في مختلف أنحاء المنطقة العربية، بات إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي يُقدَّم بصورة متزايدة باعتباره حتمية تقنية. فالتغيرات الديموغرافية، والضغوط المالية، ومخاوف استدامة الدين العام، وتقلبات أسواق العمل، تُطرح بوصفها تحديات عالمية تتطلب حلولاً معيارية موحّدة. وعليه، يجري رفع سن التقاعد، وتمديد فترات الاشتراك، وإعادة احتساب نسب الاستبدال، وتوسيع استراتيجيات الاستثمار. وهكذا أصبحت لغة الإصلاح اكتوارية، بينما اتخذت نبرته طابعاً إدارياً.
غير أن الضمان الاجتماعي ليس مجرد معادلة اكتوارية، بل هو التعبير المؤسسي عن العقد الاجتماعي. فهو يحدد كيفية توزيع المجتمعات للمخاطر بين الأجيال، وكيفية حماية الأجور المؤجلة، وضمان الكرامة في مرحلة الشيخوخة. وعندما يتحول الإصلاح أساساً إلى تمرين مالي، خصوصاً في اقتصادات تتسم بارتفاع العمل غير المنظم، والنزوح، وهشاشة أسواق العمل، فإن النتيجة قد تكون اختلالاً هيكلياً بدلاً من تحقيق الاستدامة.
وعليه، فإن المنطقة العربية تحتاج بالفعل إلى إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى تفعيل محلية هذا الإصلاح.
قوالب الإصلاح العالمية وافتراضاتها
منذ تسعينيات القرن الماضي، تشكّلت إصلاحات أنظمة التقاعد عالمياً ضمن أطر روّجت لها المؤسسات المالية الدولية، ولا سيما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقد قدّم تقرير البنك الدولي لعام 1994 «تجنب أزمة الشيخوخة» نموذج التقاعد متعدد الركائز، الذي يجمع بين الأنظمة العامة الإلزامية والمكونات الممولة الخاصة. ومع مرور الوقت، استقر خطاب الإصلاح حول التعديلات البارامترية، وضبط الأوضاع المالية، واستراتيجيات الاستثمار الممول، والتنويع عبر أسواق رأس المال.
وقد قُدمت هذه المقاربات باعتبارها «أفضل الممارسات» — سليمة تقنياً، ومجربة عالمياً، وعقلانية اقتصادياً.
إلا أن التجارب اللاحقة كشفت تعقيدات كبيرة. فقد قامت عدة دول اعتمدت الخصخصة الجزئية أو الكاملة، مثل الأرجنتين والمجر وبولندا، بالتراجع عن هذه الإصلاحات أو تعديلها نتيجة ارتفاع تكاليف الانتقال، والأعباء الإدارية، وفجوات التغطية. وفي بعض الحالات، تجاوزت تكاليف التمويل الانتقالي نسبة 1–2% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، دون أن تؤدي الركائز الممولة تلقائياً إلى توسيع التغطية للعاملين في الاقتصاد غير المنظم، بينما قلّصت الرسوم الإدارية العوائد المتوقعة.
وعليه، فالدروس المستفادة لا تشير إلى عدم ضرورة الإصلاح، بل إلى أن النماذج تحمل افتراضات ضمنية.
فهذه النماذج تفترض وجود تشغيل رسمي مرتفع، ومسارات اشتراك متواصلة تمتد 30–35 عاماً، واستقراراً في الإبلاغ عن الأجور، وأسواق رأس مال عميقة، ومؤسسات تنظيمية قوية — وهي شروط لا تتحقق في العديد من الاقتصادات العربية.
العمل غير المنظم والإقصاء الهيكلي
تقدّر منظمة العمل الدولية أن نحو 60% من القوى العاملة عالمياً تعمل ضمن الاقتصاد غير المنظم. وفي أجزاء من المنطقة العربية، تتراوح نسب العمل غير المنظم بين 30% وأكثر من 70% بحسب الدولة والقطاع.
كما تبقى معدلات مشاركة النساء الاقتصادية من الأدنى عالمياً، وغالباً ما تقل عن 25%، في ظل أنماط عمل تتأثر بأعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر والانخراط المتقطع في سوق العمل. ويصل معدل بطالة الشباب في كثير من الدول إلى 20–30% أو أكثر، بينما يشكل اللاجئون والنازحون جزءاً مهماً من النظم العمالية في عدة بلدان.
