Arab Renaissance for Democracy and Development
Search

Arab Renaissance for Democracy and Development

محاورات النهضة: سبل تطوير التعليم المهني في الأردن

ARDD Center

 

يأتي هذا الحوار مع الأستاذ المهندس علي نصرالله، وهو الخبير في التعليم المهني والتقني، للوقوف على حالة هذا القطاع الذي يعدّ من أهم أدوات التنمية الاقتصادية والبشرية، وهو عماد إعداد الشباب وتأهيلهم لتلبية احتياجات سوق العمل، بل وتدريب العمّال الممارسين لرفع كفاءتهم. يذكر أنَّ الأستاذ نصرالله هو من أعدّ تقرير حالة التعليم المهني في الأردن، والمنشور في تقرير حالة البلاد (2018)، وهو عضو لجنة الخبراء في برنامج التّعليم المهني الذي تديره منظَّمة النَّهضة العربيّة - أرض

 

كيف يعرّف الأستاذ علي نصرالله نفسه لقرّاء مجلة صوت النّهضة؟

شكرًا لكم أولًا، عمري سبعون عامًا حيث ولدت في قرية صغيرة تبعد عن القدس عشرون كيلومترًا، أعمل وعملت خبيرًا أردنيًّا ودوليًّا في قطاع التعليم المهني والتقني والتدريب، أحمل الماجستير في الهندسة، والبكالوريوس، أمضيت خمسون عامًا في خدمة هذا القطاع، حيث بدأتها معلمًا مدربًا في أحد المدارس الصناعية، وتدرّجت في الخدمة الحكومية ختامها مديرًا عامًّا لمؤسسة التدريب المهني (1995-1999)، انتقلت بعدها للعمل في مؤسسات دولية ووطنية منها التعليم المهني والتقني مديرًا في وكالة الغوث في مناطق عملياتها الخمس: الأردن، سوريا، لبنان، الضفة الغربية وغزة، كذلك مستشارًا في مشروع أردني- أوروبي (إجادة) ومديرًا لدائرة التشغيل والتدريب في غرفة صناعة الأردن، كما عملت خبيرًا في مهام متعددة لصالح هيئة التدريب الأوروبية، اليونسكو، GIZ الألمانية، ومنظمة العمل الدولية والاتحاد العربي للتعليم التقني وغيرها.

 

تلقيت التدريب أثناء عملي في العديد من الأقطار كالولايات المتحدة، بريطانيا، إيطاليا، هولندا، اليابان، كندا وغيرها. لدي العديد من الكتب المهنية والوحدات التدريسية المتكاملة في مجالات السلامة والصحة المهنية، وإدارة المشاغل، تكنولوجيا الميكانيك، وأسس تنظيم وتخطيط التعليم المهني والتقني بدعم من منظمة العمل العربية، وأعددت العديد من التقارير منه: محور التعليم المهني والتقني والتدريب في تقرير حالة البلاد، وتقييم مؤسسات التعليم المهني والتقني في الأردن بتكليف من المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

 

كما شاركت في إعداد الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية (2016-2025) أعتز بما استطعت القيام به حتى الآن، لكنني لم أدرك حتى تاريخه ما كان طموحًا في أن أرى قطاع التعليم المهني والتقني والتدريب يعمل ضمن حاكمية واحدة ومرجعية واحدة في إطار منسّق.

 

 

 يعتبر التّعليم المهنيّ ضعيف نسبيًا مقارنة بالتّعليم الأكاديمي، ما هي الأسباب الرئيسية من وجهة نظركم التي تجعل من الإقبال على التّعليم المهنيّ ضعيف على الرغم من حضوضه في توفير فرص عمل للشباب؟

هنالك أسباب رئيسية وثانوية تجعل من الإقبال على التعليم المهني ضعيفًا. وهذه حالة لا يتفرّد بها التعليم المهني الأردني، وإنما تواجهها بلدان كثيرة، ويعود السبب إلى مجموعة من العوامل: أولها أن مرحلة التعليم الثانوي ليست إلزامية، حيث أن المعايير التي تطبقها وزارة التربية والتعليم أصبحت تشير أن التعليم المهني لذوي التحصيل المدرسي المتدني، كما أن فرص التعليم العالي لطلبة التعليم المهني محكومة بشروط عديدة، إضافة إلى أن تدني أجور الخريجين وفرص العمل تحد من طموحاتهم، غير أن السبب المهم أن المهارات والكفايات المكتسبة لا تلبي حاجات سوق العمل نتيجة للإمكانيات والتسهيلات الضعيفة التي توفرها مؤسسات التعليم المهني.

