مع أن مصطلح “ما بعد الحداثة” (Postmodern) استخدمه من قبل المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي، كما برز في الحقل الفني على نطاق واسع من بعد، فإن الفيلسوف الفرنسي جان فرنسوا ليوتار (ت. 1998) هو أول من بلوره فلسفيًا في كتابه المعروف “الحالة ما بعد الحديثة” (صدر سنة 1979).
شكّل كتاب ليوتار حدثًا فكريًا كبيرًا، واعتُبر منطلقًا لتشخيص جديد للفكر الفلسفي من منظور نقديٍّ تجاوزيٍّ للحداثة، في مرحلة بلغت فيها الموجة التفكيكية أوجها في استهدافها لمقاييس الحقيقة العلمية، والتقدم التاريخي، والديمقراطية الليبرالية.
في تعريفه لما بعد الحداثة، يقدم ليوتار التحديد الذي انتشر إلى أبعد مدى في قوله: “إنها نهاية الثقة في السرديات التفسيرية الكبرى”، وهو يعني هنا بوضوح التصورات والرؤى الشاملة التي كانت تمنح التاريخ معنى واتجاهًا ثابتًا.
كان زميل ليوتار، الفيلسوف الماركسي لويس ألتوسير، قد اعتبر أن ماركس اكتشف علم التاريخ الذي يكشف عن قوانين الظواهر الاجتماعية في مادّيته الجدلية، بما يضاهي اكتشاف علم الرياضيات في العصر اليوناني الكلاسيكي والفيزياء في العصور الحديثة. ومع أن ألتوسير انتقد بشدة النزعة الإنسانية التي قرأ البعض نصوص ماركس من منظورها — ويقصد هنا على الأخص جان بول سارتر في فلسفته الوجودية — فإنه حافظ على المقاربة الوضعية العلمية في ادعاء ماركس التوصل إلى الحقائق الموضوعية لحركة التاريخ.
وذلك ما يرفضه بشدة ليوتار، الذي يؤكد أن نهاية الحداثة وسردياتها الكبرى تعني الخروج من أفق التاريخ الذي شكّل الإطار التأويلي الأساسي للفلسفة والفكر الاجتماعي منذ هيغل.
السرديات الكبرى المعنية هنا هي: فكرة التقدم التي هيمنت على فكر الأنوار الأوروبية، ومقولة الثورة التي تمثل محور النظرية السياسية الماركسية، وفكرة العقل الكلي الهيغلية، والتصور الوضعي للحقيقة العلمية التجريبية.
ما يعنيه هذا التحول الذي يرصدُه ليوتار منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي هو الانتقال من نموذج التاريخ إلى نموذج الاتصال، بتحول المعرفة إلى نمط من المعلومة تحملها أدوات تقنية، لا تبحث عن الحقيقة بل عن النجاعة والنفعية.
لم تعد الحقيقة كونية وأحادية، بل ظهر أن للغة أنساقها التأويلية والدلالية المتعددة والمتناثرة، بما يسمح بالقول بتعدد الحقائق وفق تعدد قواعد الخطاب ومستويات التعبير اللغوي.
ما ينتج عن هذا التحول الجوهري هو انبثاق هويات متعددة، وقيم متنوعة، وتفكك النظم الاجتماعية، وتجذر النزعات الفردية الانكفائية.
عندما كتب ليوتار كتابه في نهاية السبعينيات، لم يكن الحديث عن نهاية الأيديولوجيا والتاريخ قد بدأ بعد (بل إن هذا الاتجاه برز لاحقًا بعد نهاية الحرب الباردة)، لكنه أدرك مبكرًا أن التحولات المعرفية التي تمر بها البشرية ستفضي إلى تقويض الموقف الحداثي التقليدي، المتمثل في بناء سرديات كبرى قادرة على تفسير العالم وتغيير المجتمعات.
