الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

اجتماعيات الحداثة: العقلنة والشرعية في سوسيولوجيا ماكس فيبر
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

لا شك أن أهم أطروحة اجتماعية قُدِّمت في تفسير ظاهرة الحداثة هي نظرية عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر. وقد عرّف فيبر مسار الحداثة، من حيث التوجه والغاية، بالتصور العقلاني للتدبير السياسي والنشاط المدني، مبرزًا خصوصيات الحالة الليبرالية التي تُعد السمة الكبرى للحداثة.
في هذا السياق، يميّز فيبر بين نمطين من النشاط العقلاني: يتصل أحدهما بالغاية، ويتعلق الآخر بالقيمة المعيارية. في النمط الأول، يكون المحرّك هو البحث عن النجاعة للوصول إلى الهدف المقصود من حيث حساب الربح والخسارة، كما هو المسلك المألوف في التسيير الإداري والتقني الذي يُعد النهج المتبع في النظام الرأسمالي.
في النمط الثاني، يكون الدافع هو القناعة الأخلاقية أو الدينية أو السياسية، بغض النظر عن الربح أو المردود؛ فالنجاعة هنا تظل ثانوية بالنسبة للمرجعيات القيمية والمعنوية.
في النمطين معًا، لا يكون الأساس هو التقاليد والأعراف أو الانطباعات والمشاعر، بل النشاط العقلاني القائم على التفكير والاختبار والفاعلية.
هكذا يرصد فيبر تجليات العقلانية الحديثة في مجالات عديدة، مثل الاقتصاد في إطار الممارسة الرأسمالية القائمة على التدبير الحسابي، وتنظيم العمل، والمردودية النفعية؛ والقانون، بالانتقال من القانون المجرد والصوري إلى القواعد العامة المعلنة وغير المتعينة؛ وفي الإدارة من خلال النظام البيروقراطي التراتبي والتخصص الوظيفي.
وقد اشتهر فيبر بنظريته في الهيمنة والشرعية التي تتناول أسس الطاعة والقبول في النظم الاجتماعية. وفي هذا الخصوص، يميّز بين ثلاثة أصناف من الهيمنة الشرعية. الصنف الأول هو سلطة التقليد القائمة على قداسة الموروث والأعراف، بما يتجسد في الخضوع للحكم الأبوي والإدارة الباترمونيالية، كما هو واضح في الأنظمة الإقطاعية والوراثية التي تكون العقلانية فيها ضعيفة وهشة.
الصنف الثاني هو الهيمنة الكارزمية القائمة على الجاذبية الشخصية والخصال الفريدة المتميزة التي تحمل على الطاعة والانقياد. ويتسم هذا النوع من السلطة بالطابع الشخصي، ونادرًا ما يكون مستقرًا ثابتًا، ومثاله عند فيبر سلطة الأنبياء والزعماء الثوريين والقادة السياسيين الكبار.
أما الصنف الثالث فهو الهيمنة القانونية العقلانية القائمة على قواعد ومعايير دقيقة ومحددة، بحيث يكون الولاء للوظيفة العمومية لا للأشخاص. وهذا الصنف من الشرعية هو السائد في الدولة الحديثة التي تتأسس على التنظيم الإداري العمومي وعلى الهياكل البيروقراطية المؤسسية. فالبيروقراطية ليست مجرد إطار إداري تنظيمي، بل هي السمة المحورية للدولة الحديثة التي تولدت عن نظام قسمة العمل وما اقتضاه من آليات تسيير تقني وفني.
لكن فيبر لا يرى فقط الجوانب الإيجابية في العقلانية البيروقراطية، بل يرى أنها سجنت الإنسان في «قفص من الفولاذ» لا مخرج منه. فالعقلانية البيروقراطية، بقدر ما تزيد من نجاعة ومردودية الفعل، تحرم الإنسان من جوانب أساسية من حريته ورفاهيته ومتعه الشخصية. والإنسان الحديث، من هذا المنظور، حر تقنيًا، لكنه مسجون اجتماعيًا، يخضع لقواعد صارمة لا يمكنه الانفكاك منها.
