فينسنت ميتزغر – متدرب في مركز النهضة الاستراتيجي
منذ مطلع أيلول/سبتمبر 2026، امتدت المواجهات في اليمن إلى مواقع استراتيجية، من بينها جزيرة ميون ومدينة المخا الساحلية، ما زاد الضغوط المحيطة بمضيق باب المندب، أحد أهم ممرات الملاحة الدولية. وأدت موجة التصعيد إلى نزوح أكثر من 120 ألف يمني، توجّه كثير منهم إلى تعز ولحج. وعلى امتداد أكثر من عقد من النزاع، نزح داخليًا نحو 4.5 ملايين شخص، بعضهم أكثر من مرة، أي ما يعادل قرابة 14% من السكان.
ولا تقتصر تداعيات النزاع على المجتمعات اليمنية، بل تمتد إلى اللاجئين المقيمين في البلاد، كما تهدد حركة التجارة وإيصال المساعدات عبر باب المندب. ويُقدَّر أن نحو نصف سكان اليمن، أي قرابة 41 مليون شخص، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
اليمن على حافة أزمة أعمق
حتى قبل موجة التصعيد الأخيرة، كانت قدرة اليمن محدودة على الاستجابة لأزمة كبرى جديدة. فبعد أكثر من عقد من الصراع، يعاني الاقتصاد من الضعف، وتتسع رقعة الفقر، فيما يرزح النظام الصحي تحت ضغوط حادة. ويعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، في حين لا يعمل بكامل طاقته سوى نحو نصف المرافق الصحية.
كما أسهم الانقسام بين فرعي البنك المركزي في صنعاء وعدن في نشوء أسعار صرف مختلفة وتعقيد النشاط الاقتصادي. وبحسب الباحث والناشط اليمني أسامة الفقيه، قد تخضع السلع المتجهة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، عبر ميناء عدن، لرسوم إضافية؛ إذ تُفرض عليها التزامات مالية من الحكومة ثم من سلطات الحوثيين، ما يرفع تكاليف التجارة ويحد من جاذبية الاستثمار.
وزاد النزوح من الضغوط على المجتمعات المحلية. فاليمن يفتقر إلى مخيمات منظمة وكبيرة تستوعب أعداد الفارين من القتال، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى الإقامة لدى أقاربها أو الاندماج في المجتمعات المضيفة. ورغم أن ذلك يوفر مأوى مؤقتًا، فإن النزوح المتكرر يعني فقدان المنازل ومصادر الرزق والشبكات الاجتماعية. كما تصل الأسر النازحة إلى عدن والحديدة وأبين وتعز في وقت تعاني فيه الخدمات الإنسانية أصلًا من ضغوط كبيرة.
أما سبل الخروج من اليمن فتبقى محدودة. فقد عبر نحو ثلاثة آلاف شخص مضيق باب المندب إلى جيبوتي، وهي من المسارات القليلة المتاحة لمغادرة البلاد. ويستوعب مخيم مركزي في جيبوتي حاليًا نحو خمسة آلاف لاجئ، فيما يُتوقع وصول أكثر من عشرة آلاف شخص إضافي، وفقًا لليونيسف التي تتابع أيضًا احتمالات تحرك النازحين باتجاه الصومال.
وبينما يستطيع بعض من يملكون الموارد أو العلاقات مغادرة البلاد جوًا إلى عمّان أو القاهرة، لا يجد كثيرون بديلًا عن النزوح المتكرر داخل اليمن. وينطبق ذلك أيضًا على نحو 65 ألف لاجئ مسجل في اليمن، غالبيتهم من الصومال وإثيوبيا. وقد عاد بعضهم إلى بلدانهم، فيما بقي كثيرون في اليمن. وعلى الرغم من أن القانون اليمني يضمن لهم رسميًا الحماية من التمييز، فإنهم، بحسب أسامة الفقيه، يواجهون عمليًا كثيرًا من الانتهاكات نفسها التي يتعرض لها النازحون اليمنيون.
باب المندب والتجارة العالمية
تتزامن الأزمة الإنسانية مع تطورات متسارعة حول مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. ويُقدَّر أن 12–15% من التجارة العالمية تمر عبر المسار الأوسع للبحر الأحمر، ما يجعل المضيق شريانًا مهمًا للملاحة الدولية واقتصادات المنطقة.