 

نجد في الأردن العديد من المؤسسات التي تتخصص بالتعليم المهني بهدف التشغيل، سواء أكانت مؤسسات حكومية أم مؤسسات خاصة، من خلال تجربتكم وخبرتكم في التعامل مع هذه المؤسسات، هل تجدون تنسيق في العمل حسب الأولويات أو حسب العرض والطلب؟ وما هي نصائحكم لهذه المؤسسات ليكون عملها أكثر جدوى وتشاركية؟

لا يزال قطاع التعليم المهني والتقني والتدريب يأخذ في اعتبارات القبول في برامجه الطاقات الاستيعابية لديه، ويحاول استثمارها، أي يعتمد قاعدة العرض وليست طلبات سوق العمل. إن تعدد المرجعيات والمؤسسات والقوانين الناظمة لعمل القطاع تجعله مشتتًا، وفي رأيي فإن مشاريع التدريب والتشغيل التي نفذت؛ لم تحقق خفضًا للبطالة، كما لم تحقق تحسينًا على مستوى الخريجين لأسباب كثيرة، ولو كان الإنفاق على هذه المشاريع موجهاً نحو تطوير البنى التحتية لقطاع التعليم المهني، لأمكن إمداد سوق العمل بخريجين يتمتعون بمهارات أفضل.

 

 هل تتأثر مخرجات التعليم المهني وجهود مؤسساته بالتغييرات المستمرة في إدارة الحكومات السابقة؟ أم أنّ عمل هذه المؤسسات وسياساتها لا تتأثر بهذه التغييرات؟

نعم تأثرت مخرجات التعليم المهني وجهود مؤسساته بالتغييرات المستمرة في إدارة الحكومات السابقة، حيث تعددت الاستراتيجيات والسياسات دونما برامج للمتابعة والتقييم، وجاء الكثير منها كردود أفعال تحكمت فيها ضعف برامج التوجيه والإرشاد، والنظرة الاجتماعية لخريجي قطاع التعليم المهني والتقني، ولم تركز أسس النجاح في الامتحانات العامة على قيمة المهارات العملية.

 

 ركزّتم في تقرير حالة البلاد، تحديداً جزئية التعليم المهني والتقني والتدريب؛ على ضرورة الاعتناء أكثر بالمهارات وإنشاء مؤسسة متخصصة ببناء المهارات المهنية، هل تعتقدون أن الجهود السابقة أغفلت هذه الجزية؟ أم أننا بحاجة أكثر لتطوير المهارات  المهنية الحاليّة؟

تحدثت الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية على ضرورة العمل بمرجعية واحدة لقطاع التعليم المهني والتقني، تنهي تشتت القطاع على مؤسسات عديدة، تعمل وفق مرجعيات ومجالس عديدة دون تنسيق فيما بينها، وأوصت بإنشاء مؤسسة تنمية المهارات المهنية والتقنية تكون بديلًا لما تقوم به مؤسسة التدريب المهني ووزارة التربية والتعليم وكليات المجتمع والشركة الوطنية للتشغيل والتدريب.

 

غير أن مسار الحكومة للإصلاح؛ تحدث عن مؤسسة جديدة، إضافة للمؤسسات العديدة التي تعمل الآن، وأعطاها مهمة الإشراف والمتابعة والتنظيم، مما يبقي التشتت قائمًا. وقد أخطأ مجلس النواب الموقر في رد القانون الذي تقدمت به وزارة العمل، وكان من الؤمَّل إحداث تعديلات عليه يتم من خلالها إنشاء مؤسسة واحدة بديلة لتلك القائمة حاليًّا.

  

يعمل صندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني بتقديم الدعم المالي للشباب ليقوموا بإنشاء مشاريعهم الخاصة، لكن لا يوجد إقبال كبير من الشباب - خصوصاً في المحافظات - للاستفادة من الصندوق، وفي حوار صوت النهضة مع مجموعة من الشباب، قالوا "أن البيروقراطية العالية والشروط القاسية في الحصول على الدعم" هي من تجعلهم يبتعدون عن الاستفادة من الصندوق، ما هو رأيكم بعمل الصندوق وهل تتفقون مع ما طرحه الشباب؟ وماهي سبل تطوير عمل هذا الصندوق؟

 

يعمل صندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني على دعم مؤسسات التعليم المهني والتقني، ودعم الشركات والمستثمرين لتوفير فرص عمل للخريجين، وكانت معايير الدعم والتمويل كما لو أنها توفر عمالة رخيصة لهذه الشركات ومخرجات التدريب تتمتع بكفايات مهنية أدنى من المطلوب، ولم يركز الصندوق على دعم الخريجين لتأسيس أعمال خاصة بهم. وعلينا هنا أن نفرق بين صندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني وبين صندوق التنمية والتشغيل الذي يقدم قروضًا خاصة بدعم فرص التنمية والتشغيل.

