جياني فاتيمو فيلسوف إيطالي معروف، توفي سنة ٢٠٢٣، يُصنَّف عادة في الاتجاه الهرمنوطيقي التأويلي الغربي، وقد خصص جانبًا أساسيًا من دراساته لفكر نيتشه ومارتن هايدغر.
ما يهمنا هنا هو مقاربته في النظر إلى الحداثة من حيث هي مسار فلسفي وفكري يعتبر أنه وصل في اللحظة الراهنة إلى أفق مسدود.
بالنسبة لفاتيمو، قامت ديناميكية الحداثة منذ عصر التنوير الأوروبي على أربعة أسس أساسية، هي:
– هيمنة العقل العلمي في مرتكزاته الأداتية وطموحه للسيطرة على الطبيعة من خلال التطبيقات التقنية، التي هي، كما رأى هايدغر، بنية ميتافيزيقية كاملة وليست مجرد أدوات عملية إجرائية.
– تحويل الحقيقة إلى نسق من اليقينيات الذاتية الكونية والمطلقة المستندة إلى أفكار موضوعية قابلة للتحقق عبر أفكار الذات المؤهلة للتقاسم جماعيًا.
– الإيمان بفكرة التقدم أفقًا للنظر ومثالًا لتطور المجتمعات، بما يعني استكشاف أفق التاريخانية الغائية منطلقًا أيديولوجيًا شاملًا.
– الانخراط في براديغم الذاتية من حيث هي ترجمة للنزعة الإنسانية المتمحورة حول نفسها، والمؤسسة لنمط الشرعية السياسية والقانونية.
لا يختلف فاتيمو في هذه التحديدات عن غيره من الفلاسفة الذين تناولوا فكر الحداثة، وإن كان يعتبر أن التنوير هو الخلفية المرجعية للعصور الحديثة.
في كتابه “نهاية الحداثة” (La fine della modernità)، الصادر سنة ١٩٨٥، يذهب فاتيمو إلى القول إن الحداثة انهارت نهائيًا بانهيار اليقينيات الكبرى والحقائق المطلقة التي كانت تقوم عليها، وفي مقدمتها أفكار العقل الكوني، والتقدم التاريخي، والحقيقة الموضوعية.
في استخدام واضح لمقولة “نهاية السرديات الكبرى” التي تحدث عنها الفيلسوف الفرنسي جان فرنسوا ليوتار، يرى لفيناس أن الرؤى الكونية للعالم، من أنساق عقدية جماعية وأيديولوجيات سياسية ومنظومات علمية، لم تعد قادرة على التحكم في المعارف الإنسانية.
لقد دخلت هذه السرديات الكبرى في أزمة عميقة نتيجة لتعدد التقاليد الثقافية والتأويلية في عالم اليوم، بما يحول دون فرض رؤية كونية واحدة على البشرية. كما أن الطفرة الإعلامية الراهنة المتصاعدة ولدت واقعًا مفككًا ومشتتًا لا يمكن لأي سلطة معرفية استيعابه. أما الأيديولوجيات التي سيطرت على الإنسانية في القرن الماضي فقد ضعفت، ولم يعد أحد يثق فيها.
وهكذا انتهت الحقائق المطلقة والأيديولوجيات الشمولية، وأصبحت القيم متعددة، والتأويلات متفرقة ومتنوعة.
الخلاصة الكبيرة التي ينتهي إليها فاتيمو من هذا التشخيص هي الانتقال من الفلسفة الذاتية إلى الفلسفة التأويلية التي لا تبحث عن حقيقة مطلقة وموضوعية، بل تنزع إلى رصد الدلالات في تنوعها واختلاف مشاربها ومواردها.
المعروف أن فاتيمو تأثر كثيرًا بتأويلية الوجود لدى هايدغر، وتأويلية السياق لدى غادامير، مستنتجًا منهما دور الحوار والتفاعل القيمي والدلالي في تشكل الحقيقة والمعنى من منظور نقدي مفتوح. ما يهمه هنا هو النقد الجذري للميتافيزيقا في بحثها عن الجذور الثابتة والحقائق النهائية، والتماهي بين الوجود والعقل، وبالتالي الدخول في أفق تأويل ليس له خلفيات غائية ولا موجهات محددة، ولا يستند إلى يقين مفهومي أو واقع موضوعي.
