الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

أشيل بمبة والحداثة المتقاسمة
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

أشيل بمبة فيلسوف ومؤرخ كاميروني بارز (وُلد سنة 1957)، أصدر أعمالًا مهمة تتمحور حول علاقات المجتمع الإفريقي بنموذج الحداثة الغربية في تشكلاته الجديدة الراهنة.

في فلسفته السياسية، يصدر بمبة عن النزعة ما بعد الكولونيالية، وهو اليوم من أبرز مفكريها على الصعيد العالمي؛ لكنه لا يعتمدها سلاحًا أيديولوجيًا في معركة الاصطفاف السياسي ضمن قواعد اللعبة الدولية الجديدة المختلة، بل ينتقد بشدة التوجه “السيادي الانكفائي” لبعض النخب الإفريقية الصاعدة.

ومع أن بمبة يتبنى بوضوح قيم الحداثة والتنوير، التي تقوم على مثال التحرر الذاتي والإرادة الفردية، إلا أنه يوجه النظر إلى الجوانب المظلمة من الحداثة الغربية، التي أنتجت ظواهر سلبية ومدانة، من قبيل الاستعمار والعبودية والهيمنة العرقية.

وفي تطوير لمفهوم “السلطة الحيوية” (biopouvoir) الذي بلوره الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، يقدم بمبة مفهوم “السياسة الجثثية” (necropolitique)، التي يعني بها قيام نمط من السلطة لا يتعلق فقط بتسيير العيش وأنماط الحياة (وفق نظرية فوكو)، وإنما أيضًا بتنظيم الموت وتدبيره وتحويله إلى جوهر الحكم.

الحداثة الغربية، حسب بمبة، هي التي أبدعت هذا النمط من السلطة في سياق التاريخ الاستعماري، من منظور تراتب الأعراق والتمييز بين البشر من حيث حق الحياة والتعرض للموت. ففي المستعمرات تُقام فضاءات يُسمح فيها بالعنف الجذري، ويُضحّى فيها ببعض الناس من حيث كونهم عبئًا على البشرية، لا دور لهم ولا فائدة تُرجى منهم.

العبودية، وفق هذا المنظور، هي تكريس لهذه النظرة الشيئية للإنسان، حيث يُحوَّل إلى مجرد بضاعة في سوق العمل ومسار الصناعة التقنية، لا وعي له ولا ضمير أخلاقي يسمح له بالانتماء إلى جوهر الإنسانية.

ومع أن العبودية والاستعمار قد انتهيا رسميًا، إلا أن ظاهرة السياسة الجثثية لا تزال مستمرة اليوم، وهي التي تشكل أساس المقاربة الغربية في التعامل مع الإنسان الإفريقي. ومن التجليات الراهنة لهذه الظاهرة: حروب “التدخل الإنساني”، التي يُحوَّل فيها المدنيون إلى هدف مشروع للقتل، بحيث يصبح الموت حالة طبيعية لا تثير امتعاضًا ولا احتجاجًا؛ ومعسكرات اللجوء والهجرة التي تنعدم فيها أبسط حقوق الإنسان؛ ومجالات الاستثناء التي تُعلَّق فيها القوانين والمعايير الحقوقية، وتُنفى فيها الحريات والكرامة الإنسانية.

وإذا كان الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن قد نبّه إلى محورية الاستثناء في القيم المعيارية للحداثة السياسية في الغرب، فإن بمبة يذهب أبعد من ذلك، موضحًا أن الاستثناء الحقيقي يدور حول علاقة الغرب ببقية المجتمعات الأخرى، وبصفة خاصة المجتمع الإفريقي، الذي يتكون من أشخاص “قابلين للرمي في الزبالة”، لا يمكن أن يدخلوا في باب الإنسانية بمفهومها المعاصر.

في كتابه “نقد العقل الزنجي” الصادر سنة 2015، يبيّن بمبة أن الزنجي هو الوحيد من بين البشر الذي حُوِّل جسده إلى بضاعة للبيع والشراء، كما أنه مرجعية المقاربة العرقية في المتخيل الأوروبي.

