سلافوي جيجك فيلسوف سلوفيني بارز (وُلد 1949)، عُرف بإنتاجه الفكري الغزير الذي يجمع بين التحليل الأيديولوجي والمنظور النفسي والمنحى السياسي الاقتصادي، مطوِّرًا النظرية الثورية الماركسية التقليدية.
في هذا السياق، كانت معالجته المهمة للحداثة في مسارها الليبرالي الرأسمالي بالرجوع إلى أعمال هيغل وماركس في أطروحة التحرر والهيمنة، التي تفسر الظاهرة الليبرالية الحديثة بصفتها تعبيرًا عن الإرادة الفردية المستقلة وحقوق الإنسان الأساسية، في الوقت الذي تكرّس أخطر أنواع الاستغلال والسيطرة الطبقية. الأمر هنا يتعلق بشعور زائف بالحرية، في الوقت الذي يقوم النسق الليبرالي الرأسمالي على الهيمنة الكاملة التي تلغي عمليًا كل دلالات الحرية الصورية.
في كتابه الأساسي الموضوع الأسمى للأيديولوجيا يطرح جيجك السؤال المحوري التالي: لماذا يتشبث الناس بالأيديولوجيات مع إدراكهم أنها زائفة، ويرضون بنسق اجتماعي مختل يعرفون أنه غير عادل؟
في توظيف لمفاهيم التحليل النفسي كما بلورها جاك لاكان، يرى جيجك أن المنظومات الأيديولوجية ليست مجرد أفكار أو تصورات نظرية، بل هي تدخل في المكونات اللاشعورية للرغبة. فالإنسان لا يؤمن بعقله بالضرورة، بل من خلال أفعاله وتصرفاته، ولذا فإن الأيديولوجيا ليست كما تصورتها المدرسة الماركسية الكلاسيكية وعيًا زائفًا، بل إن الأفراد ينساقون إليها أحيانًا مع يقينهم بأنها خاطئة، ومن ثم فإن الأيديولوجيا لا تتعلق بالمعتقدات والأفكار بل بالممارسة العملية.
من هذا المنظور، يذهب جيجك إلى أن المجتمعات البشرية تحتاج إلى سياج توهُّمي يضمن لها التماسك والاندماج، وينظم معتقداتها المشتركة ورغباتها الجامعة. وفي رجوع ظاهر إلى لاكان، يرى جيجك أن الواقع ليس هو الحال المعيش الظاهر، بل هو ما لا يمكن تفسيره كليًا أو صياغته رمزيًا، مثل الصدمات النفسية والرغبات المكبوتة والتمثلات المتناقضة. وعادة ما تنزع المجتمعات، من خلال السرديات المطمئنة، إلى إخفاء الواقع الحقيقي غير الواعي.
اللغة اليومية تعبّر عادة عن الظواهر الواعية من خلال الكلمات والرموز والسرديات والنظم الاجتماعية، أي كل ما يدخل في “العالم الرمزي” حسب عبارة لاكان، أما الواقع الحقيقي فهو ما لا يقبل التعبير اللغوي أو الرمزي، ومن هنا مقاومته للضبط المفهومي والتأويل العقلي.
على أن جيجك يرفض ثنائية البنية الفوقية والبنية التحتية كما في التقليد الماركسي الكلاسيكي، معتبرًا أن الواقع ليس هو الوضع الفعلي الدقيق خلف المظاهر الخادعة، بل هو حسب عبارته “نقطة تصدّع وانسداد” تبرز في حالات القلق والتناقض والأعراض الكاشفة للتوتر والتنافر.
الخلاصة التي يصل إليها جيجك من تحليله هي أن استعصاء الحل الثوري الراديكالي راجع إلى أن البشر يساهمون بإرادتهم في تثبيت النظام الذي يقمعهم ويستغلهم، وفق رغبات دفينة وغير واعية.
في كتابه الآخر الحياة في نهاية الأزمنة يدرس جيجك بعمق أزمة الرأسمالية المعاصرة، مبينًا أن الجميع يدرك أن النسق الرأسمالي يعيش أزمات خانقة متصلة، لكن الانطباع سائد حول إمكانية رجوع الوضع الاقتصادي الاجتماعي إلى حالته الطبيعية العادية.
