الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

الحداثة واللاهوت: الإشكالات الفلسفية
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

هانس بلومبرغ فيلسوف ألماني بارز (توفى 1996)، عُرف بكتابه الشهير “الشرعية في العصر الحديث” الصادر عام 1966. الكتاب في أصله ردٌّ على أطروحة كارل شميت حول العلمنة، ومحاولة بناء نظرية مغايرة حول علاقة الدين بالسياسة في العصور الحديثة. وِفق نظرية شميت، التي لها أصداء واسعة في الدراسات الفلسفية والاجتماعية، ليست التصورات المعاصرة للفعل السياسي وشرعية السلطة سوى صياغات راهنة للمدونة اللاهوتية الوسيطة، وليست مقولة التقدم سوى امتداد لعقيدة الرجاء المسيحية في نزوعها الانتظاري المقدس.
ما وقع، حسب هذه الرؤية، هو تحويل صفة السيادة الإلهية المطلقة إلى الدولة، وتحويل عقيدة القدر إلى فكرة التقدم التاريخي، والحساب الأخروي إلى نهاية التاريخ.
هذه الأطروحة التي بدأت مع كارل شميت بلغت مداها في كتاب فيلسوف ألماني آخر هو كارل لويث، “معنى التاريخ” الصادر عام 1949. في هذا الكتاب يذهب لويث إلى القول إن فلسفة التاريخ الحديثة ليست سوى علمنة للعقيدة الإسكاتولوجية (الأخروية) المسيحية. في الفكر اليوناني كان الزمن دائريًّا، والتاريخ ليس له غاية كونية، فأصبح التاريخ في المسيحية خطيًّا له بداية ونهاية واتجاه أحادي، ولم تتغير الصورة مع النزعة العلمانية الحديثة التي حافظت على جوهر الموقف اللاهوتي. إلا أن لويث يرى أن ديناميكية الحداثة تعاني من تناقض خطير بين مرجعيتها اللاهوتية العميقة وأساسها المتعالي، ومن هنا هشاشة فلسفات التقدم التي تقود حتمًا إلى الطوبائيات العدمية المدمرة والأنظمة الاستبدادية القمعية.
بالنسبة لبلومبرغ لا يمكن تبني أطروحة كارل شميت ولويث في القول باستمرار النسق اللاهوتي في المفاهيم السياسية والقانونية الحديثة؛ ذلك أن الحداثة كرست قطيعة كاملة مع اللاهوت الوسيط من خلال نزعتها الذاتية الإنسانية. ومن ثم يمكن اعتبارها تحولًا نوعيًّا في مسار الفكر الإنساني في مواجهة الإشكالات والمتاهات التي تركها التراث اللاهوتي في عقيدته للخلاص ونزعته الجبرية التي لا مكان فيها لحرية الإنسان. صحيح أن الوظائف الاجتماعية للدين لم تتبدل، مثل الحاجة إلى النظام وإلى المعنى وتفسير العالم، لكن المضامين العقدية والنظرية تغيرت جوهريًّا مع العصور الحديثة.
في هذه العصور انبثقت نزعة الوعي الذاتي، وتشكل العلم الحديث في عقلانيته التجريبية الوضعية، ومن ثم نستنتج أن الحداثة ليست بحاجة إلى شرعية الموروث الديني، بل لها منطقها الخاص وانسجامها التاريخي المتميز.
في النسق الحديث تكون الطبيعة قائمة على الانتظام العقلي، وتغدو الحقيقة نتاجًا منهجيًّا، والرياضيات تصبح نمطًا من الرياضيات التجريبية، بما يعني تشكل علاقة جديدة بالواقع وتبدلًا في المنظومة الأنتروبولوجية الإنسانية.
