من المعروف أن النزعتين القومية والليبرالية تزامنتا من حيث الظهور في الغرب الحديث، وإن اختلفتا من حيث الخلفيات والتوجهات. الليبرالية تحيل إلى قيم الفردية الذاتية والحرية ومدونة الحقوق الشخصية، والقومية تركز على اعتبارات الهوية الجماعية والانتماء العضوي وارتباط الدولة بالأمة، سواء أنظر إليها كوحدة روحية وثقافية مندمجة، أم كمجموعة مدنية مشتركة.
لم تكن العلاقة بين الليبرالية والقومية دومًا واضحة ومحددة، بل إن الأيديولوجيات القومية كثيرًا ما اعتمدت المقاييس التسلطية ورفضت منطق التعددية السياسية باعتباره كثيرًا ما يفضي إلى إضعاف الانتماء الجماعي ويتعارض مع مبدأ الوحدة التلقائية والعميقة للجسم الوطني المندمج. كما أن الفكر الليبرالي الكلاسيكي وقف عادة ضد الأيديولوجيات القومية واعتبر أنها تهدد السلم الأهلي، وتفضي إلى التعصب والعنف والحروب الداخلية.
لا بد هنا أن نبين الفرق الواسع بين التجارب القومية في أوروبا التي ظهر فيها نموذج الأمة العضوية المجسدة في وحدة سياسية هي الدولة في دلالاتها الحديثة، والتجربة الأمريكية التي قامت تاريخيًا على مفهوم الأمة المدنية التي تتشكل من مواطنين أحرار ومتساوين لهم حقوق متكافئة ضمن دولة محدودة التدخل والتأثير.
ومع أن الولايات المتحدة عرفت منذ قيامها جدلًا متشعبًا بين اتجاه ليبرالي راديكالي معاد لتضخم الوظائف العمومية للدولة، واتجاه قومي يركز على التجربة التاريخية للأمة التي تقدم نفسها نموذجًا للعالم كله، إلا أن أفكار الفيلسوف “جون رولز” في العدالة الاجتماعية بلورت إطارًا جديدًا لإعادة بناء المنظور الليبرالي في السياق الأمريكي.
الفكرة الأساسية التي قدمها “رولز” في هذا الباب هي الجمع بين قيم الحرية والاستحقاق المحورية في الليبرالية الأمريكية، ومعايير التضامن الاجتماعي في نطاق مدني تعبر عنه معايير العدالة التوزيعية.
لقد ولدت هذه الأطروحة في السياق الأمريكي جدلًا كثيفًا، من أبرز أمثلته النقد الذي وجه لها الفيلسوف المجموعاتي “مايكل فالزر” والفيلسوف البراغماتي “ريتشارد رورتي” (رغم اختلافهما الفكري الواسع)، في تأكيدهما على أهمية التقاليد الحية، والسرديات المروية والتجارب المعيشة في تشكل الهوية الوطنية التي لا يمكن اختزالها في منظومة الحقوق والحريات المدنية.
في عهد الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش” الابن، برز الاتجاه المحافظ الجديد في نظرته للسياسة من حيث هي تدبير أخلاقي وحضاري للروابط المدنية المشتركة (نظرية “ليو شتراوس”) بدل اختزالها في التسيير القانوني للحريات الفردية. ما عبرت عنه هذه الأطروحة هو تحميل النموذج الأمريكي مرجعية قيمية كونية، تجعله المثال الاستقطابي للعالم، بحيث تكون القومية الأمريكية قوة مرجعية لها خصائصها المعيارية الذاتية المؤهلة للتصدير (الديمقراطية، والحرية والرفاهية الاجتماعية). ما تعيشه أمريكا راهنًا مع الموجة الشعبوية الجديدة التي يتزعمها الرئيس “ترامب” هو انبثاق نمط من النزعة القومية الانكفائية التي تستبدل القيم المرجعية التقليدية للنموذج الأمريكي بمزيج من الأيديولوجيا المحافظة والنزعة التكنوثورية.
