الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

كارل شميت ونظرية الحداثة، بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

كنا من قبل قد تعرضنا لنظرية عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حول الحداثة، التي هيمنت على الدراسات الاجتماعية والتاريخية. وقد اصطدمت هذه النظرية بأطروحة الفيلسوف والقانوني الألماني كارل شميت، التي لا يُعرف عنها الكثير عربيًا.
على عكس النموذج الذي قدّمه فيبر للحداثة بربطها بالعقلنة الشاملة، المفضية إلى القطيعة مع الشرعية اللاهوتية وبناء أسس النظام العام على أساس المحايثة، يرى شميت أن الحداثة نقلت المفاهيم اللاهوتية إلى الحقل السياسي من خلال نظرية السيادة، التي ليست في نهاية المطاف سوى نظرية لاهوتية ملتبسة.
في مقالة «اللاهوت السياسي» (1922)، كتب شميت: «كل المفاهيم التي تقوم عليها النظرية الحديثة للدولة هي مفاهيم لاهوتية مُعلمنة».
السيادة هي المقولة المركزية التي تقوم عليها الدولة الليبرالية الحديثة، وهي مقولة لها خلفيات لاهوتية صريحة، وإن كان أُريد بها تعويض السلطة الدينية. فلا معنى للسيادة إلا إذا كانت تحكمًا واستثناءً، لأن السلطة السيادية تقتضي القدرة على وضع القوانين واتخاذ الأوامر ابتداءً وبدون سقف مرجعي أصلي. ولذا، وعلى عكس ما تدّعيه النظرية القانونية الليبرالية، ليس الاستثناء حالة عرضية، بل هو الوضع التأسيسي الحقيقي للنظام. ومن ثم ندرك أن المؤسسة الشرعية هي المؤهلة لتعليق القوانين التي تضعها ابتداءً.
وهكذا ينتقد شميت فكرة الشرعية الإجرائية الصورية، التي تدّعي أنها مكتفية بنفسها ومؤسسة على معايير عقلية كونية. والحال أنها مجرد نظرية للنظام، تتفرع عنها قرارات وأوامر تمنح سلطة تكوينية ملتبسة.
النظرية الليبرالية تدّعي الحياد القانوني والإجرائي. لكن هذا الحياد يطمس واقع السلطة الأمرية القصوى، وما يترتب عليها من إقصاء وتمييز، وهو ما يشكّل جوهر السياسة في دلالتها الجذرية.
يرى شميت أن الليبرالية الحديثة عاجزة عن التفكير في السياسة، وتميل إلى تعويضها بالاقتصاد والقانون والبحث عن توافقات اجتماعية تُلغي الصراع والصدام والمواجهة. بينما السياسة، في مفهومها الأصلي، ممارسة استقطابية قائمة على التمييز بين الصديق والعدو.
في العصر الليبرالي، أخذت الحداثة شكلًا تقنيًا يوهم بأن الفعل السياسي غدا مجرد ممارسة تدبيرية وتسييرية. والحال أن هذا التصور يُلغي مبدأ المسؤولية السياسية، ويحوّل الدولة إلى جهاز هيمنة شاملة على الأفراد والمجتمعات، دون قاعدة مرجعية أخلاقية أو معيارية.
في هذا التصور، تصدر الليبرالية الحديثة عن مقاربة أنثروبولوجية تختزل الإنسان في بعد العقلانية الأداتية. وترى أنه كائن ذو إرادة مستقلة تحمله على التفاوض مع الآخرين لتقرير نظام اجتماعي يُلغي العنف ويضمن التعايش السلمي بين الأفراد والجماعات. والحال أن الصراع هو الوضع الطبيعي للبشرية ولا يمكن احتواؤه. ولذا فإن الفكر الليبرالي الحداثي طوباوي غير واقعي، يتأسس على مسلمات هشة وزائفة.
