آلان تورين عالم اجتماع فرنسي بارز، توفي سنة 2023، عُرف بدراساته الرائدة حول الحركات الاجتماعية والاحتجاجية، وقد أصدر كتابين هامين في سوسيولوجيا الحداثة، أولهما بعنوان “نقد الحداثة”، وثانيهما بعنوان “الدفاع عن الحداثة”.
لا يتناول تورين الحداثة من منظور تاريخ الأفكار أو التاريخ الاجتماعي، وإنما من زاوية التحليل الثقافي والسوسيولوجي، معتبراً أنها ترتكز على مبدئين أساسيين، هما: العقلنة والحرية الذاتية الفردية.
بخصوص العقلنة، يستعيد تورين نظرية عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الشهيرة في ربطه هذا المفهوم المحوري بنمط النظام الاجتماعي المقنن وفق معايير النجاعة والدقة والكفاءة، عبر العلوم والتقنيات والهياكل المؤسسية البيروقراطية.
ما يجدر التنويه به هنا هو أن تورين لا يختزل العقلنة في التصور الموضوعي التجريبي للطبيعة، ولا في الممارسة التقنية الصناعية، بل يعتبر أن هذه المحددات تصدر عن نفس المنطق العقلاني في تجلياته الفكرية والعملية المتشابكة، من حيث كونها غيرت جذرياً النمط المؤسسي الاجتماعي.
في هذا الباب، يتم الربط بين الممارسة العلمية التقنية وطريق تنظيم العمل في المصانع والشركات التجارية، وطرق التسيير الإداري للدولة المعاصرة. ليست العقلنة إذن خياراً فلسفياً أو فكرياً، بل هي أفق جديد للنظر والعمل يتناسب مع مسار الحداثة في دلالاتها التاريخية السوسيولوجية. صحيح أن العقلنة في ذاتها ليست خاصة بالعصور الحديثة، فغني عن التبيين أن الحضارة اليونانية رفعت العقل إلى أعلى مستوى وكرست البرهان العقلي طريقاً أوحد للمعرفة والعلم، وكذا شأن الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة، لكن ما يميز المجتمعات الحديثة هو هذا الربط العضوي بين العقل والتجربة والفاعلية العملية، بدلاً من اعتبار العقل إطاراً للنظر المجرد الذي يتجاوز التجربة والحس.
لقد ربط ماكس فيبر العقلنة بتحولين أساسيين، هما: الإصلاح البروتستانتي والرأسمالية التجارية، بيد أن تورين يرى أنهما نتاج الثورة العقلانية الحديثة التي لا يمكن إرجاعها إلى عوامل لاهوتية دينية أو تحولات تاريخية ظرفية.
لا يبحث تورين عن أسباب محددة لتشكل العقلنة الحديثة، لكنه يرى أن هذا التحول الذي برز منذ القرن السادس عشر عكس موقفاً جديداً من التقليد والسلطة، بحيث استولى العلم التجريبي في الغرب على مكانة اللاهوت، وأصبح الإنسان يفكر بعقله الشخصي خارج أي وصاية ثقافية أو مجتمعية، وتبدل نظام الشرعية السياسية من الحكم القهري إلى الإرادة الحرة.
أما المبدأ الثاني، الذي هو الذاتية، فيعني تأكيد مركزية الذات من حيث القوة الإدراكية والملكة الفكرية والإرادة المستقلة. لقد انجر عن هذا المبدأ تحول نوعي في مفهوم الهوية، بالخروج من السلطة الانتمائية المفروضة إلى الخيار الذاتي الحر، وما يترتب عليه من منظومة حقوق الإنسان المدنية والاجتماعية.
ليست الذات كائناً فردياً سلبياً، بل هي شخص فاعل واعٍ وحر، قادر على معارضة الوضع القائم وتغييره. ومن هنا أهمية الذات الحرة في الحركات الاجتماعية المعاصرة، وما تقوم عليه من نضالات حقوقية ونقابية وسياسية من أجل العدالة والمساواة والإنصاف.
