حقق الأردن تقدماً ملحوظاً في تعليم الفتيات إذ تتفوق الفتيات باستمرار على الفتيان في القراءة والكتابة، وإنهاء الدراسة، والتحصيل الأكاديمي، كما حققت الدولة معدلات التحاق شبه مقاربة لتلك العالمية تقريباً التعليم الأساسي. ومع ذلك، فإن هذه المكاسب التعليمية لم تترجم إلى مشاركة متساوية في الحياة العامة، إذ ما تزال النساء تعاني من نقص تمثيلهن في السياسة، والمناصب القيادية، وسوق العمل، حيث ظلت مشاركة الإناث محصورة بين 13-15% في السنوات الأخيرة.
يثير هذا سؤالاً جوهرياً: لماذا لا يترجم النجاح التعليمي إلى قيادة، ووكالة ومشاركة بالنسبة للفتيات والشابات؟ يبحث هذا التقرير في الطرق التي يشكل من خلالها المعلمون، والبيئات المدرسية، والمناهج الدراسية، والأنشطة اللامنهجية، ومشاركة الأسرة فرص قيادة الفتيات والشابات في الأردن. وبناءً على بحث مختلط الأساليب أجري في المدارس الحكومية في عمان والمفرق، تستكشف الدراسة الدور الذي يلعبه المعلمون في تشجيع القيادة إضافة إلى العوائق الهيكلية الأوسع التي تحد من هذه الجهود.
تظهر النتائج أن المعلمين يضطلعون بدور ملحوظ في تعزيز الثقة، والمشاركة والمسؤولية ومهارات التحدث أمام الجمهور بين الطلبة، وخصوصاً الفتيات. ويستخدم العديد من المعلمين أساليب التعلم النشط والمسؤوليات الصفية، مثل نهج “المعلم الصغير”، في تشجيع القيادة والمشاركة. ومع ذلك، تقيد الغرف الصفية المكتظة، والأعباء الإدارية، ومحدودية الموارد وضغوط نظام امتحانات التوجيهي الذي يعطي الأولوية للحفظ وختم المنهاج الدراسي على الإبداع، والمشاركة وتنمية المهارات هذه المساعي.
وكما يوضح البحث، تستمر التوقعات القائمة على الفروقات بين الجنسين في تشكيل التفاعلات الصفية والتصورات عن القيادة، إذ غالباً ما ترتبط الفتيات بمفاهيم التحفظ، والطاعة، والحساسية العاطفية، بينما يرتبط الفتيان بالجرأة والسلطة. وعلى الرغم من أن العديد من المعلمين يشجعون مشاركة الفتيات بنشاط، غير أن هذه الصور النمطية الأوسع تواصل تأثيرها على طرق فهم القيادة داخل المدارس وممارستها.
يعاني المنهج الدراسي ذاته من محدودية قدرته على تنمية المهارات القيادية، كما وصف المعلمون والطلاب على حد سواء المنهج بأنه موجه نحو الامتحانات على نحو مفرط مع افتقاره إلى نماذج نسائية قوية ملائمة ثقافياً يتواصل معها الطلاب. لذلك، يعتمد تطوير القيادة على نحو ملحوظ على مبادرات المعلمين الفردية بدلاً من الأساليب التعليمية الممنهجة. وفي الوقت نفسه، ثمة تفاوتات مهمة بين المدارس والمناطق، إذ يواجه الطلاب في المناطق الأقل حظاً، وخاصة في المفرق، وصولاً محدوداً إلى المكتبات، والمسارح، والأنشطة اللامنهجية وخدمات الدعم النفسي الاجتماعي، ما يقيد فرص المشاركة وتطوير الذات.
ويسلط التقرير الضوء كذلك على مدى أهمية مشاركة الأسرة، إذ تظهر النتائج السابقة والحالية ضعفاً وعدم اتساق في التواصل بين المدارس والعائلات، خاصة في المرحلة التي تلي سنوات الدراسة الأولى. وفي كثير من الحالات، يُترك المعلمون للتفاوض على نحو فردي مع أولياء الأمور لضمان مشاركة الفتيات في الأنشطة وفرص القيادة.
كما يجادل التقرير بأن تعزيز قيادة الفتيات يتطلب الانتقال من مفاهيم التحصيل الأكاديمي الضيقة نحو رؤية تعليم أوسع بوصفه فضاء يسمح بتشكيل الشخصية، والثقة، والمشاركة والمسؤولية الاجتماعية. من جهة أخرى، لا يمكن أن يعتمد دعم قيادة الفتيات على المعلمين وحدهم؛ بل يتطلب استثماراً في البيئة التعليمية الأوسع، بما في ذلك إصلاح المناهج، وخدمات الدعم النفسي الاجتماعي، والأنشطة اللامنهجية، وتوزيع الموارد العادل، وبناء شراكات أقوى بين أولياء الأمور والمدرسة.
تشمل التوصيات الرئيسية الناتجة عن التقرير تقليل الأعباء الإدارية الواقعة على كاهل المعلمين، وإصلاح جوانب من نظام التوجيهي، وتوسيع نطاق تدريب المعلمين المستجيب للفروقات بين الجنسين، وزيادة تمثيل المرأة في المناهج المدرسية، والاستثمار في البرامج اللاصفية وبرامج القيادة، وتعزيز خدمات الدعم النفسي الاجتماعي، وتحسين التواصل بين المدارس والأسر.
وفي نهاية المطاف، فإن الفجوة بين نجاح الفتيات الأكاديمي وضعف تمثيلهن في الحياة العامة ليست مجرد قضية تعليمية، بل هي تحدٍ مجتمعي أوسع نطاقاً. فدون معالجة الظروف الهيكلية التي تحد من فرص الفتيات في تطوير الثقة والقيادة، يواجه النظام التعليمي خطر فقدان إمكانات تميز جيلاً كاملاً من الشابات.






