الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

هايدغر ومأزق الحداثة
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

مارتن هايدغر، دون شك، أحد أهم فلاسفة الغرب المعاصرين. وقد تناول موضوع الحداثة في جلّ أعماله من منظور ثلاثي يتمثل في: بروز أفق الذاتية، وهو المسار الذي طبع فلسفات الحداثة من ديكارت إلى هيغل؛ والظاهرة التقنية التي اعتبرها تحقق الميتافيزيقا في دلالتها الحديثة؛ ثم نسيان الوجود، الذي يشكّل السمة الغالبة على الفلسفة الغربية في العصور الحديثة.

في ما يتعلق بالذاتية، يمكن القول إن هايدغر خصّص جانبًا أساسيًا من كتاباته لتتبّع مسار تشكّل هذا النموذج، الذي يرجع إلى ما سمّاه «المنعرج الديكارتي». فمع ديكارت أصبحت الذات المرجع المؤسِّس للمعرفة؛ إذ تتميز بكونها ذاتًا مفكّرة تسعى إلى الحقيقة في صورة يقين لا يعتريه الشك، ناتج عن أفكار واضحة ومتميزة قائمة على الوعي، الذي يشكّل السبيل إلى بلوغ الأشياء الخارجية. وهكذا نتج عن هذا التصور تأكيد التمايز بين الذات والموضوع، أو بين الإنسان والعالم، أو الفكر والوجود؛ ومن ثم غدا الواقع ما يقبل الصياغة الموضوعية أو القياس التحديدي، وأصبحت الحقيقة مجرد فكرة صحيحة من أفكار الذات.

ولا تختلف الأمور كثيرًا مع كانط في تصوره للذات الترنسندنتالية المرتبطة بإمكان التجربة الموضوعية من خلال ترتيب وتنظيم حدوس الحساسية؛ فهذه الذات تمثل البنية القبلية للمعرفة الممكنة، عبر تطبيق مقولات الفهم على المعطيات الحسية.

كما يندرج مفهوم «الأنا المطلق» لدى فيشته في السياق ذاته، من حيث إرجاعه كل الوقائع والمعارف إلى الأنا، رافضًا استقلال الأشياء عن الذات التي تمثل نشاطًا أصليًا يتحكم في نفسه كليًا، ويمارس فعله من خلال وعي لا متناهٍ.

ولا يختلف تصور هيغل للذات المطلقة عن هذا الاتجاه؛ إذ يرى أن المطلق ليس جوهرًا ثابتًا، بل هو ذات وروح تتموضع في الواقع، أي سيرورة الفكر في اكتمال وعيه بذاته. وهكذا يغدو الوجود مجرد لحظة من لحظات المعرفة، ويصبح التاريخ مسار تحقق المعرفة المطلقة.

والمثير في مقاربة هايدغر أنه لا يعتبر نيتشه فيلسوفًا مفككًا للذاتية، بل يرى أنه عمّق جذورها عبر تحويلها إلى إرادة قوة. فكل ما فعله نيتشه، بحسب هايدغر، هو استبدال الذات بإرادة القوة التي أصبحت المبدأ الأساسي للوجود، محافظًا بذلك على الإرادة بوصفها مقوّم الذاتية، وهو ما يندرج، وإن بطرق ملتوية، ضمن الامتداد الديكارتي.

أما بخصوص التقنية، فيشير هايدغر في نصه الشهير «سؤال التقنية» (1953) إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا، بل هو نمط في تصور الوجود وضبطه. فهو يرفض بشدة التصور الأداتي للتقنية، أي فهمها بوصفها مجرد أدوات يستخدمها الإنسان لتحقيق أهدافه. فالتقنية الحديثة لا تهدف فقط إلى الإنتاج أو إلى استخراج قوانين تجريبية من الطبيعة، بل تمارس إخضاعًا إجرائيًا عنيفًا للطبيعة، وتختزلها في مخزون طاقي قابل للاستغلال، بحيث يتحول الموجود كله إلى موارد ورأسمال، بما في ذلك الكائن الإنساني نفسه، المعرض لمنطق السيطرة والمنفعة.

