الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

الهوية والتعددية الثقافية
بقلم السيد ولد أباه، المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

“تشارلز تايلور” فيلسوف كندي بارز، خصص جانبًا هامًا من إنتاجه الفكري لموضوع الهوية في علاقته بالمحددات القومية للأمم، وبواقع التعددية الثقافية كظاهرة محلية في جل بلدان العالم وفي النطاق الدولي إجمالًا.

على عكس التصور الليبرالي الكلاسيكي، يبين “تايلور” أن الهوية ليست وعيًا ذاتيًا طبيعيًا، بل هي حصيلة مسارات تاريخية وثقافية معقدة، ترتبط أساسًا برؤية العالم التي يعتمدها الناس من خلال أنساق القيم والاعتقاد التي تضبط سلوكهم الاجتماعي المشترك.

الهوية إذن ليست ظاهرة معزولة، بل تندرج دومًا في سياق تفاعلي تداولي، تشكل فيه اللغة عنصرًا أساسيًا بصفتها أداة التواصل المحورية بين المجموعات المندمجة، كما يشكل الدين محددًا جوهريًا من محدداتها. فالتقاليد الثقافية هي أساسًا من نتاج الدين الذي هو المصدر العميق للقيم الأخلاقية حتى في المجتمعات العلمانية، كما هو الشأن في البلدان الغربية الراهنة حيث تنبع مفاهيم حقوق الإنسان والذاتية من المعتقدات المسيحية القديمة مثل الحب، والكرامة والضمير.

صحيح أن المنظومة العلمانية الحديثة قد قوّضت الهويات الجماعية العقدية، بما أدى إلى تفكيك المجتمعات بصفة فرضت على الأفراد صياغة وضبط آفاقهم الدلالية بحرية وتفرد وفق أنظمة اعتقاد شديدة التنوع والاختلاف. لكن العلمنة لم تنه الطابع الهوياتي للمجتمعات وإن قادت إلى نقل الاعتبارات المطلقة والمتعالية من التقاليد الدينية القديمة إلى المتخيل الرمزي الحالي.

ومن هنا الدور الإشكالي للدين في الواقع الراهن، من حيث هو من جهة القاعدة الصلبة للهويات الجماعية لكنه في الآن نفسه غدا عاملًا معيقًا للفردية الحرة في المجتمعات الحديثة المؤسسة على الاستقلالية الذاتية.

في هذا الباب، يرى “تايلور” أن العالم المعاصر يعاني من استقطاب حاد بين محددات الكونية التي تترجم مضمون الوعي الإنساني المعاصر (أفكار الحرية، والمساواة والديمقراطية التي تتجاوز الأطر المحلية)، ومحددات الذاتية الخصوصية التي هي مبدأ تشكل الهويات الوطنية في سماتها التاريخية والثقافية.

وهكذا تولدت إشكالية التعددية الثقافية التي هي اليوم من التحديات الكبرى للمجتمعات المعاصرة، وهي إشكالية تصدر عن متطلبات الاعتراف من حيث هو مطلب لا غنى عنه في مسارات المواطنة (فيما وراء المصالح والارتباطات المشتركة)، كما هو ضروري في تصور العلاقات بين الأمم والثقافات المتباينة.

ثلاثة أسئلة محورية تطرح في هذا الباب هي: هل يمكن لليبرالية الإجرائية أن تعوض المقومات الهوياتية المحايدة ثقافيًا ومعياريًا؟ وما هي أوجه الارتباط بين الهويات الوطنية المحدودة والهويات الثقافية العابرة للحدود والأوطان؟ وما هي ضوابط إدارة التنوع الهوياتي داخل منظومة قومية واحدة؟

السؤال الأول، مطروح بقوة في السياق الراهن في المجتمعات الديمقراطية التعددية التي تقوم على التمييز بين الخير والعدل، بما يعني الرهان على إمكانية تعويض القيم الجوهرية العضوية بالتوافقات الصورية الإجرائية ذات الصيغة القانونية الكونية. في مثل هذه الحالات تكون الهوية سياسية مدنية محضة، وقادرة على تجاوز الهويات الخصوصية المتمايزة. في البلدان التي ما تزال تعيش مصاعب البناء الوطني المندمج، نادرًا ما تنجح هذه المعادلة التعويضية فيظل المشكل الثقافي المجتمعي مطروحًا فيما وراء الاعتبارات السياسية والقانونية الناظمة للهوية السياسية. لا يمكن للسياسة من هذا المنظور أن تستوعب مختلف المطالب الهوياتية، وفي المجتمعات الغربية تطرح الإشكالية ذاتها في خلفيات مغايرة تتعلق بواقع الهجرات الخارجية التي ولدت حالات غير مسبوقة من التعددية الدينية والثقافية.

