الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

الكلام وفلسفة الدين: النهوض والتجديد
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

كان الفيلسوف المصري الراحل حسن حنفي يرى أن مدخل النهوض الفكري العربي الإسلامي يبدأ من «إعادة بناء علوم العقيدة» التي تشكل أساس رؤية العالم لدى المسلمين، ومن هنا كتب مؤلفه الموسوعي «من العقيدة إلى الثورة».

وقد ذهب كثير من الباحثين مذهب حنفي في اعتبار علم الكلام مقوِّمًا لرؤية العالم في العقل الإسلامي، ومن ثم رأى بعضهم أن العقيدة الأشعرية هي سبب «انحطاط» و«انغلاق» هذا العقل، بينما خلص آخرون إلى أن تراجع الفكر الاعتزالي، في نزعتِه العقلانية الإنسانية، هو المسؤول عن وضعية «جمود» الثقافة العربية الإسلامية.

والإجابة عن هذا الإشكال تقتضي الرجوع البحثي المعمق إلى التقليد الكلامي؛ لمعرفة سياقاته النظرية والمجتمعية، وتحديد أثره في طبيعة النسق الفكري الإسلامي قديمًا وحديثًا.

ولا شك أن السؤال الأول المطروح هنا هو: ما المنزلة الإبستمولوجية لعلم الكلام في خارطة العلوم الإسلامية؟ هل يشكل مجرد ممارسة حجاجية حوارية، كما يرى البعض، أم هو لاهوت عقلي على الطريقة المسيحية يقنن الاعتقاد التفصيلي الصحيح، أم هو فلسفة كاملة للدين لا تُدرَك إلا في سياق التفكير الفلسفي الشامل؟

ولمعالجة هذا السؤال، لا بد من الرجوع إلى التعريفات التي يقدمها السابقون لهذا العلم، مع التفريق بين التحديدات التي كتبها المتكلمون أنفسهم، وتقويمات الفلاسفة التي تصدر عن مرجعية مغايرة.

أما بخصوص المتكلمين، فلعل أهم تعريف يمكن الرجوع إليه هو ما ورد لدى أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) في كتابه «المنقذ من الضلال»، محددًا وظيفة علم الكلام بأن «مطلوبه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها على تشويش أهل البدعة». وقد ذهب ابن خلدون (ت 808هـ) إلى المعنى نفسه بقوله في «المقدمة» إن علم الكلام هو: «علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المنحرفين في الاعتقادات».

ومثل هذا التعريف نجده عند المتكلمين الأشاعرة في عصور مختلفة، وهو يعني أن وظيفة علم الكلام لا تتعلق بجوهر الاعتقاد الصحيح، بل بمجرد الدفاع عنه ورد الشبه المتعلقة به. ومن هنا يبرز السؤال المشروع حول مَن يحق له وضع وتقنين أصول الاعتقاد الصحيح، حتى يتمكن المتكلم من الذود عنه ورد الشبه المطروحة عليه.

وقد عدل جل المتكلمين الأشاعرة عن عبارات عديدة استخدمها البعض بديلًا لعلم الكلام، مثل «علم التوحيد» و«علم الاعتقاد»، بالنظر إلى إحجامهم عن التفكير في ذات الله، وعزوفهم عن تقنين تفصيلات الاعتقاد، بحيث إن جوهر علم الكلام يدور حول أثر صفات الله في الطبيعة والتكليف، لا في نمط وطبيعة الإيمان نفسه.

ومع أن عبد القاهر البغدادي (ت 429هـ)، وهو أحد أئمة الأشعرية الأوائل، استخدم عبارة «أصول الدين» عنوانًا لأحد كتبه في الكلام، فإن غرضه، بحسب عباراته، هو تبيين أوجه الاختلاف بين علماء الشريعة من أهل الرأي والحديث في أصول الدين، لا وضع منظومة عقدية ملزمة للمسلمين.

وقد لاحظ المستشرق الألماني جوزيف فان أس أن ما يميز الإسلام، بالمقارنة مع المسيحية، هو أهمية الممارسة والعمل في مقابل النظرية والاعتقاد؛ فالأساس هو الانخراط في الجماعة والقيام بالشعائر المفروضة، دون البحث في التفصيلات الإيمانية التي لا توجد سلطة عليا تقننها.

ومن الواضح أن هذه المقاربة تكرس التصور الجدلي، لا التأسيسي، لعلم الكلام، ومن ثم دنو رتبته في السلم الإبستمولوجي؛ لكونه، في أحسن الأحوال، علمًا لا يحتاج إليه قوي الإيمان سليم الاعتقاد، ولا يُستخدم إلا في وظيفته العلاجية المحدودة، كما بيّن الغزالي في كتابه «إلجام العوام»، وابن خلدون في «المقدمة».