لا يعالج تورين مسألة الذاتية من منظور فلسفات الوعي والإنسانية النظرية على غرار هايدغر وفوكو، بل يربط هذا المبدأ بطبيعة التحولات الاجتماعية والتاريخية التي عرفها الغرب الحديث، وشكلت الإطار الفاعل للحركات الاحتجاجية والحقوقية النشطة.
في نقديته للحداثة، يلاحظ تورين أن هذه الديناميكية تواجه راهناً أزمة عميقة تتمثل في انحراف مسار تحرر الإنسان عن طريق العقل، وهو وضع ناتج عن انهيار التوازن الضروري بين مبدئي العقلانية والذاتية. لقد أصبحت الأنساق الاقتصادية والتقنية والإدارية مسيطرة على الجوانب الذاتية الفردية، ومن ثم غدا الإنسان موضوعاً لهذه الأنساق بدلاً من أن يكون ذاتاً مستقلة متحكمة فيها. ما يعنيه تورين هنا هو هيمنة منطق المردودية والنفعية، وانغلاق المؤسسات الإدارية والاجتماعية التي سلبت حرية المواطن، وحولته إلى ضحية مطحونة ومعزولة، في الوقت الذي دمر المجتمع التكنوقراطي معاني القيم والتطلعات الغائية والسلوك الجمالي الإبداعي.
وهكذا يظهر أن الحداثة التي قامت على مثال الحرية كرست في الواقع مظاهر الاستلاب والريبية والهوية الهشة الضعيفة.
إلا أن تورين يرى أن المخرج من هذا المأزق لا يكون بنبذ الحداثة في ذاتها، وإنما اعتماد ما سماه بالحداثة النقدية، التي تؤلف بين عقلانية التقدم وحرية الذات الإنسانية، أي بين النجاعة العملية التقنية واحترام حقوق الإنسان.
المطلوب هنا هو منح الذات مكانة مركزية بصفتها مقوم الحرية والمسؤولية الفردية، وإعادة الاعتبار للحركات الاجتماعية التي هي التعبير الحي عن الديناميكية التحررية للأفراد في مجتمعات ديمقراطية حرة.
من هذا المنطلق، يدعو تورين إلى نمط جديد من الحداثة مؤهل لتجاوز هناتها وثغراتها من خلال الوعي النقدي والتفكير التجاوزي، وهي سمات جوهرية في فكرة الحداثة ذاتها.
على عكس المفكرين الذين اعتبروا أن مشروع الحداثة وصل إلى أفق مسدود ولم يعد قابلاً للاستئناف، يرى تورين أن مبدئي الحداثة (العقلنة والذاتية) لا يزالان ناجعين وهامين، لكن لا يمكن إهمال أوجه النقد الفلسفي والاجتماعي الذي وجه لهما في الفكر المعاصر.
لا تزال نظرية تورين غير معروفة في الوسط الثقافي العربي، رغم أهميتها الفائقة في تقويم ومراجعة تجارب التحديث العربي المتعطلة. لقد هيمن على الخطاب العربي المعاصر اتجاهان: يقوم أحدهما على التحليل الأيديولوجي لضبط أزمات ومصاعب التحديث الفكري والاجتماعي في العالم العربي (أطروحة عبد الله العروي في كتابيه “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” و”أزمة المثقفين العرب”)، ويقوم ثانيهما على استنبات وتبيئة النقد الفلسفي الراديكالي للحداثة كما برز لدى التيارات التفكيكية، متشككاً في نجاعة مطلب التحديث نفسه (كما لدى علي حرب ومطاع صفدي في كتاباتهما الأخيرة).
وخلاصة الأمر أن مقاربة آلان تورين تجمع بين الدفاع العقلاني المسؤول عن تجربة الحداثة في ثوابتها المعيارية الكبرى، والنقد المطلوب لتجاوزات وثغرات الحداثة التي لا يمكن السكوت عليها وتجاهلها.