ويبيّن هايدغر أن هذا التصور التقني يمثل امتدادًا طبيعيًا لميتافيزيقا الذاتية التي حوّلت العالم إلى موضوع للتمثل، والوجود إلى مجال للقياس والترويض، والإنسان إلى مركز للتحكم في الآلة الطبيعية.

وتتمثل النتيجة الكبرى لهذا المسار في العدمية الحديثة، التي تعني لدى هايدغر تحلل القيم العليا والأسس المتعالية، واختزال الوجود إلى موضوع قابل للاستخدام. وليس نيتشه، في نظره، أول من نقد الظاهرة العدمية، بل إن هذه الظاهرة بلغت اكتمالها في فلسفته حين تصور الوجود بوصفه إرادة قوة والحقيقة باعتبارها قيمة، ولذلك صحّ وصفه بفيلسوف التقنية الأول.

ومع أن هايدغر يرجع نسيان الوجود إلى فجر الفلسفة اليونانية، حين تصوره أفلاطون مثالًا وأرسطو جوهرًا، فإنه يرى أن هذه الظاهرة بلغت ذروتها في الحداثة من خلال المقاربة الذاتية ذات النزعة الإنسانية الموضوعية، التي نظرت إلى الوجود بوصفه موضوعًا، والحقيقة يقينًا، والعالم تمثلًا.

ولا يعدّ هايدغر هذا النسيان خطأً فرديًا، بل «مصيرًا تاريخيًا»، لأن من طبيعة الوجود الانسحاب والظهور في آن واحد. غير أن الخطأ الأكبر للحداثة يتمثل في توهّم السيطرة على الوجود ومعرفة حقيقته الموضوعية عبر وعي الإنسان الحر، وهو ما يسميه النسيان المضاعف للوجود.

وقد كُتب الكثير حول نقد هايدغر للحداثة؛ فذهب بعض قرّائه إلى أنه يقدم قراءة محافظة لمسار التحديث، ترفض مكاسب الرفاه والتحرر المادي والتقني التي حققتها الإنسانية المعاصرة، بينما رأى آخرون أن مقاربته تفضي إلى العدمية، لأنها لا تقترح أكثر من انتظار «مقدّس» لنداء الوجود المنسحب.

غير أن فلسفة هايدغر أعمق من هذه القراءة التبسيطية؛ إذ يشخّص بدقة وضع الإنسان الحديث في علاقته بالطبيعة، وفي مقاربته الإجرائية النفعية للوجود، باعتبارها المرحلة المكتملة من الميتافيزيقا العدمية.

وفي رسالته حول التقنية يستشهد بقول الشاعر هولدرلين: «حيث يتفاقم الخطر، ينمو أيضًا ما ينقذ». وصحيح أن هايدغر لا يقدم أيديولوجيا للتغيير ولا مشروعًا ثوريًا انقلابيًا، لكنه يستكشف آفاق التحول، ويحوّل الانتظار والوعد إلى نمط من الالتزام الحي الفاعل.

وفي السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بفلسفة هايدغر في الكتابات العربية، بعد انقطاع طويل منذ جيل عبد الرحمن بدوي وعبد الغفار مكاوي، وقد تركز هذا الاهتمام أساسًا على فلسفته الأنطولوجية ونظريته في الوجود والزمان. ومع ذلك، ظلت مقاربته للحداثة غائبة نسبيًا في الكتابات العربية الراهنة، رغم الحضور الواسع لهذا النقاش في الفكر الغربي المعاصر، كما يتجلى في عمل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الخطاب الفلسفي للحداثة.

وقد خلص هابرماس، في تناوله لهايدغر، إلى أن مشروع الحداثة لم يكتمل بعد، ولا يزال يمثل أفقًا مفتوحًا للإنسانية الحديثة، حتى وإن كان استئناف هذا المشروع غير ممكن من دون استيعاب العمق النقدي للموقف الهايدغري.