 

 من بين توصياتكم في تقرير حالة التعليم المهني المنشور في تقرير حالة البلاد؛ أوصيتم بتأسيس إدارات لامركزية تسمح بتحديد الاحتياجات على مستوى المحافظات وتعزيز عمليات تنفيذ القرارات والسياسات المتصلة بالتعليم المهني، هل تعتقدون أن ذلك يخدم أو يتوائم مع توجهات الدولة في تعزيز اللامركزية أو الحكم المحلي؟ وهل ستكون هذه المجالس قادرة على تشخيص ذلك حتى دون امتلاكها للتجربة والخبرة في التعليم المهني واحتياجات سوق العمل؟ ما هو المطلوب لتطوير هذه الفكرة؟

الإدارات اللامركزية ضرورية لقطاع التعليم المهني والتقني والتدريب، حيث يمكن من خلالها التنفيذ والإشراف والمتابعة والتقييم وتحديد الاحتياجات على مستوى المحافظات، فحتى تكون هناك مؤسسة واحدة للقطاع فإن الإدارات اللامركزية تصبح الأذرع الفنية لها، أما إذا ظل القطاع مشتتًا فإن الإدارة اللامركزية كل منها ستصبح أكثر تشتتًا، كما أن الاستراتيجية لقطاع التعليم المهني والتقني دعت إلى تشكيل لجان قطاعية للمهارات (Sector Skills Committees) كل منها يعمل على تطوير التعليم المهني والتقني في المجال المخصص لها.

 

 لم يذكر تقرير حالة البلاد بشكل تفصيلي دور المؤسسات الدولية المانحة للتعليم المهني، وكيفية استثمار مواردها وتوظيفها لصالح التعليم المهني في الأردن، وهل تعتقدون أن هنالك عقبات تواجه المؤسسات الدولية المانحة لبرامج التعليم المهني؟

تعمل العديد من المؤسسات الدولية على تنفيذ برامج لدعم قطاع التعليم المهني والتقني كمنظمة العمل الدولية، هيئة المدربين الأوروبية، اليونسكو، GIZ، وغيرها، والواقع أن هذه المؤسسات قد أدخلت مفاهيم جديدة على القطاع على مستوى السياسات والاستراتيجيات وأساليب العمل، وأعدت تقارير تفصيلية تشخص الواقع والتحديات، غير أن التنفيذ غالبًا ما يتم أثناء عمل مشاريع تلك المؤسسات، ويتوقف الاستمرار فيها لأسباب إدارية ومالية. إن عمل هذه المؤسسة يحوطه بعض السلبيات من حيث ازدواجية العمل وأحيانا تكرار نفس المشروع، كما أن وصول هذه المؤسسات إلى المشاغل والمختبرات وقاعات الصفوف لإحداث تغيير فعلي على مستويات وجودة التدريب لم يتحقق بعد.

 

 أوصيتم بضرورة العمل على إنجاز مشروع ما يسمى "الجمعيات التدريبية الإنتاجية" لاستخدام ذلك كتدريب في مواقع العمل وتحقيق عوائد مالية تسهم في تطوير أنشطة القطاع، هل العمل على إنجاز هذا المشروع حاجة ملحّة؟ وكيف يمكن له تحقيق العائد المالي؟

تم اختيار مواقع مؤسسات التعليم المهني والتقني والتدريب قريبًا من المناطق الصناعية في المدن الأردنية، وحيث تتوافر لها مساحات كافية حيث يمكن استثمار هذه المساحات في تأسيس مجمعات إنتاجية تدريبية في آن واحد، بما يؤكد مفهوم المدرسة المنتجة المهنية، ولتقوم بمهمة التدريب وتنفيذ المناهج على أساس منتجات أو خدمات يمكن بيعها، وتستطيع هذه المجمعات توظيف فنيين إنتاج وتدريب، يحتاج تنفيذ هذه الفكرة إلى تعليمات من خلالها توزع السنة من الأرباح على المتدربين والمدربين والإدارات ونسبة أعلى لتطوير تجهيزات ومختبرات وأبنية المدارس المهنية.

 

 أخيراً أستاذ علي، وأنت خبير في التعليم المهني في الأردن، وشغلت مناصب عديدة، ما هي توصياتكم لتعزيز ثقافة التعليم المهني في الأردن؟ وهل لديك نقاط تود ذكرها هنا لم تذكر في تقريركم في حالة البلاد؟

إن تعزيز ثقافة الإقبال على التعليم المهني والتقني والتدريب؛ ترتبط بفرص التشغيل والمسار المهني لخريجيه، وآليات الحوافز التي تعطي لخريجيه، ولمستويات الجودة التي يجب تحقيقها، ولفتح المسارات والقنوات الأفقية والعمودية بين مؤسسات التعليم المهني وفرص التعليم العالي حتى لا يبدو قطاع التعليم المهني منغلقًا لا يمكن خريجيه من الالتحاق بالتعليم العالي.  كما أن التعزيز لهذه الثقافة ليست مسؤولية مؤسسات التعليم المهني فقط، وإنما مسؤولية قطاعات العمل ورجال الأعمال ومؤسسات الإنتاج والخدمات، وتحتاج أيضًا إلى تشريعات لتعزيز فرص التشغيل الذاتي والأعمال الريادية وإنشاء المشاريع الصغرى والمتوسطة.

شكرًا لكم

 

محاورات النهضة

أجرى الحوار: عبدالله الجبور


 

Share