عالجنا في المقال الماضي النزعة القومية في الفكر الهندي الحديث، وكان من الضروري استكمال هذا المبحث بالاتجاهات المعاصرة التي سلكت مسلك نقد المركزية الغربية، وطرحت بدائل منهجية ونظرية عن العلوم الإنسانية المطبقة في الغرب.
في هذا السياق، تتعين الإشارة إلى مدرسة “دراسات التابع” (Subaltern Studies) التي انطلقت من الهند، وارتبطت بوجوه ثلاثة كبرى هي: المؤرخ الشهير “رانجيت غوها”، عالم الأنثربولوجيا “بارثا تشاترجي”، والفيلسوفة والأديبة الناقدة “غاياتري شاكرافورتي سبيفاك”. ما يجمع رموز هذا التيار هو نقل الاهتمام في الدراسات الإنسانية من المركز إلى الأطراف، ومن النخب العليا إلى الطبقات المضطهدة والمجموعات المهمشة وتفكيك الرؤية الاستعمارية للمجتمعات الجنوبية. ولذا، عرف هذا التيار إشعاعًا واسعًا في البلدان الآسيوية، والأفريقية، واللاتينية الأمريكية، كما قام باختراق كبير في الجامعات الأمريكية.
لنبدأ بالمؤرخ “رانجيت غوها” (توفي سنة 2023) الذي هو رائد هذه المدرسة، وقد اشتهر بكتابه حول الثورات الفلاحية في الهند خلال الحقبة الاستعمارية الصادر في بداية الثمانينيات، وفيه يقدم رؤية جديدة لهذه الأحداث الكبرى في سياق الثقافة السياسية المحلية، بدلًا من النظر إليها بمنطق الاحتجاج الاجتماعي السائد في الدراسات الإنسانية الغربية.
في سنة 1982، أسس “غوها” سلسلة “دراسات التابع” في منشورات جامعة أكسفورد العريقة، وقد أرادها طريقة مبتكرة لكتابة التاريخ انطلاقًا من “الأسفل” بإسماع صوت الفاعلين المقصيين مثل الفلاحين، والطوائف المضطهدة، والنساء والعمال، أي كل “من هو خارج عن هيمنة النخب المسيطرة” حسب عبارته. ومن المعروف أن “غوها” قد استمد ثنائية النخب والتابع من الفيلسوف الماركسي الإيطالي “أنطونيو غرامشي”، وإن كان وظفها وفق دلالة جديدة هي نقد المركزية الغربية في العلوم الإنسانية.
أما “تشاترجي”، فقد ركز دراساته وأبحاثه على أوجه الارتباط بين النزعة الاستعمارية والحداثة، معتبرًا أن الفكرة القومية تحمل في عمقها آثار الرؤية التحديثية الغربية، وهي تعكس في ما وراء وهم استقلالية الوعي الذاتي المنطق الاستعماري في مقاربته للمجتمع. ومن ثم يخلص “تشاترجي” في كتابه “الفكر القومي والعالم الاستعماري” (صدر سنة 1986) إلى أن الأيديولوجيا القومية تعاني من تناقض حاد بين توجهها التحرري النقدي للهيمنة الغربية، وتبعيتها الفكرية والمنهجية للمفاهيم الغربية التي تحاول ملاءمتها مع السياق الوطني المحلي. في كتابه “الأمة وشظاياها” الصادر سنة 1993 يميز بين الدائرة المادية التي لا بد للمجتمعات المستعمرة من التطابق معها (وهي الدائرة التي تشمل الاقتصاد، والإدارة والعلم)، والدائرة الروحية أو الداخلية من ثقافة ودين وهوية أسرية حيث من حق الشعوب المستعمرة أن تبحث فيها عن الأصالة، والتميز والاستقلالية الحضارية. ومن هنا دفاعه عن ما سماه الحداثات البديلة التي تجمع بين المؤسسات الاقتصادية والتربوية والإدارية الموروثة عن الاستعمار الغربي، والعناصر الثقافية المحلية التي هي أساس الهوية الحضارية المستقلة والمتميزة.
ولقد أثرت دراسات “تشاترجي” كثيرًا في النظرية ما بعد الكولونيالية، خصوصًا في جانبها السياسي، وما يتعلق بالحالة الليبرالية من حيث الانزياح بين الممارسات السياسية الفعلية ومجال الشرعية السياسية المعيارية.
