بقلم كيارا بيريلي، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا حادًا في الآثار البيئية للنزاعات الدائرة في جنوب غرب آسيا. فقد عانت المنطقة، على مدى عقود، من اضطرابات جيوسياسية عميقة أفضت إلى أزمات إنسانية متكررة وواسعة النطاق. وإلى جانب ذلك، برز مفهوم جديد يتمثل في الإبادة البيئية، وهي أفعال غير مشروعة أو متهورة تُرتكب مع العلم بوجود احتمال كبير لحدوث أضرار جسيمة، واسعة النطاق أو طويلة الأمد، بالبيئة. وقد أسهم التلوث الكيميائي، وإزالة الغابات، وتلويث المياه، وتدمير الأنظمة الزراعية، في إعادة تشكيل المشهد البيئي للمنطقة بصورة جذرية.
ولا يُعد هذا التدمير البيئي مجرد نتيجة عرضية للحروب، بل يُستخدم أداةً مقصودةً ضمن استراتيجيات عسكرية تستهدف اقتلاع السكان الأصليين من أراضيهم، من خلال جعل أجزاء واسعة منها غير قابلة للحياة.
وقد ازداد اهتمام الباحثين بدراسة الإبادة البيئية إلى جانب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. فإذا كانت الإبادة الجماعية تُعرَّف بأنها أفعال تُرتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، فإن الإبادة البيئية تُعد وسيلة من وسائلها، إذ تقوّض قدرة النظم البيئية والمجتمعات المحلية على الاستمرار، وتهدد بقاءها في جوهره.
وفيما أحيينا الشهر الماضي يوم الأرض، بما يحمله من تذكير بواقع يغفل عنه كثيرون: حق الفلسطينيين في الوجود على أرضهم، والعنف الممارس بحقهم بسبب تمسكهم بالبقاء فيها، رغم الكارثة التي طالت حتى التربة ذاتها، يُعد قطاع غزة، حيث استؤنفت العمليات العسكرية الإسرائيلية عالية الكثافة عام 2023، من أكثر المناطق تضررًا من هذا النمط من الأذى البيئي. وحتى نيسان (أبريل) 2025، أفادت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بأن أقل من 5% من الأراضي الزراعية في غزة صالحة للزراعة. كما دُمّرت جميع البيوت البلاستيكية ومعظم الآبار الزراعية. وإلى جانب النزوح الجماعي وعرقلة دخول المساعدات الإنسانية، ارتفع خطر المجاعة بالنسبة إلى 2.1 مليون إنسان يعيشون في القطاع. وفي منطقة ترتبط فيها الأرض بالهوية والبقاء، فإن تدمير البيئة يفاقم الإبادة الجماعية المستمرة بحق الفلسطينيين.
وفي سوريا، خلّفت الحرب الأهلية وحالة عدم الاستقرار السياسي الراهنة أضرارًا بيئية جسيمة. وقد بيّنت إحدى الدراسات أن الأراضي المروية تراجعت بنسبة 50% بسبب النزاع. وبين عامي 2011 و2016، خسر القطاع الزراعي السوري 16 مليار دولار، بما يعادل 41% من الناتج المحلي الإجمالي. كما برز تلوث الهواء بوصفه أزمة كبرى أخرى، نتيجة القصف الجوي، ولا سيما الذي استهدف المنشآت النفطية، وما خلّفه من حرائق وعواصف ترابية وتسربات كيميائية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع مستويات الجسيمات الدقيقة PM2.5 المسببة لأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، فضلًا عن تلوث التربة والمياه الجوفية. أما إحراق آبار النفط عمدًا، فقد تسبب في أضرار بيئية لا تُحصى، إذ تسربت ملايين البراميل وتضررت النظم البيئية المحيطة، بما يجعل الحياة أكثر صعوبة للأجيال القادمة.
ويمثل جنوب لبنان بدوره إحدى أكثر المناطق تضررًا من الإبادة البيئية، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بالعمليات العسكرية الإسرائيلية. ففي عام 2024، قدّر البنك الدولي الأضرار البيئية بنحو 221 مليون دولار، والخسائر الزراعية بأكثر من مليار دولار. وتكشف هذه الأرقام عن حجم التدمير المنهجي الذي طال البيئة اللبنانية وقطاعها الاقتصادي. وتشكّل الأراضي الزراعية، ولا سيما بساتين الزيتون، مصدر العيش الأساسي للعديد من المجتمعات المحلية. وقد جعلت هذه العمليات مساحات واسعة من الأراضي غير قابلة للاستخدام؛ إذ إن ضربة واحدة فقط في شباط (فبراير) 2026 أثّرت في 540 هكتارًا.
كما لعب استخدام مبيد الأعشاب الغليفوسات دورًا بارزًا في هذا التدهور البيئي. ففي حين يُستخدم عادةً للقضاء على الأعشاب الضارة، استُخدم في جنوب لبنان بصورة منهجية لتدمير المحاصيل وتقليص خصوبة التربة. وإضافة إلى ذلك، أثبتت الدراسات سميته على الإنسان، ما يجعل تلوث التربة تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي. وفي هذا السياق، وصف الرئيس جوزيف عون الهجمات الإسرائيلية بأنها “جرائم بيئية وصحية بحق اللبنانيين وأرضهم”.
