بيتر سلوتردايك، فيلسوف ألماني بارز، وُلد سنة 1947، عُرف بمذهبه الكلبي الجديد الذي قدّمه في كتابه الأساسي “نقد العقل الكلبي” (Critique of Cynical Reason)، الذي اعتُبر من أهم الأعمال الفلسفية المعاصرة عند صدوره سنة 1983. ما يعنيه بالكلبية الحديثة هو اعتقاد الناس أشياء يعرفون أنها زائفة وغير عادلة أو خالية من المعنى، دون أن يتخلّوا عنها. على عكس الكلبية القديمة (كما لدى ديوجين)، ليست الكلبية الجديدة نقدية فاعلة، بل سلبية متخاذلة، لا تنزع إلى التغيير ولا التمرد على الوضع القائم.
من هذا المنطلق، يعالج سلوتردايك أزمات الحداثة التي يعتبر أنها “تجربة تسارع” مستمر، يبرز في مختلف المناحي التقنية والاقتصادية والثقافية، ويفضي إلى الخروج من القوالب التقليدية من أنساق دينية وميتافيزيقية. في العصور السابقة، كان الزمن دائريًا ينتظم بحسب مواسم وطقوس معينة، وكانت الحياة ثابتة نوعًا ما، ومع الحداثة غدا الزمن خطيًا ومتجهًا نحو المستقبل، ومن ثم الإحساس بالتغير السريع لمختلف ضروب النشاط الإنساني من عمل وإنتاج وممارسة جماعية.
في العصور الحديثة، أصبح الإبداع أو التغيير مبدأ حركة المجتمعات، وكل تحول يؤدي إلى تقليص الزمن وتقويض الظرفية السابقة، بما يتجلى في التغيرات التقنية المتلاحقة من الثورة الصناعية إلى الثورة الرقمية الراهنة.
في هذا الباب، يبيّن سلوتردايك أن أهم نتائج هذه الديناميكية هو تغير مفهوم الهوية الإنسانية، التي لم تعد موروثة أو مفروضة، بل إن الإنسان يختارها بحرية ويصوغها وفق ميوله وأولوياته، ويحوّرها بحسب إرادته ورغبته.
ليس للتسارع جوانبه الإيجابية المحضة، بل إنه يولّد تحديات خطيرة، من بينها الإحساس الدائم بالقلق، وهاجس الاستعجال، والبحث المستمر عن المعنى، والانتظار دون أفق نهائي.
في سلسلته “دوائر” (Spheres) (من 1998 إلى 2004)، يبيّن سلوتردايك أن البشر لا يعيشون أبدًا في وضع منفصل، بل يتحركون ضمن مجالات علائقية مشتركة، هي في جوهرها طبيعية ونفسية ورمزية. من بين هذه الدوائر ما يكون حميميًا مثل ما يتصل بالأسرة والصداقة العميقة، ومنها ما يتعلق برؤى العالم كالديانات والإمبراطوريات والأيديولوجيات الشمولية. ومن بين هذه الدوائر في المجتمعات الحديثة “الرغوات” (Foams)، التي هي عبارة عن فضاءات صغيرة مرتبطة بعضها ببعض رغم تمايزها وتجزؤها.
بالنسبة لسلوتردايك، لقد حطمت الحداثة الدوائر التقليدية من ديانات ومجموعات عضوية، واستبدلتها بعالم مندمج وشامل، لكنه مجرد وخالٍ من المعنى. وهكذا لم يعد ثمة مركز موحد للمعنى، وغدا العالم مشتت المرجعيات، متنوع الدلالات والقيم، كل فرد فيه منكفئ على نفسه، لئن غنم الحرية الذاتية، إلا أنه فقد الاستقرار والشعور بالانتماء إلى عالم مشترك.
في هذا السياق، ينظر سلوتردايك إلى ظاهرة العولمة من حيث هي تحول عميق في نمط معاشرة العالم، وليست محض تغير اقتصادي أو سياسي. لقد انتقل الإنسان من عالم مغلق ومنضبط إلى مجموعة من الدوائر الهشة المتجاورة التي لا يربط بينها مركز موحد.