ومع استمرار الحرب، ازدادت الأهمية الاستراتيجية للمضيق في ظل تحويل جزء من صادرات النفط السعودية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي، عبر خط أنابيب «بترولاين» الممتد من شرق المملكة، والذي تعرض بدوره لهجمات عسكرية. ومن أصل نحو 4.5 ملايين برميل نفط تُصدَّر عبر ينبع، كان نحو ثلاثة ملايين برميل تمر عبر باب المندب.
وقد دفعت التطورات الأخيرة إلى زيادة الاهتمام بالمضيق والساحل المحيط به. فأي اضطرابات أو مخاطر أمنية قد تدفع السفن إلى تجنب باب المندب والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، بما يطيل مدة الرحلات ويرفع تكاليفها ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
ولا تنحصر آثار هذه الاضطرابات في التجارة، بل تمتد إلى العمليات الإنسانية. فالمنظمات الإغاثية تعتمد على استمرارية طرق النقل لإيصال الغذاء والأدوية وغيرها من المساعدات، وأي ارتفاع في التكاليف أو تأخير في الشحن أو تزايد للمخاطر الأمنية يزيد من صعوبة عملها.
العمل الإنساني تحت الضغط
تواجه المنظمات الإنسانية تحديات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين. وقد أشار لوران بوكيرا، المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، إلى أن انعدام الأمن، وقيود الحركة، ومشكلات الاتصالات تعرقل الوصول إلى مناطق الساحل الغربي، إلى جانب المخاوف المتعلقة بسلامة العاملين في المجال الإنساني والمستودعات.
ويظل نقص التمويل تحديًا أساسيًا. فخطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، البالغة قيمتها 2.16 مليار دولار أمريكي، لم تتلقَّ، حتى وقت إعداد هذا التقرير، سوى نحو 18% من التمويل المطلوب.
لكن توفر التمويل والإمدادات لا يضمن بالضرورة وصول المساعدات. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، يتعرض عاملون في المجال الإنساني للاحتجاز منذ عام 2014، وهي ممارسات أصبحت، بحسب أسامة الفقيه، من أبرز القيود المفروضة على العمل الإنساني.
وبحلول أيلول/سبتمبر 2026، كان قد تم احتجاز 73 موظفًا تابعًا لمنظمات مختلفة في الأمم المتحدة منذ عام 2021. وقد أكدت الأمم المتحدة أن هذه الاحتجازات حدّت بصورة كبيرة من قدرتها على تقديم المساعدات في أنحاء اليمن.
وفي عام 2025، علقت الأمم المتحدة التنقلات الرسمية إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وداخلها بعد احتجاز مزيد من موظفي الإغاثة، بسبب مخاوف تتعلق بسلامة العاملين، ما زاد صعوبة الوصول إلى بعض المناطق الأشد احتياجًا.
وعليه، لا ترتبط الأزمة الإنسانية بحجم التمويل والإمدادات وحدهما، بل كذلك بقدرة العاملين في المجال الإنساني على الوصول الآمن إلى المجتمعات المتضررة. وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الإفراج الآمن عن الموظفين المحتجزين، محذرًا من أن هذه الاحتجازات تقيد قدرة الأمم المتحدة وشركائها على تقديم المساعدة.
تكشف أزمة اليمن مدى الترابط بين الاحتياجات الإنسانية وحركة النقل والتجارة والأمن الإقليمي. فما يجري حول باب المندب تتجاوز آثاره حدود اليمن، إلا أن الأسر النازحة والمجتمعات المحلية تبقى أول من يتحمل كلفة التصعيد.
فالصراع على السيطرة على أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة العالمية لم يعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب. ومع استمرار القيود على وصول العاملين في المجال الإنساني واتساع فجوات التمويل، ستظل الأسر النازحة في مواجهة التداعيات الأكثر إلحاحًا. ومن ثم، فإن ضمان الوصول الإنساني الآمن، وحماية العاملين في الإغاثة، وتقليص فجوة التمويل، إلى جانب استمرار الاهتمام الدولي بالأزمة، تمثل عناصر أساسية لمنع مزيد من التدهور ودعم السكان المتضررين من النزاع.




