الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

ميشال فوكو وحفريات الحداثة
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

“حفريات المعرفة” عنوان كتاب مشهور للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، وهو مفهوم يستخدمه في منهجه الخاص في تاريخ الفكر. تعني هذه العبارة البحث في سياقات التفكير وإمكانات النظر والخطاب وأنماط تشكل العلوم والمعارف، بضبط شروط انبثاق الإشكاليات والقضايا في بنياتها وأنساقها المطمورة.

ومن هنا التعريف الخاص الذي يقدمه فوكو للخطاب، فيما وراء التحديدات اللسانية السائدة، بصفته مجموعة من القواعد والأفكار والملفوظات تنظم طريقة التعبير والتفكير في سياق معين. فهو إذن ليس ظاهرة قولية، ولا حالة ثقافية اجتماعية، بل هو نظام ينتج مفاهيم وأفكاراً لها دلالاتها ووظيفتها في إطارها التاريخي الخاص، الذي يختلف نوعياً عن النسق التاريخي الاجتماعي العام.

ومن هنا بلور فوكو في كتابه الرئيس “الكلمات والأشياء” مقولة “الأبستمية”، أو النظام المعرفي، الذي يعني بالنسبة له بنيات وشروط تشكل المعارف في حقبة معينة من تاريخ الأفكار.

من هذه المنطلقات المنهجية، عالج ميشال فوكو الحداثة وفق ثلاث اتجاهات كبرى، هي: النظام المعرفي للعصور الحديثة، وظاهرة السلطة الحيوية في جوانبها السياسية والقانونية، وتقنيات الذات المعاصرة.

بخصوص النظام المعرفي للحداثة، يتعين التذكير بأن فوكو يعتبر أن الثقافة الغربية انتقلت في العصر الكلاسيكي (القرن السابع عشر والثامن عشر) من محورية التشابه والتماثل (ما بين الطبيعة والإنسان والوجود واللغة) إلى محورية النظام، بحيث غدت المعرفة تتشكل بحسب منطق التصنيف والسبر والتقسيم، وأصبح التفكير نمطاً من التمثل الذي يعني استحضار الوجود في الوعي المفكر.

تلك المحددات واضحة في منهج ديكارت الذي يطلق عليه مقولة “الرياضيات الشاملة”، لكنها حاضرة أيضاً في خارطة العلوم التي انبثقت في العصور الحديثة، مثل “التاريخ الطبيعي” الذي يُعنى بتصنيف النباتات والحيوانات، و”النحو العام” الذي يضبط النظام العقلي للغات، و”تحليل الثروة” الذي يدرس بطريقة التصنيف الظواهر الاقتصادية. ليست هذه العلوم أصولاً للبيولوجيا واللسانيات والعلوم الاقتصادية المعاصرة، بل تعبر عن السياق النظري والمنهجي الذي تشكلت فيه في بداية العصور الحديثة.

لا يقدم فوكو تقويماً نقدياً للحداثة العلمية والفلسفية، على غرار هايدغر الذي يوافقه في جل أفكاره حول الذاتية والوعي والنزعة الإنسانية، فما يهمه هو مسلك المؤرخ في تتبع مسار تشكل المفاهيم في سياقاتها النظرية.

كما أنه لا يهتم بتفسير ظروف الانتقال من نظام معرفي إلى نظام معرفي آخر، بل إنه يرى أن هذا التفسير لا معنى له، باعتبار أن عملية التحول في تاريخ المفاهيم تتم من خلال الانفصالات والقطائع.

ففوكو يرى أن أنساق الفكر تتغير دون سبب أو خلفيات، ومن ثم يرفض المقاربة التطورية الخطية الموروثة عن الفلسفة الهيغلية، ويتبنى أطروحة القطائع الإبستمولوجية التي بلورها غاستون باشلار في تاريخ العلوم.

أما مفهوم “السلطة الحيوية” (biopouvoir)، فيرجع إلى نظرية فوكو الأساسية في الربط العضوي بين المعرفة والسلطة، واعتبار إرادة الحقيقة من منظومات التحكم والرقابة، كما أن العلوم الإنسانية ليست محايدة، بل تؤدي دوراً أساسياً في استراتيجية ترويض الأجسام والسيطرة عليها.