إن بنية تقاعدية قائمة على العمل الرسمي المتواصل تستبعد ضمناً:
- العمال الموسميين والعرضيين
- المشاريع متناهية الصغر غير المنظمة
- العمال المهاجرين واللاجئين
- النساء ذوات المسارات المهنية المتقطعة
وعندما يُرفع سن التقاعد في أنظمة تعاني أصلاً من انخفاض كثافة الاشتراك، فقد تتحسن الاستدامة الاكتوارية نظرياً، بينما تتراجع التغطية الفعلية عملياً.
لذلك، فإن الإصلاح دون تكيّف هيكلي قد يؤدي إلى تكريس الإقصاء، بينما يتطلب تفعيل المحلية الاعتراف بواقع أسواق العمل الهجينة بدلاً من تصميم الأنظمة وفق نموذج سوق عمل رسمي مثالي.
الضبط المالي ومساحة الحماية الاجتماعية
غالباً ما تجري إصلاحات التقاعد في الاقتصادات النامية ضمن برامج أوسع للاستقرار الاقتصادي الكلي. وتشير مراجعات لبرامج مدعومة من صندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة إلى أن الحيز المالي تقلّص في معظم الحالات رغم وجود ما يسمى «حدود الإنفاق الاجتماعي الدنيا»، والتي غالباً ما تعمل كسقوف دنيا لا كأطر توسعية.
وتشمل الإصلاحات الشائعة رفع سن التقاعد، وتمديد فترات الاشتراك، وتشديد شروط الاستحقاق. ورغم أن هذه الإجراءات قد تعزز المؤشرات الاكتوارية، فإن تطبيقها في سياقات تتسم بالهشاشة التشغيلية والنزوح وضعف خلق فرص العمل قد يؤدي إلى تقليص إمكانية الوصول الفعلية.
إن استدامة الضمان الاجتماعي ضرورة، لكن استراتيجيات الاستدامة لا يمكن فصلها عن بنية سوق العمل. وتفعيل المحلية لا يعني رفض المسؤولية المالية، بل الإقرار بأن المؤشرات المالية والتماسك الاجتماعي مترابطان.
صناديق التقاعد كأدوات تنموية: الفرصة والمخاطر
تمثل صناديق التقاعد في العديد من الدول العربية من أكبر المستثمرين المؤسسيين المحليين، إذ تمتلك حصصاً كبيرة من السندات السيادية وتشارك في قطاعات استراتيجية مثل البنية التحتية والعقارات والمصارف والطاقة.
وعالمياً، تحتفظ صناديق التقاعد في عدة دول متوسطة الدخل بأكثر من 40–50% من أصولها في أدوات الدين الحكومي. وفي السياقات الهشة أو المثقلة بالديون، قد تتحول احتياطيات التقاعد تدريجياً إلى بدائل للإيرادات العامة أو أدوات لتمويل التنمية الوطنية.
الاستثمار ضروري للاستدامة، لكن وفق تسلسل واضح للأولويات: الحماية أولاً، ثم الاستدامة، ثم الاستثمار.
فعندما تُستخدم احتياطيات التقاعد لتغطية العجز المالي أو تمويل مشاريع موجهة سياسياً أو التعويض عن تراجع المساعدات، تتغير الهوية المؤسسية للنظام.
فهذه الأصول تمثل اشتراكات العمال وأجورهم المؤجلة، وليست سيولة حكومية، ولا صندوق ثروة سيادي، ولا بنكاً تنموياً، وبالتأكيد ليست أداة استقرار مالي قصيرة الأجل.
ويتطلب تفعيل المحلية ضمانات هيكلية تشمل:
- تحصين الاحتياطيات قانونياً
- تفويضات استثمار شفافة قائمة على الحيطة
- قيوداً على اقتراض الحكومات من أصول التقاعد
- رقابة اكتوارية مستقلةفغياب وضوح الحوكمة يجعل حتى الأنظمة السليمة تقنياً عرضة للتسييس.
معضلة الاستهداف
شهد الخطاب العالمي خلال العقدين الماضيين تحولاً من توسيع الرفاه الشامل نحو شبكات أمان موجهة. وقد توسعت برامج المساعدات المشروطة وسجلات الاستهداف الرقمية في العديد من الدول النامية.
ورغم أن الأنظمة الموجهة قد تخفض التكاليف المالية قصيرة الأجل، فقد وثّقت تقييمات دولية أخطاء إقصاء كبيرة فيها، حيث تقع الأعباء الإدارية غالباً على العاملين في الاقتصاد غير المنظم، وتؤدي الأنظمة المصممة لتقليل التسرب أحياناً إلى تقليل الوصول نفسه.