في جل الديمقراطيات الأوروبية يشتد الصراع بين التيارات الليبرالية في اتجاهاتها المختلفة (من الليبرالية الرأسمالية إلى الاشتراكية الليبرالية)، واليمين الشعبوي الذي يتبنى النكوص عن مقاييس الحرية والاستحقاق لحساب مطالب الهوية والانتماء. ما تتخوف منه النزعات القومية الجديدة هو تحقق المسار التاريخي لليبرالية في غائيتها الكونية التي تحتفي بنهاية الدولة الوطنية وبروز ما سماه “يورغن هابرماس” بالمواطنة الدستورية بديلًا عن الانتماء القومي الخصوصي.
ما هي انعكاسات هذا الجدل القومي-الليبرالي عربيًا؟
لا بد من الإشارة هنا إلى أن التيار القومي العروبي الكلاسيكي تعامل بحدة ورفض مع الأفكار والممارسات الليبرالية، فانتقد نظريًا مفهوم الحرية الفردية الصورية من حيث كونه يتعارض مع الهوية الجماعية العضوية،كما تبنى سد منافذ التعددية السياسية التي عرفها عدد من البلدان العربية قبل الثورات العسكرية القومية (سوريا، ومصر والعراق).
وهكذا؛ تبنت الأحزاب والتنظيمات القومية العربية الشعارات الاشتراكية، وتأثرت بأنظمة اليسار الشيوعي خلال الحرب الباردة، رغم الموجة الاحتجاجية الكبرى التي خلفتها هزيمة 1967.
بعد هذه الهزيمة برز لدى اتجاه فكري واسع في الساحة العربية (كما هو واضح في كتابات عبد الله العروي وياسين الحافظ…) نقدٌ عميق لتجربة الفكر القومي، دون التبني الصريح للمضمون السياسي لليبرالية، بل اعتمادها في دلالاتها التنويرية والحداثية كنمط من الوعي التاريخاني المكرس لقيم التقدم والنهوض والتطور الاجتماعي.
لقد ظلت الليبرالية السياسية مشبوهة في الخطاب القومي العربي، حتى بعد أن اتجه هذا الخطاب منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى استيعاب الأطروحة الديمقراطية منظورًا إليها وفق اعتبارات الاستقلال السياسي والحضاري، لا كآلية ناجعة للتنظيم السياسي في مجتمعات تعددية حرة.
وحتى عندما تبنى العديد من الدول العربية مسلك الانفتاح السياسي بعد نهاية الحرب الباردة (بضغوط خارجية في الغالب)، لم تنجح الأحزاب القومية العربية في استخدام قنوات التنظيم السياسي الحر في انتزاع مواقع فاعلة في الساحة السياسية، رغم قوة الفكرة القومية شعبيًا واجتماعيًا.
لم تتغير الصورة نوعيًا بعد موجة “الربيع العربي” في العقد الماضي، بل ظهر أن التيار العروبي ما يزال بعيدًا عن التحول إلى المنظور الليبرالي.
لقد تأرجح القوميون العرب ما بين التشبث بالأنظمة الرافعة للشعار الثوري العروبي من منطلقات تقليدية ترى التدخل الخارجي الخطر الأكبر على المصالح العربية العليا (كما هو الحال في الوضع السوري قبل التغيير الأخير)، والعجز عن مواكبة التحولات الداخلية الهائلة التي عرفتها البلدان العربية بعد انكسار أنظمة الاستبداد الثوري (كما هو الشأن في العراق وليبيا).
ما نريد أن نخلص إليه هو أن الوقت قد حان لانتقال الأيديولوجيا العروبية إلى خط القومية الليبرالية التي تجمع بين الفكرة القومية من حيث هي الإطار الناظم للوجود العربي سياسيًا واستراتيجيًا، ومنظومة الحقوق والحريات التي تؤسس لمعايير المواطنة المتساوية والفعالة في مجتمعات تسمها التعددية القيمية والاجتماعية. إن هذا التحول هو ما سيسمح للفكر العروبي بالانتقال من التصور المثالي للاندماج القومي إلى التصور السياسي الواقعي الذي أثبت فاعليته في مناطق عديدة من العالم المعاصر.