في كتابه “ينبغي لك أن تغيّر حياتك”، يتناول مفهوم “الأنثروبوتقنيات” (Anthropotechnics)، وهي عبارة تجمع بين مقولة “أنثروبوس” التي تعني الإنسان، والتقنية المتعلقة بالإجراءات والنظم العملية التطبيقية. الأنثروبوتقنية، من هذا المنظور، تعني الممارسة المنتظمة التي تهدف إلى تغيير أو تحسين الوجود الإنساني، ومن أنواعها الطقوس الروحية، والتدريبات الرياضية، والنظم التربوية. في السابق، كانت هذه الممارسات التقنية مؤطرة دينيًا وثقافيًا، وموجهة بمثل عليا مثل القداسة أو الحكمة أو الفضيلة. ومع الحداثة، انهارت هذه الأطر التقليدية القوية، في الوقت الذي صعدت فيه النزعات الفردية، وما يترتب عليها من مسؤوليات شخصية تفرض على الإنسان انتقاء مسلكيات عيشه، رغم ما قد ينتج عن هذا الوضع من هشاشة وضياع.
الإنسان المعاصر، الذي لم يعد منخرطًا في طقوس دينية مطلقة ولا تقاليد اجتماعية مشتركة، طوّر آليات تغيير فردي خاصة به، من بينها الرياضات الكثيفة، والترويض الجسدي، والتنمية الذاتية، والعلاج الطبيعي، وصولًا إلى تقنيات التحسين المعرفي والانتقال إلى ما بعد الإنسانية. لقد أصبح الإنسان يشعر أنه حرّ مبدع، يتحكم في مصيره الشخصي، لكنه مهووس بالمردودية والنجاعة والتحسين المطرد، بما يولّد أزمات نفسية ووجودية معقدة.
في نقده للحداثة، يرجع سلوتردايك إلى نظرية ماكس فيبر في نزع القداسة عن العالم، وما يترتب على هذا التحول من ضياع المعاني الشاملة للوجود، وتشكل عقلانية حديدية صارمة، وإن كانت فارغة رمزيًا. كما أنه يرجع إلى الدراسات الاجتماعية المعاصرة في نقد “مجتمع الاستهلاك”، وما يقوم عليه من هاجس الربح والتنوع ومنطق الرغبة غير المحدودة. إلا أنه، في الآن نفسه، يعترف للحداثة بميزاتها الإيجابية من إبداع وتحرر وعقلانية، ولذا فإن نقده للحداثة ينزع نحو مسلك الفحص والتشخيص لا المحاكمة السلبية القيمية.
في سنة 1999، أصدر سلوتردايك كتابه “قواعد من أجل القطيع البشري” (Rules for the Human Park)، تناول فيه نهاية النزعة الإنسانية الكلاسيكية، معتبرًا أن المجتمعات البشرية خضعت تاريخيًا لعملية ترويض استندت أساسًا إلى القوالب الثقافية من تربية وقيم وأعمال أدبية، ومع التقنيات الجديدة المتمحورة حول الثورة الجينية الراهنة، قد يصبح هذا الترويض بيولوجيًا بالأساس.
لقد انتقد كبير فلاسفة ألمانيا المعاصرين، يورغن هابرماس، هذه الأطروحة، معتبرًا أنها قريبة من الأفكار النازية السابقة في تحسين النوع البشري، والتدخل في النوازع الحيوية للإنسان، بما قد يؤدي إلى انتهاك كرامة الإنسان والعودة به إلى عصر العبودية والاستغلال.
ولقد ردّ سلوتردايك على هابرماس بحدة، معتبرًا أنه لم يفهم نظريته في الترويض البيولوجي، التي لا علاقة لها بالانتقاء الحيوي الدارويني. إذ إن السؤال المطروح بالنسبة له يتلخص في الآفاق الأنثروبولوجية المترتبة على الثورة الجينية المعاصرة، وما تولده من تحديات على مستوى رؤية الإنسان لذاته وسبل تغيير وضعه الوجودي. وقد اعتبر أن هابرماس يدافع عن نزعة أخلاقية متحجرة، عاجزة عن إدراك المتغيرات العلمية والتقنية الجديدة، التي لا يمكن تجاهلها في أي مراجعة مطلوبة للنزعة الإنسانية المعاصرة.