يرفض فوكو التصور القمعي المحض للسلطة، مبيناً أنها لا تقوم على مجرد التحريم والمنع، بل تنتج أيضاً المعارف وتنشئ مؤسسات للرعاية والعلاج والعناية، وتؤجج الرغبات واللذات، وتلك هي إحدى الميزات الكبرى للعصور الحديثة.

منذ كتابيه “المراقبة والعقاب” و”إرادة المعرفة”، وجه فوكو نظره إلى أنظمة السلطة الرقابية الضبطية غير القمعية، بما تطلب منه بلورة مفهوم “السلطة الحيوية” المتعلق بتنظيم حياة الناس والتحكم في أنماط وعيهم وتوجيه خياراتهم المعيشية. وهكذا أصبحت الحياة البيولوجية لأول مرة في التاريخ موضوعاً سياسياً، وتشكلت مؤسسات من قبيل المدارس والمصانع والمستشفيات والسجون، الغرض منها إنتاج أجساد منضبطة ومنتجة ومفيدة.

كما أن الدولة الحديثة طورت آليات ناجعة لإدارة وتسيير رعاياها وفق منظور السكان، الذين هم موضوع سياسات عمومية تهدف إلى إحصائهم ورقابة رهاناتهم الديموغرافية والصحية والعمرانية، بما ينتج عنه نمط من السلطة الرخوة غير المرئية التي لا تحتاج إلى الإكراه والعنف القسري. ولقد طور الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن هذا المفهوم في كتاباته الأخيرة، ومنحه الرصانة الفلسفية الكاملة من منظور المقارنة بين مفهوم الحياة المدنية المنظمة، التي كانت موضوع السياسة في العصر اليوناني الروماني، والحياة العارية التي هي اليوم مدار التحكم القانوني والضبط المؤسسي.

أما مسار الذات، فهو موضوع أعمال ميشال فوكو الأخيرة التي خصصها للانتقال مما سماه “الاهتمام بالذات” في العصر اليوناني القديم إلى تقنيات الذات الحديثة.

في العصر اليوناني الروماني يصدر الاهتمام بالذات عن فكرة معرفة النفس والتحكم فيها وترويضها أخلاقياً من خلال التفكير الاستبطاني وضبط الرغبات والتدرج في الحكمة، لكي يكون الفرد حراً ومسؤولاً وقادراً على إدارة شؤون الغير.

في العصور الحديثة، تلاشى الاهتمام بالذات، وأصبح الهدف البديل عنه هو المعرفة العلمية الموضوعية بالذات، أي إدراك الحقيقة القصوى لا الحكمة العملية. المفارقة هنا هي أن هذا التوجه الذي كان غرضه تحرير الذات وتأكيد إرادتها تحول إلى نوع من الرقابة والضبط تؤدي فيه العلوم دوراً محورياً.

لقد تحول الفرد إلى موضوع للتحليل العلمي؛ يتناول علم النفس سلوكه، ويسعى الطب النفسي إلى إرجاعه للوضع السوي “الطبيعي”، ويبحث علم الإجرام في تجاوزاته القانونية، ويدرس الطب جسمه. إن هذه العلوم بالنسبة لفوكو ليست محايدة معرفياً، بل لها غايات رقابية وضبطية تصنع هوية الإنسان من خلال الخطاب والممارسة الإجرائية.

في أحد نصوص فوكو الهامة حول السلطة الرعوية في الدولة الحديثة يبين أن هذا النوع من السلطة، الذي ابتكرته المسيحية لقيادة أتباعها وإدارة خلاصهم الفردي وفرضت عليهم، من هذا المنظور، الطاعة والاعتراف، انتقل إلى الدولة الحديثة التي تبني تحكمها في مواطنيها على منطق إدارة الوعي الفردي وضبط الذات في رغباتها ومصالحها، بما يعني أن الدولة الحديثة لا تكتفي بالتحكم في الجسم الاجتماعي، موضوع السيادة والشرعية، بل تنزع أيضاً إلى ترويض الأفراد والسيطرة عليهم في خصوصياتهم الذاتية.