في كتابه “نهاية الحداثة” يطرح فاتيمو فكرة “الفكر الضعيف” (Pensiero debole)، وهو يعني بها الطريقة التأويلية الجديدة في التفلسف التي تنبذ الحقائق المطلقة والأسس الثابتة كما تتصورها الميتافيزيقا، وتكرس رؤية متواضعة للمعرفة لا تدعي القدرة على إدراك حقائق الأشياء ومصير التاريخ.
الفكر الضعيف يرفض الأنساق المكتملة التي تطمح إلى تفسير الواقع في كثافته وشموليته، على غرار الأنساق الفلسفية السابقة، ويؤكد قيم التعددية والحوارية والتسامح.
ومن الواضح أن فاتيمو يتفق مع مجموع الفلاسفة ما بعد الحداثيين الذين اعتبروا أنه من المستحيل اليوم الوفاء لمشروع “المعرفة المطلقة” من المنظور الهيغلي، أي القدرة على بناء منظومة فلسفية شاملة تفسر الواقع في دوائره الطبيعية والإنسانية المتنوعة والمختلفة. بيد أنه لا ينفي فكرة الحقيقة ذاتها ولا يرفض القيم الإنسانية المحورية، لكنه يرى أن هذه المثل النظرية والمعيارية لا بد أن تراعي المنظور التعددي الاختلافي للوضع الإنساني الراهن.
ليست الفلسفة التأويلية إذن مقاربة عدمية، بل إنها قادرة وحدها على أن تجمع بين ثقافات ونظم دلالية متناثرة ومشتتة في أفق حواري منفتح، بدل فرض رؤية أحادية للعالم على طريقة الأيديولوجيات المنهارة.
ما لا بد من ملاحظته هو أن فاتيمو يتميز بكونه ظل محافظًا على شعوره القناعي الديني في دفاعه عن عقيدة مسيحية تقبل الشروط الفلسفية الجديدة للحقيقة والمعنى، أي تعيد بناء منظورها اللاهوتي وفق الفكر الضعيف الذي يتبناه ويدعو إليه.
في كتبه حول المسيحية، وبصفة خاصة “ما بعد المسيحية: من أجل مسيحية غير دينية” (الصادر سنة ٢٠٠٢)
(Dopo la cristianità: per un cristianesimo non religioso)، يرى أن العلمانية من أثر المسيحية في عقيدتها للتجسد. ومن ثم على اللاهوت الجديد أن يسير في هذا الاتجاه، متخليًا عن التصورات السلطوية الجامدة والوثوقية، ومعتمدًا المقاربة التأويلية البديلة في انفتاحها ومرونتها، بما يعني أن الدين في العصر ما بعد الحديث يجب أن يكون مجرد تجربة روحية وأخلاقية وليس نسقًا مذهبيًا منغلقًا.
لا يوافق فاتيمو العديد من الفلاسفة المعاصرين الذين ذهبوا إلى أن نهاية الميتافيزيقا تعني نهاية الدين، بل اعتبر أن الحقبة الحالية تفتح آفاقًا رحبة للتجربة الدينية بشرط التأقلم مع مسارات المعنى والحقيقة في دلالاتها الراهنة.
لم يُقرأ فاتيمو جيدًا في الساحة الفكرية العربية، وظل الاهتمام به محصورًا في دائرة ضيقة من المهتمين بفلسفة نيتشه وأعمال هايدغر، رغم تميز منهجه التأويلي وفلسفته الدينية في سياق ما يسمى بفلسفات ما بعد الحداثة الغربية.
لم يدع فاتيمو إلى القطيعة مع مثال التنوير ولا مع النزعة الإنسانية، لكنه أدرك استحالة الدفاع عن هذه القيم في الواقع الثقافي الإنساني الراهن، ومن هنا أهمية مسلكه الحواري التواصلي الذي يفتح آفاقًا رحبة للفكر العربي المعاصر.