الدولة ليست، بالنسبة لشميت، مجرد حكم محايد بين أفراد متصارعين من حيث المصالح والإرادات. ولا هي مؤسسة تسييرية اقتصادية أو إدارية. بل هي وحدة جوهرية تعبّر عن الهوية الجماعية للأمة. والمفارقة الكبرى هنا هي أن الدولة الليبرالية الحديثة، وإن كانت تتبنى المنظور السلمي الداخلي، فإنها تؤدي إلى إلغاء إنسانية الآخر، أي الخصم، الذي يغدو في نظرها خارج القانون، لا حق له ولا كرامة، ما دام لا ينتمي إلى منظومة السيادة الداخلية ونظامها القانوني الإدماجي. كما أنها، وإن ادّعت الدفاع عن الحرية والديمقراطية، فهي في الحقيقة دولة استبداد خفي، تكرّس أخطر أنواع الهيمنة باسم الشرعية الانتخابية وسلطة الأغلبية العددية.
لا يختلف شميت مع فيبر في تشخيصه للحداثة الليبرالية، ولا في استنتاجاته حول أزمة المرجعية القيمية الموحّدة في الدولة المعاصرة. لكنه يرى أن هذه التحولات لا تعكس تقدمًا في المسار الأخلاقي والقانوني للبشرية (الانتقال إلى العقلانية والحرية والديمقراطية، في مقابل الظلامية والاستبداد والتحكم الفردي). ما جرى مع الحداثة الليبرالية هو أن مفهوم السياسة نفسه اختفى، وتم تعويضه بالتصورات القانونية والاقتصادية، التي لا ترى في الدولة سوى جهاز تقني تسييري يحقق التوافقات المصلحية الضرورية بين أفراد أحرار في مجتمع تعددي.
غنيٌّ عن البيان أن أطروحة ماكس فيبر هي التي سادت في الأدبيات الحداثية، لكونها تعبّر عن منطق الفكر الليبرالي الديمقراطي. بينما طُمست فلسفة كارل شميت لعقود طويلة، ونُعت صاحبها بالميول إلى النازية والديكتاتورية.
في السنوات الأخيرة، بدأ الاهتمام بفكر كارل شميت من منظور نقدي للحداثة الليبرالية، كما نلمس ذلك في اتجاهات متباينة. نشير من بينها إلى كتابات الفيلسوفة البلجيكية اليسارية شانتال موف وزوجها الراحل إرنستو لاكلو.
ما يؤكد عليه الفيلسوفان اليساريان هو رأي شميت حول وهم التوافق والإجماع في النظام الليبرالي الحديث، انطلاقًا من أن الصدام والصراع هما جوهر الفعل السياسي والمضمون الحقيقي للممارسة الديمقراطية.
إلا أن المؤلفين يرفضان التمييز الجوهري بين الصديق والعدو لدى شميت. ويعتبران أن ميزة النظام الديمقراطي الحقيقي هي الاعتراف بالطابع الصدامي الذي تقتضيه التعددية الفكرية والاجتماعية، والتي لا بد من استيعابها في صلب الحقل السياسي، بدل البحث عن توافقات صورية زائفة تُلغي الحرية الفعلية.
الحل ليس الدولة القوية المهيمنة، ولا السلطة الأمرية المطلقة. وإنما مأسسة الصراع السياسي ومنحه حق الخروج إلى العلن، والاكتفاء بالتوافق على آليات محدودة لتنظيم التعددية القائمة تنظيمًا سلميًا.
لم يعرف الفكر العربي كارل شميت إلا في حدود دنيا. وقد وُظّف أساسًا ضد نظرية العلمنة الفيبرية. واعتبره دعاة الديمقراطية والتنوير خطرًا على المطالب الليبرالية المطروحة في السياق العربي. بيد أن أطروحة شميت تبدو لنا هامة وراهنة للتفكير عربيًا في متطلبات إدارة التعددية والتنوع في المجتمع العربي. وما يتعين التنبيه إليه هو أن مطلب التوافق والإجماع يجب ألا يطمس حقيقة الاختلاف، من حيث هو وضع قائم لا بد من الاعتراف به ومنحه الشرعية السياسية المناسبة. وذلك هو الجانب الأساسي في أطروحة كارل شميت.