السؤال المطروح حاليًا، بعد أن أصبحت أوروبا مجرد إقليم من أقاليم العالم المتنوع والمتعدد، هو: هل يعني هذا التحول نهاية العنصرية العرقية بتحلل قاعدتها الدلالية الأساسية، التي هي الكائن الزنجي؟ أم أن نموذج الزنجي المستعبد سيتمدد كونيًا على أوسع نطاق، من خلال السياسات النيوليبرالية والأمنية وحروب الاحتلال والنهب الجديدة، التي هي المظهر الأبرز للحداثة الجثثية؟

وفي نقد جذري للأفكار السائدة حول فشل المجتمعات الإفريقية في التحديث السياسي والثقافي، يرى بمبة أن إفريقيا كانت في صلب مسارات الحداثة الأوروبية، التي لم تكن لتتحقق دون تجارة العبيد واستغلال القوة البشرية الإفريقية في بناء المنظومة الرأسمالية. وهكذا كانت إفريقيا أرضية لنسق الهيمنة والتمييز والاستغلال، الذي قامت عليه التجربة الرأسمالية في اتجاهها نحو التوسع الكوني. ولم يكن بإمكان هذه التجربة أن تنجح وتستمر في بنياتها الاقتصادية والسياسية دون العلاقة المختلة بالمجتمعات الإفريقية.

ففضلًا عن كون النظام الرأسمالي استوعب في تركيبته الداخلية معايير وأساليب التفاوت والاستغلال، التي تبلورت في إطار إدارة الأقاليم الاستعمارية، فإن التراكم الذي عرفته الدول الرأسمالية الصناعية كان من آثار الاستغلال والنهب الذي تعرضت له البلدان الإفريقية في العصر الاستعماري.

على أن الدول الإفريقية ما بعد الاستعمار لم تكتفِ بتلقي الحداثة الغربية سلبيًا، بل طورت نظمها الحديثة الخاصة بها، كما يبدو في الأشكال العمرانية للمدن الإفريقية، وفي الحقل الاقتصادي العصِيّ على التصنيف وفق ثنائية المصنف وغير المصنف، وفي الحقل الثقافي حيث تتعايش التقاليد والنظم الجديدة.

وهكذا يخلص بمبة إلى ضرورة الخروج من المركزية الغربية في تصور الحداثة؛ فالحداثات متعددة ومتنوعة، ولا يمكن اختزالها في نموذج أحادي مهيمن.

وفي مقابل هذه الحداثة الأحادية المهيمنة، يدعو بمبة إلى حداثة كونية متقاسمة، تتداخل فيها مختلف الحضارات والأنساق القيمية والمعيارية دون مركزية استعلائية أو تفاوت عرقي. الأمر هنا يعني أن كل مجتمع قادر على الإسهام في مسار الحداثة الكونية من منطلق خصوصياته الحضارية وهويته الذاتية؛ فلا يوجد مسلك واحد للتقدم. ومن ثم، فإن هدف العيش المشترك بين المجموعات البشرية يقتضي الإيمان القوي بترابط بني الإنسانية من حيث المصالح والتحديات والمصير. وهكذا، لا محيد في السياسة الحيوية الجديدة عن تكريس قيم الاعتراف المتبادل والتضامن الحقيقي والعدالة المنصفة.

ومن الواضح من عرضنا لأطروحة بمبة أنه، على عكس الكثير من مفكرينا الذين يميلون إلى منطق فك الارتباط مع الحداثة الغربية من منظور حقوق التميز الثقافي، يتبنى بقوة فكرة الكونية الإنسانية من منظور تفاعلي وحواري خارج اختلالات المركزية الأحادية والتفوق العرقي. فبالنسبة له، لا يفضي نقد المركزية الأوروبية إلى التخندق في موقع الهوية الخصوصية، بل يقتضي، على العكس من ذلك، إبراز التداخل النظري والعملي بين قيام هذه المركزية وسياسات الاستغلال والتمييز ضد الآخر (الزنجي الأصلي أو الزنجي المعولم الحالي)، ومن هنا ضرورة التدبير الكوني المتوازن والعادل للأسرة البشرية في الحاضر.