الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

توني نغري وتناقضات الحداثة
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

توني نغري فيلسوف إيطالي بارز توفي سنة 2023، عُرف بثلاثيته التي أثرت بقوة في الفكر الفلسفي المعاصر: الإمبراطورية، والجمهور، والكومنولث، بالإضافة إلى أعماله حول سبينوزا التي جددت حقل الدراسات السبينوزية، مستأنفًا أعمال الفيلسوف الفرنسي الراحل جيل دلوز.

على عكس التصور التقليدي للحداثة من حيث هي حركية فكرية منسجمة ومتناسقة، يرى نغري أن هذه الديناميكية متعددة ومتباينة التوجهات؛ فهناك تياران متقابلان في الحداثة. ذهب أولهما، الذي يمثله توماس هوبز، إلى تأسيس شرعية السياسة على مفهوم السيادة، والنظر إلى السلطة من منطلق مؤسسي قانوني يُلغي اعتبارات القوة، كما كرس الفصل بين الحاكم والمحكومين. أما التيار الثاني، الذي يمثله سبينوزا، فقد أسس السياسة على القوة المشتركة، وطالب بالديمقراطية الراديكالية بدلًا من النظام الانتخابي التمثيلي، كما طرح خيار الإنتاج الاجتماعي للسلطة.

في كتابه الغرابة المتوحشة، الذي يخصصه لسبينوزا، يبين أنه فيلسوف القوة وليس فيلسوف السلطة كما يُنظر إليه عادة. فبالنسبة له، مادة الفعل السياسي ليست الهيمنة أو السيطرة، بل هي القوة الاجتماعية القادرة على الممارسة والتغيير. وذلك ما عبر عنه نغري (تبعًا لجيل دلوز) بالأنطولوجيا الإيجابية، التي تعني إعادة الاعتبار للإنتاج والرغبة والفاعلية بدلًا من النقص أو السلب. فالإنسان لا يتحدد بحسب ما يحتاج إليه أو ينقصه، بل بقابليته للفعل والنشاط العملي.

ذلك ما يبرز بقوة في نقد سبينوزا لفكرة السيادة في دلالاتها الهوبزية، أي السلطة المطلقة المتعالية التي لا تقوم إلا على القطيعة مع الجمهور عبر الدولة الوطنية الشاملة، والسيطرة على العلاقات الاجتماعية بكاملها.

في كتابه الإمبراطورية الصادر عام 2000، يبين أن العالم قد انتقل فعلًا من نظام الدولة القومية السيادية إلى نسق جديد شامل أطلق عليه مقولة الإمبراطورية، التي لا تعني الهيمنة القطبية الأحادية أو سيطرة دولة قوية بعينها، وإنما هي منظومة من شبكات السلطة متعددة المكونات: من دول، وشركات عابرة للحدود، ومؤسسات اجتماعية ومدنية ذات تأثير كوني. وهكذا أصبحت السلطة متناثرة ومشتتة، ولم يعد لها مركز أو قلب، وبالتالي انهار مفهوم السيادة بصفة نهائية.

حسب نغري، ارتبطت الرأسمالية التقليدية القائمة على الإنتاج المادي بالدولة الوطنية السيادية، أما الرأسمالية الحالية القائمة على العمل غير المادي، وعلى المعرفة والاتصال والأهواء، فلا يمكن أن تتأقلم مع معايير السيادة الوطنية المتجاوزة. وكما أن الطبقة العاملة (البروليتاريا وفق القاموس الماركسي) تشكلت من أحشاء الرأسمالية التقليدية ونظام الدولة الوطنية، وتلاءمت مع الديمقراطية النيابية، فإن عصر الإمبراطورية هو عصر الجمهور، الذي هو مجموعة من الأفراد المتمايزين الذين لا توحدهم خصائص جوهرية جامعة، وإن كانوا قادرين على ترتيب حركات احتجاجية جماعية. ففي النظرية السياسية الكلاسيكية يُنظر إلى الشعب من حيث هو كتلة عضوية موحدة، بينما الجمهور يتسم بالتنوع والتعددية، ولا يمكن احتواؤه في بنيات قانونية أو مؤسسية قائمة.