بخصوص السؤال الثاني، يتعين التنبيه إلى الانزياح بين الهوية السياسية المحصورة في دائرة المواطنة القانونية والدستورية، والهوية الثقافية واللغوية والعقدية التي عادة ما تتجاوز الأطر السيادية المحلية. لقد طرح بعض علماء السياسة والاجتماع اقتراحًا عمليًا بضرورة بلورة الأطر التمثيلية لهذه الانتماءات الثقافية عابرة الحدود، بما هو مطلب حيوي في بعض الساحات التي لم تتشكل فيها هويات وطنية صلبة، كما هو الشأن في جل البلدان العربية والإفريقية.
في العالم العربي على الأخص، نلاحظ بوضوح الوحدة الثقافية العميقة للأمة التي تشترك في مقومات اللغة والعقيدة والرصيد الحضاري، وإن اختلفت كياناتها السياسية، بما حدا بالبعض إلى التشكيك في أطروحة الاندماج القومي استنادًا إلى نموذج أمريكا اللاتينية الموحدة لغويًا، وثقافيًا، والمفككة سياسيًا وإقليميًا. بيد أن طبيعة التداخل البشري والتاريخي بين البلدان العربية تختلف بداهة عن المجتمعات اللاتينية الأمريكية التي هي بالأساس حصيلة هجرات خارجية (أغلبها من أوروبا).

المشكل الثالث يتعلق برهانات التنوع الداخلي في المجتمعات العربية التي تضم أغلبها مكونات إثنية ودينية وطائفية لا يمكن اختزالها في مقومات الهوية القومية بدلالاتها المباشرة. لقد تعامل الفكر القومي العروبي بالإنكار والتجاهل مع هذه الحقائق الموضوعية، بما انعكس سلبًا على الأوضاع السياسية في عدد من الدول العربية المحورية، كما هو الشأن في العراق وسوريا. لقد أظهرت الأنظمة القومية التي حكمت هذه البلدان عجزًا واضحًا عن إدارة التنوع الثقافي والإثني والطائفي، ففشلت في بناء منظومة المواطنة المتساوية التي هي الإطار الأوحد الناجع لتسيير التعددية المجتمعية.

بالرجوع إلى أطروحة “تايلور”، نرى أنه من المفيد الاستفادة من الأفكار التي بلورها بخصوص التعددية الثقافية في مجتمع ليبرالي متطور مثل المجتمع الكندي الذي يضم أقلية كاثوليكية معتبرة، كما يضم أقلية واسعة ناطقة باللغة الفرنسية (في إقليم كيبيك). في مثل هذا المجتمع، يرى “تايلور” أن الأطر العلمانية الكلاسيكية لا تتناسب مع واقع التعددية القائمة، لكونها تميل إلى كبح أوجه التنوع والاختلاف باسم المواطنة الدستورية الرسمية.

لقد لاحظ مرة المفكر التونسي “هشام جعيط” أن الدولة العربية خرجت من رحم الدين الإسلامي، وبالتالي لا يمكن أن تكون محايدة دينيًا، إذ ما يزال يشكل الإسلام مقوم الانتماء الاندماجي الحقيقي للشعوب والأقوام في عموم الدول العربية، بيد أن اعتبارات المواطنة الحديثة تقتضي احتفاظ الدولة بالورقة الدينية لإخراجها من اصطفاف وتوظيف المجموعات الأيديولوجية والسياسية التي ترفع الدين شعارًا تعبويًا ونضاليًا، مع ضمان الحقوق المتساوية لكل الأفراد المنضوين في العقد الاجتماعي بغض النظر عن اعتبارات الهوية القومية العليا .