواردة في اليوميات، كما أتاح للحضور فرصة المشاركة بسرد تجاربهم الشخصية مع النزوح وتأثيره على حياتهم، حيث تم تجسيد قصص المشاركين على المسرح من خلال الارتجال.

وتكمن أهمية هذه التجربة في كونها قُدمت من قبل لبنانيين ولأجل جمهور لبناني، ما عزز من ارتباطها بالسياق المحلي والتجربة الجماعية.

الدروس المستفادة

حرصت سليمرود وشمعون على مشاركة أبرز الدروس المستخلصة من هذه التجربة بهدف دعم المبادرات المستقبلية في مجال الصحافة التشاركية وتعزيز الممارسات الصحفية الأخلاقية.

ومن أهم هذه الدروس عدم اختزال الأفراد في تجاربهم المؤلمة أو الصادمة، بل التعامل معهم كأشخاص يمتلكون حياة وهويات وتجارب متعددة. ويتطلب ذلك من الصحفيين إعطاء الأولوية للتعاون المبكر، والاستماع النشط، وإتاحة المجال للأفراد لرواية قصصهم بطريقتهم الخاصة.

كما شددتا على أهمية الحفاظ على علاقة مستمرة مع المشاركين، من خلال إطلاعهم على تطورات المشروع ونتائجه وأثره النهائي. وأشارتا أيضًا إلى العبء العاطفي الذي قد يرافق هذا النوع من العمل بالنسبة للمشاركين والمحررين والمترجمين والصحفيين على حد سواء. وأوضحت شمعون أن دور الصحفي لا يتمثل في معالجة الصدمات أو حلها، بل في توفير مساحة آمنة للاستماع والاعتراف بالمشاعر والتجارب الإنسانية.

الخاتمة

في ختام هذه الجلسة، أعربت الصحفيتان عن ترحيبهما بالتعاون مع الأفراد والمؤسسات المهتمة بتطوير أو دعم مبادرات مماثلة. ففي وقت تختزل فيه وسائل الإعلام السائدة كثيرًا من الأزمات العالمية المعقدة في أرقام وإحصاءات، تُقدم الصحافة التشاركية بديلًا ضروريًا يعيد الاعتبار للتجارب الإنسانية الفردية ويمنح مساحة لمن قد لا تصل أصواتهم إلى الجمهور.

ويؤكد مشروع “يوميات النزوح في لبنان” أن القصص الإنسانية يجب أن تبقى دائمًا في قلب السرديات الصحفية، وأن فهم الأزمات لا يكتمل من خلال الأرقام وحدها، بل من خلال الإصغاء إلى الأشخاص الذين يعيشونها.

للاطلاع على قصص يوميات النزوح في لبنان يمكن زيارة الرابط التالي:
https://interactive.thenewhumanitarian.org/stories/2025/05/22/lebanon-displacement-diaries/home

مواضيع ذات صلة