كان ليوتار قد انتبه آنذاك إلى ما تفضي إليه الثورة المعلوماتية — وكانت في بداياتها — من نتائج حاسمة على طبيعة المعرفة ونمط الحقيقة ومسلكيات البناء السياسي والاجتماعي. ومن البديهي أنه يستثمر هنا النتائج الفلسفية لثورة مايو 1968 في بلاده فرنسا. ومع أن هذه “الثورة” لم تكن لها نتائج سياسية حقيقية، فإنها أثرت بقوة في الخطاب الفلسفي، متجاوبة مع حركية واسعة في الفكر الغربي الذي بدأ يتحرر منذ الخمسينيات من قبضة النسقية الهيغلية، التي تمثل التعبير المكتمل عن مشروع الحداثة بحسب تأليفية الدولة الشمولية، والعقل الكلي، والتاريخ المطلق.
لقد بادر هايدغر إلى تقويض ما سماه “ميتافيزيقا العصور الحديثة”، وهو يعني العلوم التجريبية الصادرة عن الرؤية التقنية للطبيعة. في حين انتقد ميشال فوكو النزعة التاريخية الغائية والذاتية وما لها من آثار على النزعة الإنسانية، معلنًا “موت الإنسان” في فكر ما بعد الوعي. وعمل جاك دريدا على هدم المركزية النطقية وما تقوم عليه من وحدة وتجانس المعنى.
هذه النتائج الفلسفية هي ما عبّر عنه ليوتار بالحالة ما بعد الحديثة، ولم يكن يدرك حجم الثورة المعلوماتية التي أفضت لاحقًا إلى العصر الرقمي الراهن، الذي قلب نوعيًا نظام المعرفة والحقيقة.
ما كان يهم ليوتار هو خروج الفكر الأوروبي من يقينيات الحداثة، في طموحها العلمي للسيطرة على الطبيعة عبر العلم التجريبي القادر على استكشاف الظواهر الضابطة لسيرها، ونزوعها التنويري لتحرير الإنسان من التعصب والكراهية والاستبداد، وتأهيله لصناعة تاريخه وتحكيم إرادته المستقلة.
هل تعني ما بعد الحداثة نهاية أفكار وقيم الحداثة؟
سؤال شغل الفلاسفة والمفكرين الغربيين في السنوات الأخيرة، وقد تأرجحوا بين مدافع عن مشروع حداثي مفتوح لم يكتمل، وإن كان يتوجب عليه تجديد آلياته النظرية والعملية (هابرماس)، ومن يرى أن نهاية الحداثة هي انفتاح أفق جديد من سماته الإيجابية الانفتاح والإبداع والتنوع (سلافوي جيجك).
في عالمنا العربي، تمحورت مقولة ما بعد الحداثة في الخطاب النقدي والأدبي، وعنت أساسًا الثورة على التقاليد الكتابية والأنماط التقليدية في الإبداع، كما نلمس ذلك في أعمال جيل جديد من النقاد العرب، مثل عبد السلام المسدي، وعبد الله الغذامي، وصلاح فضل.
صحيح أن لهذا الجدل النقدي الأدبي أبعاده الفكرية الأوسع، كما يظهر في تحول عدد من هؤلاء الكتّاب إلى نمط “النقد الثقافي”، لكن الرهانات الفلسفية في الإشكالية العربية لما بعد الحداثة ظلت محدودة وهامشية.
وقد تساءل الفيلسوف التونسي محمد محجوب عن مدى مشروعية استخدام القوالب النظرية لما بعد الحداثة في مجتمعات لا تزال تبحث عن مسالك ناجعة للتحديث، في الوقت الذي تدرك فيه الآفاق المسدودة لمشروع التحديث في مهده الأوروبي الأصلي. إن هذا الإشكال هو، دون شك، عمق السؤال الحداثي العربي الراهن، في طموحه إلى التغيير الجوهري لشروط الوجود الفردي والاجتماعي، ووعيه بالمأزق المتولد عن أزمات الحداثة العالمية.