أما “سبيفاك”، فقد عُرفت بقوة في الحقل الأكاديمي الأمريكي، ونالت شهرة واسعة بترجمتها لكتاب “جاك دريدا” الأساسي “الغراماتولوجيا”، وقد اعتمدت مقولاته الأساسية في بلورتها لنظرية فلسفية متكاملة في تيار دراسات التابع.
في كتاباتها المختلفة، تركز “سبيفاك” على نقد المركزية الأوروبية، أي النظرة التي تذهب إلى أن الغرب هو مركز العالم، وموطن الحداثة الأوحد ونموذج العقلانية والتنمية، بما ينجر عنه النظرة التراتبية القدحية للمجتمعات البشرية، وتحويل المفاهيم المكرسة للهيمنة الغربية (مثل مفاهيم الأمة، والقومية، الفردية والديمقراطية، وغيرها) إلى أدوات نظرية محايدة علميًا، يقوم عليها إجماع الباحثين في العلوم الإنسانية.
في كتابها الشهير “هل يمكن للتابعين أن يتكلموا؟”، تطبق تفكيكية “دريدا” على الخطاب القومي والاستعماري في هفواته وهوامشه التي تلغي فئات كثيرة مهمشة من طبقات وفئات اجتماعية وجندرية (النساء).
ولقد طور المؤرخ الهندي “ديبش تشكرابارتي” هذه الأطروحة في كتابه الهام “تحجيم أوروبا في سياقها” الصادر سنة 2000، حيث يرفض بشدة احتكار أوروبا لقيم الكونية والإنسانية، مطالبًا بالنظر إلى التاريخ الأوروبي في خصوصيته المحلية ومحدداته الظرفية. ومن هنا ضرورة التخلي عن التصورات التاريخانية الغائية لمسار البشرية المفضي ضرورة إلى الواقع الأوروبي القائم بصفته نقطة اكتمال المثل الإنسانية. بدلًا من هذه المقاربة التاريخانية، يدعو تشكرابارتي إلى اعتماد مبدأ التاريخية التعددية المتناسبة مع حقيقة التنوع البشري ثقافيًا، واجتماعيًا ورمزيًا.
عرضنا بعض جوانب مدرسة التابع التي لم تدخل الحقل الفكري العربي إلا بصفة محدودة، وقد تقلص الاهتمام بها في بعض الجوانب المنهجية الضيقة مثل التركيز في الدراسات التاريخية والاجتماعية على صوت الفئات المسحوقة أو المجموعات المصنفة في أسفل النظام الاجتماعي. كما أن بعض الكتاب العرب اهتموا في السنوات الأخيرة بما بلورته هذه المدرسة من مقولات نقد الاستعمار والمركزية الغربية.
إلا أن هذا التأثير ما يزال ضعيفًا وهامشيًا، رغم الآفاق الرحبة التي تفتحها دراسات التابع في الأبحاث الإنسانية، وفي المراجعة الضرورية لتجربة الفكر القومي العربي في علاقته المزدوجة بالذات والهوية من جهة، وبالغرب المسيطر معرفيًا واستراتيجيًا من جهة أخرى.
قد نلاحظ بعض التقارب بين هذه المدرسة ومحاولة المفكر المصري الراحل حسن حنفي تأسيس علم للاستغراب يهدف حسب عبارته إلى “تحجيم الوعي الغربي”، كما قد تكون لها بعض الصلة في مناهج نقد التحيز في العلوم الإنسانية التي وضعها عبد الوهاب المسيري وبعض الباحثين المقربين منه، إلا أن ميزة مدرسة التابع الهندية تكمن في كونها قدمت رؤية منهجية وتصورية متكاملة في مجال الإنسانيات، بقدر ما نقدت بشدة المركزية الغربية، وظلت ملتزمة بمنطق الكونية الابستمية، أي المعجم الدلالي والفكري المعتمد في الدوائر المعرفية والبحثية العالمية. أي بعبارة أخرى ما ظل عندنا مواقف إيديولوجية نضالية، تحول إلى مقاربات نظرية وتطبيقية ناجعة ومتكاملة في الفكر الهندي النقدي الجديد.