من الواضح أن أطروحة بلومبرغ تلتقي مع كبير الفلاسفة الألمان مارتن هايدغر في توصيف العصور الحديثة من حيث سماتها الكبرى، مثل الذاتية والهيمنة التقنية وتحول النظر إلى الوجود بصفته موضوعًا إجرائيًّا، لكنها تختلف مع رأي هايدغر في التقنية من حيث هي ميتافيزيقا الزمن الحديث. بالنسبة لبلومبرغ ليس العلم الحديث مظهرًا لما سماه هايدغر “نسيان الوجود”، بل هو حلٌّ أنتروبولوجي لانعدام الأمن الذي طبع السياق التقليدي الوسيط. في العصور الحديثة أصبحت الذاتية ضرورة تاريخية بعد أن فقد العالم استقراره الميتافيزيقي، وغدا الإنسان متحكمًا في مصيره ومسؤولًا عن خياراته المجتمعية. ولذا لا يمكن النظر إلى هذه الذاتية بصفتها غرورًا أو وهمًا نفسيًّا، بل هي التأكيد الحي لفاعلية الإنسان وحريته الحقيقية الملموسة.
كما أن التقنية ليست، كما يرى هايدغر، تجسيدًا للهيمنة الأنطولوجية من حيث العلاقة الأداتية بالعالم، وإنما هي استراتيجية ناجحة للتأقلم مع منظومة طبيعية جديدة تضمن استقرار الحركية الفيزيائية التي تفتقد لمقومات الثبات والاستمرارية.
على عكس الفلاسفة المعاصرين الذين اعتمدوا موقفًا نقديًّا من الحداثة، ولجؤوا إلى التشبث بالمفاهيم التقليدية المتجاوزة في الحقبة الراهنة، يرى بلومبرغ أن القيم الحداثية الأساسية لا تزال صالحة للمرحلة الحاضرة، ويتعين الحفاظ عليها مستقبلًا، وهي قيم الاستقلالية والعقلانية والمسؤولية الإنسانية. بيد أنه يدرك الإشكالات الاستقطابية المعقدة التي تطرحها حركية الحداثة، ويدعو إلى الخروج من وهم الطوبائية التاريخانية التي هي مجرد غطاء إيديولوجي للاتجاهات السياسية القائمة.
ليست الحداثة حالة مثالية مكتملة، لكنها الجواب الضروري والفاعل أمام أزمات الإنسانية بعد انتقالها من البنيات اللاهوتية الكلاسيكية إلى الوضع العلمي والاجتماعي الراهن.
لم يعرف الفكر العربي الجدل الفلسفي الألماني في منتصف القرن الماضي حول موضوع الشرعية في العصور الحديثة، رغم أهميته الفائقة في تناول موضوع الدين والسلطة في العالم الراهن.
لقد سيطرت على الأطروحة العربية نظرية العلمانية الكلاسيكية، مختزلة في منطق الفصل بين الدين والسياسة، الذي يُفسَّر في اتجاهين أساسيين هما: تقويض سلطة المؤسسة الدينية في المجال العمومي، وبناء الدولة على أسس قانونية مدنية محضة.
لقد انجرف الحوار الفكري العربي في الموضوع إلى سؤال المرجعية الدينية في النظام الاجتماعي، باعتبار أن الفصل بين الدين والسياسة لا يختص بالمجال العمومي، بل يمتد إلى القيم الجماعية المشتركة والهوية المجتمعية الشاملة.
لقد اعتبر البعض هذا الفصل تحررًا من المرجعية الدينية نفسها، ورأى البعض الآخر أنه ضرورة موضوعية لتحديث المجتمعات العربية في ما وراء المسألة السياسية المجردة.
في هذا النقاش الأيديولوجي غابت الأسئلة الفلسفية المحورية المتعلقة بالذاتية والتصور الوضعي للطبيعة والمقاربة التاريخية، رغم كونها الإطار المفهومي العميق للمسألة الدينية السياسية في العصور الحديثة.
ليس المطروح هو مجرد ترتيب العلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية؛ فمن تحصيل الحاصل أن التجربة التاريخية للاجتماع العربي الإسلامي لم تعرف الاندماج بين المؤسستين، كما أن موضوع الشرعية الدينية ليس مطروحًا اليوم، إذ لا أحد يعترض على التأسيس الدستوري لدين الدولة (أي الإسلام كما هو النهج المتبع في عموم الدول الإسلامية). فالتحدي الحقيقي يتصل برؤية العالم ومنظومة القيم المدنية في علاقتها بالبنيات التراثية والتقليد الوسيط. ومن الجلي أن هذه الإشكالات المعقدة لم تُعالج بعد في الخطاب العربي الحالي.