في المقابل، تميل النماذج الشاملة أو شبه الشاملة، رغم ارتفاع كلفتها الأولية، إلى بناء ثقافة امتثال وثقة اجتماعية أقوى بمرور الوقت.
وفي مجتمعات عربية تعاني من فجوات ثقة وهشاشة سوق العمل، تصبح الشرعية عاملاً مركزياً في الاستدامة، لا متغيراً ثانوياً.
النزوح والتنقل ونظم العمل الهجينة
تستضيف عدة دول عربية أعداداً كبيرة من اللاجئين، بينما ينتقل العمال باستمرار بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي، وبين الاستقرار والهشاشة، وعبر الحدود الوطنية.
إن تصميم أنظمة الضمان الاجتماعي كما لو أن أسواق العمل تشبه أنماط التنظيم المستقرة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يتجاهل هذه الحقيقة.
ويتطلب تفعيل المحلية:
- الاعتراف المرن بفترات الاشتراك
- آليات قابلية نقل الحقوق
- ترتيبات مؤسسية تعكس تنقل العمالة
وإلا فإن الإصلاح يعزز التجزئة بدلاً من الحماية.
الفروقات الاجتماعية بين الجنسين والحياد الهيكلي
غالباً ما يُقدَّم توحيد أو رفع سن التقاعد باعتباره إجراءً معززاً للمساواة. إلا أن عدم المساواة الهيكلية في المشاركة الاقتصادية يعني أن الحياد القانوني لا يؤدي بالضرورة إلى حياد في النتائج.
ففي السياقات التي تتسم بانقطاع عمل النساء وارتفاع أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر، قد يؤدي تمديد متطلبات الاشتراك دون إجراءات تعويضية إلى تقليص كفاية معاشات النساء بشكل غير متناسب.
لذلك، يتطلب تفعيل المحلية إدماج:
- أرصدة احتساب فترات الرعاية
- مسارات اشتراك مرنة
- الاعتراف بالعمل المتقطع
بوصفها ضرورات هيكلية لا امتيازات.
الثقة كبنية تحتية اقتصادية
تعتمد استدامة الضمان الاجتماعي على الثقة العامة. وتظهر الأدلة التجريبية أن إدراك المساهمين لتسييس احتياطيات التقاعد أو توظيفها مالياً يؤدي إلى تراجع الامتثال الطوعي وارتفاع الانسحاب غير الرسمي وضعف كثافة الاشتراك.
وعليه، فإن الإصلاح الذي يقدّم الضبط المالي على الشرعية الاجتماعية قد يحسن المؤشرات قصيرة الأجل، لكنه يقوّض الامتثال طويل الأمد.
فالثقة ليست قيمة رمزية، بل بنية تحتية اقتصادية.
إصلاح قائم على الشرعية السياقية
تواجه المنطقة العربية ضغوطاً ديموغرافية ومالية حقيقية، ولا يمكن تجاهل الاستدامة، كما أن الإصلاح ضرورة. غير أن الإصلاح لا يمكن أن يكون نقلاً ميكانيكياً لقوالب عالمية جاهزة.
فالمعرفة الدولية مهمة، والتجارب المقارنة ذات قيمة، لكن النماذج تفترض وجود أسواق عمل رسمية مستقرة، وقدرات إدارية عالية، وعمق مالي، واستقلال حوكمي. وعندما لا تتوفر هذه الشروط، يجب تكييف الإصلاح لضمان أن يبقى الضمان الاجتماعي بنية أخلاقية لا مجرد بنية مالية.
فعندما تطغى منطقية الاستثمار على منطق الحماية، تنسى الأنظمة سبب وجودها. وكذلك، عندما تتجاهل «أفضل الممارسات» السياق، تتحول إلى ممارسات خاطئة.
وفي المحصلة، يصبح الإصلاح هشاً عندما يُستورد كنموذج جاهز بدلاً من تصميمه كعقد اجتماعي. لذلك فإن تفعيل المحلية لا يعني رفض الإصلاح أو الخبرات الدولية، بل يعني ترسيخ الإصلاح في واقع العمل، وقدرات الحوكمة، والبنى الاجتماعية بين الجنسين، وديناميات النزوح، واحتياجات التماسك الاجتماعي.