وهكذا يدعو نغري إلى القطيعة مع الديمقراطية الليبرالية التي يرى أنها عاجزة عن إحداث تغييرات اجتماعية حقيقية، داعيًا إلى إنشاء نمط من الديمقراطية المباشرة الشاملة، القائمة على الترابط الشبكي، والتعاون المرحلي، والتنظيم الذاتي.

في هذا الكتاب يعالج نغري تحدي الحروب الجديدة التي تزايدت في السنوات الأخيرة، بعد أن ساد وهم السلم والأمن الجماعي عقب نهاية الحرب الباردة، معتبرًا أن الإمبراطورية لا يمكن أن تحفظ النظام والاستقرار إلا من خلال الحرب الدائمة، والرقابة الشاملة، والآليات والصناعات الأمنية التي غدت محور الاكتشافات العلمية والتقنية الراهنة. ولذا لا بد من حركات اجتماعية جديدة تقف في وجه هذه السياسات العنيفة الرقابية، في عصر لم يعد من الممكن التفكير فيه بنموذج الثورات الراديكالية السابقة.

في كتابه الكومنولث (الذي كتبه مع الفيلسوف الأمريكي مايكل هاردت على غرار الكتابين السابقين)، يعالج مفهوم المشترك ودلالاته في الواقع الراهن الذي يتسم بأزمة الرأسمالية العالمية الشاملة. والمشترك يخرج كليًا عن التمييز التقليدي بين العام والخاص، ويتعلق بتحول نوعي في الحضارة الصناعية الحالية القائمة على مشتركات إنسانية من معرفة وثقافة وشبكات اتصال وتعاون اجتماعي.

فبالنسبة له، لا بد من التحرر من قبضة الرأسمالية الحالية على إنتاج الجمهور وفق أساليبها في استخدام المعطيات الإنسانية الطوعية، وذلك هو الموضوع السياسي الجوهري: انتزاع الجمهور لإنتاجه المشترك. إن التسيير الجماعي للمشترك يختلف إذن عن الرأسمالية الفردية الخصوصية، كما يختلف عن رقابة الدولة وتحكمها؛ فهو تعبير عن شكل نظام سياسي واجتماعي جديد قائم على التحكم في ما ينتجه الإنسان من مادته الذاتية، التي هي البديل اليوم عن الإنتاج المادي السابق.

ومع أن توني نغري خرج منذ سنوات من العمل السياسي المباشر، منكَبًّا على الدراسات النظرية والكتابات الفلسفية المتخصصة، إلا أن أعماله أثرت بقوة في اليسار الجديد الذي رفع شعار الشعبوية اليسارية والديمقراطية الراديكالية، كما هو الشأن في أحزاب فرنسا المتمردة في فرنسا، وبوديموس في إسبانيا، وسيريزا في اليونان.

لقد عاش نغري في آخر سنوات عمره حركية الربيع العربي، وتحمس لها كثيرًا، معتبرًا أنها تجسد ما طرحه من خيار انتفاضة الجمهور في تعدديته المتوحشة ضد قمع وتسلط الدولة المركزية المهيمنة. ولقد توقع أن يمتد نموذج الربيع العربي إلى مناطق عديدة من العالم، محتفيًا بصعود اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية.

لا شك أن توني نغري فيلسوف كبير، وقد جدد الأيديولوجيا الماركسية، وقدم مقاربة ثرية في قراءة التحولات العالمية الراهنة، لكن نقده للحداثة ظل متأثرًا بمواقفه السياسية النضالية الظرفية.

عندما سألتُ عام 2008 الاقتصادي المصري البارز سمير أمين عن أعمال نغري من حيث الخلفية الماركسية، قال لي إنه خرج كليًا عن الأطر النظرية والمنهجية للفكر الماركسي، حتى لو كان قد استقطب قاعدة واسعة من الجمهور اليساري، وذلك هو كسبه وجهده، حسب عبارات أمين.