يرى المفكر الفرنسي جاك أتالي، في كتابه تاريخ الحداثة، أن الحداثة تشكّلت وفق ثلاث ديناميات كبرى هي: السوق الحرة، والتقدم التقني، والنزعة الفردية. ومنذ القرن الثاني عشر الميلادي، عرفت أوروبا تطورات متلاحقة، من أهم محطاتها:
- الخروج من العالم الوسيط القائم على التقاليد الموروثة، والتراتب الاجتماعي، وسلطة الكنيسة؛ فانهار نظام الإقطاع، وبرزت المدن التجارية الكبرى، ونمت التبادلات التجارية على المسالك الطويلة، وتشكّلت البرجوازية المدنية. وكانت النتيجة الكبرى لهذا التحول انبثاق الفرد التجاري، المتولّد عن استقلال السوق عن الحقلين الديني والسياسي، وانتقال الثروة من الفئات التقليدية إلى المجتمع المتحرك والنشط.
- قيام الدولة القومية الحديثة والمنظومة الرأسمالية، الناتج عن تنامي الطابع المركزي للسلطة السياسية، وتطور النظم الإدارية، وظهور الديناميكية الاستعمارية، والسيطرة الخارجية على مناطق بعيدة من العالم. وهكذا أصبحت السلطة السياسية أداة في مصلحة الحركية الاقتصادية، لكون الدولة الوطنية شرطًا أساسيًا للسوق الحرة، من حيث ضبط المجال الإقليمي، وحماية العقود التجارية، وتنظيم الضرائب العمومية.
- الثورات الصناعية المرتبطة بتجربة الإنتاج التقني، وانبثاق المصانع، والعمران المدني الكثيف، وتسارع الزمن الاجتماعي. وهكذا غدا التقدم التقني قلب الحداثة، وأفضى إلى تغيير جوهري في مفهوم العمل، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، ونمط ضبط الطبيعة.
- الحداثة الليبرالية والمالية، كما تشكّلت منذ نهاية القرن التاسع عشر، واتخذت شكل العولمة الكونية، بسيطرة السوق العالمية، ونمو المصارف والأسواق المالية، وتصاعد الاستهلاك الجماعي. وهكذا انفصمت القيمة تدريجيًا عن العمل، وانبثق الفرد الاستهلاكي، الذي هو نتاج الحداثة التقنية والمالية.
- الحداثة التقنية والاتصالية الراهنة، وهي لحظة اكتمال هذا المسار، ومن أهم خصائصها الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد غير المادي.
قد لا يتفق المؤرخون المحترفون مع هذه الرؤية، التي تستند أساسًا إلى الفكر الاقتصادي والتحليل السياسي. ولعل الثغرة الكبرى فيها هي عدم الوقوف على الخلفيات البعيدة للتحولات التي أفضت إلى قيام الحداثة، باعتبارها ليست قطيعة راديكالية خارج الزمن الإنساني.
في هذا المنظور، يمكن الرجوع إلى المؤرخ الشهير فرناند بروديل، الذي كتب عملًا مهمًا حول تاريخ الرأسمالية، بيّن فيه أن الحداثة سبقت بالفعل القرن التاسع عشر، أي الثورات الصناعية والليبرالية المعاصرة، ولا يمكن فصلها عن التحولات التي برزت منذ العصور الوسطى المتأخرة.
وإذا كان أتالي قد تحدث عن أهمية نشأة المدن التجارية في القرن الثاني عشر، إلا أنه اعتبرها مجرد تحول دافع لتشكّل الحداثة، وليس مظهرًا قبليًا لها. غير أن بروديل يرى أن الحداثة هي النتيجة الطبيعية لمسار العمران الجغرافي والبشري في أوروبا في أواخر العصور الوسطى، عندما تشكّلت مراكز حضرية كبرى، مثل فينيسيا وأنتويرب وجنوة، تحكّمت في الطرق التجارية البرية والبحرية العالمية.
كما يبيّن بروديل أن الأدوات الأساسية للرأسمالية قديمة، مثل أنظمة التبادل، والقروض، والمصارف، والتأمين البحري. أما الاكتشافات التقنية، فلم تكن حاسمة في تشكّل الرأسمالية الحديثة، التي هي قبل كل شيء نمط من التنظيم، وليست صنفًا من المنتج التكنولوجي.