ولا تتجلى الإبادة البيئية في نشر المواد الكيميائية فحسب، بل تظهر كذلك في تدمير البنى التحتية التي تحفظ الاستقرار البيئي. وتُعد هجمات عام 2024 على مدينة صور مثالًا واضحًا على ذلك، إذ استهدفت بعض الضربات منشآت توزيع المياه، ما أدى إلى شح المياه الآمنة لنحو 400 ألف شخص، فضلًا عن الإضرار بالزراعة وتربية المواشي. وتشير التقديرات إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية بين تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ونيسان (أبريل) 2025 دمّرت ما لا يقل عن 34 شبكة أنابيب رئيسية للري، بما يكشف عن نمط ممنهج من التعطيل يقوض الزراعة ويحدّ من وصول المدنيين إلى الموارد الأساسية.
كما أسهم الاستخدام الواسع المزعوم للفوسفور الأبيض في تدمير النظم البيئية في لبنان. والفوسفور الأبيض مادة حارقة تُعد ضارة بالبشر عبر جميع طرق التعرض، وتسبب حروقًا عميقة وشديدة قد تصل إلى العظام، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وإلى جانب الخطر المباشر على المدنيين، أدت طبيعته الحارقة إلى اندلاع حرائق واسعة وترك بقايا سامة في البيئة، ما تسبب في تراجع خصوبة التربة وتدمير التنوع الحيوي. وقد أفادت تقارير عديدة، ومؤخرًا بعد اندلاع الحرب في إيران عام 2026، باستخدام إسرائيل لهذه المادة فوق مناطق مأهولة. كما وجدت أبحاث وزارة الزراعة اللبنانية أن أكثر من 800 حريق نتجت عن استخدام الفوسفور الأبيض، وألحقت أضرارًا بنحو 20 مليون متر مربع من الأراضي.
وفضلًا عن ذلك، يضيف الركام الناتج عن الهجمات طبقة أخرى من الضرر البيئي. فإلى جانب تكاليف الإزالة وإعادة الإعمار، كثيرًا ما يكون الركام في لبنان ملوثًا بمواد مسرطنة عالية الخطورة، مثل الأسبستوس، التي تنبعث إلى البيئة. ويُستخدم الأسبستوس على نطاق واسع في قطاع البناء اللبناني، لا سيما في الأسقف والأنابيب. وقدّرت إحدى الدراسات أن نفايات الهدم والإنشاء بلغت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 ما يصل إلى 100 مليون طن. كما أشارت الدراسة إلى أن ركام الحروب والنزاعات يتضمن عناصر إضافية شديدة الخطورة، منها الذخائر غير المنفجرة، والرفات البشرية، والفوسفور الأبيض، والنفايات الإلكترونية، والمعادن الثقيلة. وفي أيلول (سبتمبر) 2025، جرى تخزين 150 ألف طن من النفايات الملوثة بالأسبستوس في منطقة الكرنتينا في بيروت. وقد صُنّف الأسبستوس بجميع أشكاله مادةً مسرطنة.
وتُبرز هذه الحالات كيف غدت الإبادة البيئية سمة متكررة من سمات النزاعات في جنوب غرب آسيا. فالأثر التراكمي للحرب يتجاوز الدمار المباشر، إذ إن تدهور خصوبة التربة، وتلوث المياه، وتلوث الهواء، كلها عوامل تقوض قدرة المجتمعات على الاستمرار في أراضيها. ومن ثم، لا تبدو الإبادة البيئية مجرد نتيجة جانبية للنزاعات، بل استراتيجية تعيد تشكيل النظم البيئية وظروف الحياة، وتُرسّخ أنماط التهجير والتدمير المرتبطة بالإبادة الجماعية.
وتُظهر النزاعات السابقة أن الآثار البيئية للعمليات العسكرية قد تمتد لعقود طويلة، بما يعيق استعادة سبل العيش التي كانت قائمة قبل الحرب. كما يشكل القصف الحالي للبنى التحتية النفطية، كما حدث في طهران في آذار (مارس) 2026 وفي مناطق أخرى، مثالًا جديدًا على هذا النمط المنهجي من الهجمات. وتمتد الآثار البيئية لتشمل تلوث المياه، وانتقال الدخان لمسافات بعيدة، وتداعيات مناخية متعددة، مثل تسارع الاحترار العالمي وارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة. ومن المهم الإشارة إلى أن الحروب الحديثة تسهم بنحو 5.5% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا.
وغالبًا ما يُغفل هذا الأثر، ولا يُلتفت إليه إلا بعد مرور أجيال.
وفي المجمل، تكشف هذه الوقائع عن حاجة ملحّة إلى إدماج حماية البيئة ضمن أطر التعامل مع النزاعات، بما يشمل آليات الرصد والمساءلة، والاعتراف بالإبادة البيئية في النظم القانونية الدولية. ومن دون هذه التدابير، ستظل تبعات هذا النمط من التدمير يتحملها السكان الأصليون وحدهم، بوصفهم الأكثر تضررًا واستهدافًا بسبب عيشهم على أرضهم.