فعلم الكلام، من هذا المنطلق، أقرب إلى ما سماه طه عبد الرحمن «علم المناظرة العقدي»، باعتبار أنه ينطلق من مسلمات عقدية يدافع عنها بمناهج حوارية وجدلية متعددة، حاول البعض صياغتها منطقيًا.

أما التعريف الفلسفي، فنجده لدى الفارابي (ت 339هـ) في كتابه «إحصاء العلوم»، محددًا مهمة «صناعة الكلام» في «نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها».

ولا يختلف تعريف ابن رشد (ت 595هـ) عن هذا المعنى في كتابيه «فصل المقال» و«مناهج الأدلة»، حيث يؤكد أن هدف هذا العلم هو «الذب عن العقائد التي صرح بها الشرع».

ونلاحظ هنا أنه، رغم التشابه الظاهر بين التعريفات الكلامية والتعريفات الفلسفية، إلا أن ما يميز التحديدات الفلسفية هو رفض التصور المعياري الإيجابي لعلم الكلام، ودمجه في المدونة المنطقية الشاملة التي تغطي أوجه الخطاب الاستدلالي كافة، بحيث يكون متمحورًا حول الأسلوب الجدلي (الظني)، في مقابل النهج البرهاني (اليقيني).

وهكذا اتجه الفلاسفة، في تقويم الكلام، إلى موقف مزدوج: رفض دوره البنائي التأسيسي في طموحه العقدي، باعتبار أن مدار الموضوعات الإلهية هو الميتافيزيقا بالمفهوم الأرسطي، وقبوله في وظيفته الإقناعية التخييلية التي يقتضيها الاعتقاد الجماعي للجمهور.

فهل تكون الخلاصة النهائية التي يتوجب الوصول إليها هي أن علم الكلام ممارسة نظرية متدنية في نظام المعرفة الإسلامية الكلاسيكية، باعتباره إما مجرد ممارسة حجاجية علاجية، كما يرى المتكلمون أنفسهم، أو منهجًا جدليًا غير برهاني يناسب ملكة الجمهور الخيالية، وليس له حقيقة في ذاته، كما يرى الفلاسفة؟

إنه، إذن، بهذا المعنى، ليس علمًا له شرف الانتماء الديني الأصيل، ولا فلسفة مكتملة البناء النظري والمنهجي.

وفي كتابهما «فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية»، يرى لويس غارديه وجورج قنواتي أن «مشكلة الإسلام اللاهوتية لم يطرحها علم الكلام صراحة، بل طرحها خصومه الألداء من الحنابلة المتشددين».

وما يمكن استنتاجه من هذه الملاحظة هو أن علم العقيدة الحقيقي هو ما تبلور لدى خصوم الكلام من الفقهاء الحنابلة، في حين أن الإلهيات الفلسفية تشكلت انطلاقًا من الرجوع إلى الثالوث اليوناني: أفلاطون، وأرسطو، وأفلوطين.

فهل نستنتج من ذلك أن علم الكلام ليس لاهوتًا عقليًا على غرار اللاهوت المسيحي في هدفه «عقلنة الإيمان»، ولا هو فلسفة دين بالمعنى الحقيقي؛ لكونه ينطلق من مسلمات إيمانية قبلية لا تخضع للنقاش والتصور البرهاني؟

وفي نص مهم بعنوان «علم الكلام» (The Science of Kalam)، صدر سنة 1992، خلص المستشرق الأمريكي ريتشارد فرانك إلى أن علم الكلام «علم لاهوت له عناصر فلسفية حقيقية»، بمعنى أنه يجمع بين التأمل النظري في موضوعات الاعتقاد، والنظر الفلسفي خارج الحقل الديني في أمور الطبيعة والوجود.

غير أننا لا نرى أن فرانك استطاع الخروج من المأزق الإبستمولوجي لعلم الكلام، في تصوره التوفيقي بين المنحى اللاهوتي والمنحى الفلسفي. ويعود سبب هذا الإخفاق، بحسب اعتقادنا، إلى خلل منهجي رئيس يتمثل في الفصل غير المبرر بين التأمل العقدي في النص المنزل، وهو مسلك داخل في المقاربة التأويلية الإسلامية الخاصة، وبين الاحتكاك المبكر بالنص الفلسفي الوافد في النقاشات الكلامية، والممارسة الرياضية العلمية التي كانت في صلب المشاغل الكلامية، ومؤثرة فيها أشد التأثير.

وخلاصة الأمر أن الثغرة الكبرى في الكتابات المعاصرة حول علم الكلام تتمثل في عدم تنزيله ضمن السردية الفلسفية والعلمية العامة التي هو مظهر من مظاهرها، وحقل رئيس من حقول انطباقها المتداخل، كما سنبين لاحقًا.