وحسب بروديل، تقوم الحداثة على بنيات عميقة لا يمكن استكشافها إلا في إطار الزمنية الطويلة، ومن بينها آليات الإنتاج الزراعي، وضبط التنقل الجماعي، وهيمنة الطبقات التجارية، وترابط المركز والأطراف في العملية الاستهلاكية. وما حدث هو تسارع هذه الوتيرة منذ القرن التاسع عشر بفضل الثورة التقنية الصناعية، لكن الحداثة لم تنتج عن السوق أو رأس المال أو الهيمنة الاقتصادية وحدها.
وما نخلص إليه من مقارنة التحليل الاجتماعي-الاقتصادي الذي طرحه جاك أتالي في تفسير ظاهرة الحداثة، والتفسير التاريخي لدى بروديل، هو أنهما يتفقان في ضبط المسارات الكبرى للحداثة، وإن اختلفا في التحقيب التاريخي لهذه التحولات. فبالنسبة لأتالي، يتمثل المعيار الأساسي للحداثة في العقليات، والأفكار، والمثل الاجتماعية والسياسية، بينما يحصر بروديل الحداثة في الأشكال المادية والبنيات العميقة.
أما المؤرخ البريطاني إريك هوبزبوم، ففي كتابه عصر الثورات، يربط مسار الحداثة بما يسميه «الثورة المزدوجة»، ويقصد بها الثورة الفرنسية والثورة الصناعية البريطانية. فقد قضت الثورة الفرنسية على النظام الإقطاعي الأرستقراطي، وكرّست المفهوم الجديد للمواطنة المدنية، وعمّمت قيم حقوق الإنسان، وأرست فكرة السيادة الوطنية. أما الثورة الصناعية البريطانية، فقد أفضت إلى النظم الصناعية الحديثة، والرأسمالية العمالية، والإنتاج الكثيف، والحركة العمرانية المدينية.
وهكذا نشأ العالم الحديث في مرتكزاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عن هذه الثورة المزدوجة، التي غيّرت جوهريًا الوضع الإنساني الكوني.
ويتفق المؤرخون الثلاثة على أن حركية الحداثة ولّدت تناقضات اجتماعية داخلية حادة، ناتجة عن طبيعة النظام الرأسمالي في استقطابيته الطبقية وأزماته المتلاحقة، وهو ما بلغ اليوم ذروته في تصدعات العولمة التجارية والمالية.
غير أن هذا الجانب ليس ما يهمنا في هذا السياق، وإنما السؤال الذي يتعين الإجابة عليه، من المنظور التاريخي، هو: لماذا لم يعرف المجتمع العربي الوسيط حركية الحداثة، رغم بروز كل مقوماتها التأسيسية، من حركة تجارية نشطة، وعمران مديني، واكتشافات علمية، إلى حد أن بعض الباحثين لا يتردد في القول إن الفكر العربي الإسلامي الوسيط بلور التصور الرياضي للطبيعة، الذي يشكّل الخلفية العميقة للثورة التقنية الحديثة؟
للإجابة عن هذا السؤال، يتعين الرجوع إلى كتاب ماكسيم رودنسون الإسلام والرأسمالية، الذي نُشر سنة 1966، ولم يفقد راهنيته وأهميته رغم قدمه. ففي هذا الكتاب، يفنّد رودنسون أطروحة ماكس فيبر الشهيرة، المتمثلة في ربط نشأة الرأسمالية بالإصلاح البروتستانتي، مبيّنًا أن الإسلام لا يتعارض مبدئيًا مع قيم الربح، والتجارة، والقروض، بل يشجّع تنقل الثروة وتكثيف التبادل التجاري. وقد برزت رأسمالية تجارية قوية في العصور الإسلامية الوسطى، أدّت دورًا مهمًا في الحركة التجارية العالمية، لكنها لم تتطور إلى مستوى الحداثة الصناعية والتقنية لأسباب تاريخية ظرفية لا علاقة لها بالدين، بل بظواهر أخرى، من قبيل نشأة البرجوازية الصناعية، والحالة الاستعمارية، وتراكم الثروات في المراكز المدنية الجديدة.
ولا يزال هذا الموضوع بحاجة إلى دراسات إضافية معمّقة، تتطلب القيام بأبحاث تاريخية مقارنة، للإجابة عن السؤال الجوهري المتعلق بمسار تشكّل الحداثة في المجتمع الأوروبي دون غيره من السياقات الاجتماعية الأخرى.