لا يتعلق الأمر في أزمة الرأسمالية بحوادث ظرفية أو اختلالات جزئية، بل إن الأزمات من المقومات المحددة للنسق الرأسمالي نفسه، بما يبرز في ظواهر جلية مثل استفحال التفاوت الاجتماعي، وتجدد أشكال الإقصاء، وانهيار الوسط البيئي. دور الأيديولوجيا في هذا السياق هو تمويه الوعي بهذه الحقائق البادية للعيان، بحيث تقدم الحالة الرأسمالية كوضع طبيعي للمجتمعات الصناعية الحديثة له قوالبه الأخلاقية والقانونية الإنسانية التي تقنّع الاختلالات المؤسسية العميقة لهذا النظام.
بيد أن جيجك لا يدعو إلى العودة إلى الشيوعية السوفياتية التي يعتبر أنها فشلت في تحقيق نموذج اشتراكي ناجع، بل لا بد، حسب رأيه، من إعادة التفكير في مفهوم “المشترك” الذي هو اليوم في قلب التحولات التقنية والاقتصادية التي يعرفها العالم، في مجالات شتى مثل الذكاء الاصطناعي والمعرفة والإيكولوجيا والتقنيات الحيوية الجديدة. التحول المنشود يتطلب ممارسة سياسية من نمط جديد تفضي إلى قلب كل هياكل الحكم والاقتصاد وكل البنيات الرمزية الاجتماعية.
في كتاب قلق في الجنة يقدم جيجك جوانب أخرى من نقد الحداثة الرأسمالية الشاملة التي تعزز الوهم بأننا نعيش في عالم حر ومستقر وطبيعي.
على عكس ما يؤكد الكثير من علماء السياسة والاقتصاد، ليست الرأسمالية نظامًا محايدًا وعاديًا، بل هي نسق أيديولوجي ينظم الرغبات والتخوفات ويحدد رؤية كاملة للعالم وفق منطق السوق والربح والنجاعة. بالنسبة لجيجك، ليست التعددية الانتخابية التي بلورتها الليبرالية الرأسمالية حلًا حقيقيًا لمطلب الحرية الفردية، لكون القرارات الاقتصادية الجوهرية غالبًا ما تكون بمنأى عن الرقابة الديمقراطية، كما أن مبدأ التسامح الليبرالي الذي يضمن تعايش الأفكار والآراء ليس سوى تسيير تقني لاختلافات ثقافية قائمة دون حوار فعال أو تداخل ثري. في النظام الرأسمالي لا تتدخل السياسات العمومية في تصحيح الاختلالات الاجتماعية الخطيرة، بما يعني أنها مجرد طلاء أخلاقي زائف لحالات الاستغلال والغبن القائمة. ومع أن الليبرالية الرأسمالية تدعي تأمين السلم الأهلي والقضاء على الفتنة والخوف، إلا أنها في الحقيقة تكرس ضروبًا خطيرة من العنف غير المرئي المرتبط بالفقر والإقصاء والاستغلال. ومن هنا يخلص جيجك إلى أن “الجنة الرأسمالية” لا تصمد إلا من خلال الفوضى التي تدعي محاربتها عبر تقنيعها وإخفائها.
كثيرًا ما يُنتقد جيجك بكونه لم يقدم فلسفة للتغيير والخروج من المأزق الرأسمالي رغم نقده الراديكالي لظاهرة الليبرالية الرأسمالية. صحيح أنه يرفض العودة للمرحلة الشيوعية السابقة، وليس متحمسًا لفكرة الثورة الرومانسية الحالمة، ولا مقتنعًا بإمكانية التغيير من خلال القوالب الانتخابية، إلا أنه يعتقد أن أفق التحول الجذري لا يزال متاحًا وإن استوجب مراجعة شاملة لمفهوم السياسة ونقدًا عميقًا لأنماط الوعي الأيديولوجي الجديدة. المطلوب هو تخيل أفق جديد والرهان على أن طريق الإبداع يظل متاحًا، لأن ما نعتبره واقعًا طبيعيًا هو في حقيقته وهم قابل للدحض والتجاوز.