ويربط فيبر هذه الحالة بظاهرة «نزع السحر عن العالم» (Entzauberung der Welt)، التي تعني حرفيًا مسار افقاد العالم طابعه الخارق والمقدس، نتيجة لانبثاق تفسير عقلاني علمي وتقني للواقع، بحيث يكون قابلًا للتشخيص الموضوعي والتصرف الإجرائي. وتؤول هذه الظاهرة، بالنسبة لفيبر، إلى ضياع المعنى الشمولي للوجود، وتحلل المعايير المشتركة، وتعدد القيم، وهو ما أطلق عليه عبارة «صراع الآلهة»، بمعنى الصدام الدائم بين قيم قصوى لا يمكن التوفيق بينها (مثل العدالة، والحرية، والحقيقة، والسعادة…).
ففي الوقت الذي لم يعد فيه الدين، في المجتمعات الغربية الحديثة، قادرًا على ضبط القيم الجماعية، لم ينجح العلم في تعويضه، بما انعكس في تشرذم وتشتت المرجعيات المعيارية، وانعكست تلك الوضعية على الأفراد في شكل خيارات عدمية مأساوية.
وفي دراساته المقارنة حول الأديان، يخصص فيبر بعض الملاحظات حول الإسلام، الذي لا يعرف عنه الكثير. فبالنسبة له، يُعد الإسلام دينًا عقلانيًا من حيث بنيته القانونية واللاهوتية، لكنه لم يقدّم تصورًا عقلانيًا في الحقل الاقتصادي، بما يفسر، في نظره، عدم بروز رأسمالية عقلانية في تطور المجتمعات المسلمة. فالإسلام، كما يراه، يتمحور أساسًا حول قيم الشرف والحرب وأخلاقيات الفروسية والكرم، ولا يوجد فيه حس الانضباط الزهدي ولا تجربة التراكم العقلاني للرأسمال، وهي خصوصيات المذهب البروتستانتي حسب رأيه.
وفي تحليله الأنثروبولوجي للمجتمعات المسلمة، يرى فيبر أنها تقوم على الطابع الأبوي السلطاني، الذي لا ينفصل فيه الحكم عن القبضة الشخصية، ولا تتشكل فيه مؤسسات عمومية مستقلة، بما يحول دون انبثاق قانون صوري متميز أو بروز برجوازية قائمة بنفسها. كما يرى أن المجتمعات المسلمة لم تشهد مسار نزع القداسة عن العالم، الذي هو سمة الأمم الغربية الحديثة.
إن هذه القراءة الفيبرية للإسلام تعرضت في أيامنا لانتقادات صارمة. ففي كتابه «مغامرة الإسلام» (ثلاثة مجلدات)، يبيّن المؤرخ الأمريكي مارشال هودجسون أن منهج فيبر ظل شديد التشبع بالمركزية الأوروبية، فلم يكتشف الديناميكية الداخلية للمجتمعات المسلمة، التي ليست بالضرورة ذات طابع ديني محض، وهو ما يبرز في الطابع الإمبراطوري العسكري للدولة الوسيطة، التي حالت دون قيام نظام رأسمالية وطنية مرتبطة بالدولة السيادية الحديثة.
أما طلال أسد فيرى أن فيبر يختزل الدين في الأنساق العقدية، فيُهمل الممارسات والظواهر المتعلقة بالجوانب الاجتماعية والسياسية في الحضارة الإسلامية. فلا يوجد مضمون جوهري ثابت في الدين، بل إنه يتنزل بالضرورة في سياق تاريخي وثقافي يحدد نمط تشكله وارتباطه بالسياقات الأخرى. فالدين، من منظور أسد، هو «تقليد خطابي» يتشكل من نصوص وممارسات حية تتقاطع وتتداخل مع الاعتبارات التاريخية المتغيرة، ومن ثم تبرز ضرورة القيام بنقد منهجي لتصور فيبر للدين والدولة والاقتصاد، الذي لا يتلاءم مع خصوصيات المجتمع الإسلامي.
وليس من همّنا الدخول في تفاصيل المقاربات النقدية لقراءة فيبر لمسار المجتمعات المسلمة مقارنة بالتجربة الأوروبية الحديثة، وحسبنا الإشارة إلى أنها شكلت إطارًا نظريًا لا غنى عنه في دراسة التاريخ السياسي والاجتماعي للعالم العربي الإسلامي.