بقلم: بيبي لوفن – متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي
لطالما كانت النساء الفلسطينيات في صميم النضال الوطني، حيث نظّمن العمل على المستوى القاعدي، وقُدن الحراك السياسي، وحافظن على الهوية والثقافة الفلسطينية في ظل الاحتلال. وخلال الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، واصلن أداء دورهن كركيزة أساسية لبقاء الأسرة والمجتمع، في وقت يواجهن فيه معاناة قاسية ومخاطر متزايدة من العنف الموجه ضدهن. ومع ذلك، فإن أشكال فعالية إرادتهن وجهودهن، غير الرسمية، وغير المؤسسية، والمتجذّرة في المقاومة اليومية، لا تزال إلى حد كبير غير مرئية في الإعلام الغربي والمؤسسات الدولية، التي تستمر في تصوير النساء الفلسطينيات بوصفهن ضحايا بالدرجة الأولى، لا فاعلات. وقبل أن تبدأ غزة مسارها الطويل والشاق نحو إعادة الإعمار، لا بدّ أن يتغير هذا الواقع. إن الاعتراف الحقيقي بفاعلية النساء الفلسطينيات وقيادتهن يُعد شرطًا أساسيًا لأي عملية تعافٍ تكون شاملة وعادلة ومراعية للنوع الاجتماعي. وبدون ذلك، فإن إعادة الإعمار قد تُرسّخ مظاهر الظلم الاجتماعي ذاتها التي يُفترض أن تسعى إلى تفكيكها.
البدايات الأولى لمظاهر مقاومة النساء
في عام 1936، انفجر الغضب المتراكم ضد الحكم البريطاني في فلسطين في شكل الثورة الكبرى، وهي انتفاضة لعبت فيها النساء دورًا محوريًا. فقد قامت الفلاحات بإخفاء الأسلحة تحت ملابسهن، والتنقل عبر المناطق لنقل المعلومات حول تحركات القوات البريطانية إلى المقاتلين، وغالبًا ما وجدن أنفسهن في قلب الاشتباكات. وفي المدن، خرجت النساء إلى الشوارع، وجمعت الأموال لدعم الثورة، وقدّمن مطالب مكتوبة إلى السلطات البريطانية تدعو إلى وقف سياساتها العنيفة.
ورغم أهمية هذا الدور خلال الثورة الكبرى، فإن النساء الفلسطينيات بدأن تنظيم أنفسهن منذ عام 1920، في الغالب عبر قنوات غير مؤسسية. وقد أدى مقتل تسع نساء فلسطينيات خلال احتجاجات عام 1929 ضد الاستعمار البريطاني إلى تأسيس أول جمعية نسائية عربية والاتحاد النسائي العربي، حيث نظّمتا المظاهرات وضغطتا على القادة العرب لتقديم الدعم. وذهبت بعض التنظيمات أبعد من ذلك؛ إذ تحولت منظمة “زهرة الأقحوان”، التي أسستها مهيبة وعربية خورشيد كجمعية اجتماعية، لاحقًا إلى مجموعة مسلّحة حملت السلاح ضد القوات البريطانية.
تعكس هذه الأنماط من التنظيم السياسي غير المؤسسي سياقات تُقصي فيها قوى وطنية أو أجنبية مهيمنة فئاتٍ مهمّشة من المشاركة. وفي ظل استبعادهن من المؤسسات السياسية الرسمية، ابتكرت النساء الفلسطينيات أساليب للمقاومة خارج هذه الأطر، سواء عبر الوسائل السلمية أو المسلحة.
مقاومة الاحتلال
مع ترسّخ الاحتلال الإسرائيلي، تطورت أشكال مقاومة النساء تبعًا لذلك، مدفوعة ليس فقط بالأجندة الوطنية، بل أيضًا بالتأثير المباشر للاحتلال على حياتهن اليومية، وهو تأثير مستمر حتى اليوم. فهدم المنازل يطال النساء بشكل خاص، إذ يفقدن مساحات الأمان الجسدي والخصوصية، إضافة إلى شبكات الدعم العائلية. كما تُقيّد الحواجز العسكرية وحظر التجول حركة النساء بشكل كبير، ما يحد من وصولهن إلى الخدمات الأساسية كالرعاية الصحية؛ وفي بعض الحالات، تضطر النساء إلى الولادة على الحواجز. كذلك، أدى حظر التجول وخطر عدم القدرة على العودة إلى المنزل إلى إبقاء العديد من الفتيات خارج المدارس. ويزيد الاحتلال أيضًا من تعرض النساء للتحرش الجنسي، خاصة عند إجبارهن على خلع الحجاب أو بعض الملابس أثناء التفتيش على الحواجز.
في مواجهة هذه الظروف، شاركت النساء اللواتي كنّ منخرطات سابقًا في العمل الوطني بشكل فاعل في مقاومة الاحتلال، من خلال الإضرابات والمظاهرات والعمل الإعلامي، بل وحتى التدريب العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي عام 1965، تأسس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية كمنظمة جماهيرية تهدف إلى المساهمة في تحرير الوطن، إلى جانب تقديم الخدمات للنساء. وبحلول عام 1978، أُسس اتحاد لجان المرأة الفلسطينية العاملة، الذي وضع قضايا النوع الاجتماعي في صلب أجندته إلى جانب أهدافه الخيرية والسياسية.
وفي عام 1987، أدى حادث دهس مركبة إسرائيلية لعمال فلسطينيين عائدين إلى غزة، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، إلى إشعال شرارة الانتفاضة الأولى. وقد شكّلت هذه الانتفاضة نقطة تحول في فاعلية النساء الفلسطينيات، إذ تجاوزت المشاركة الأطر التنظيمية الرسمية وامتدت إلى داخل المنازل. فانخرطت النساء اللواتي كنّ مهمّشات سابقًا في الاحتجاجات وأعمال العصيان المدني ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وفي الوقت ذاته بدأن بإنتاج الاحتياجات اليومية في المنازل لدعم الاقتصاد الوطني. كما قدّمن الدعم للأسر تحت الحصار، وملأن الفراغ الذي خلّفه اعتقال أعداد كبيرة من الرجال.
ومع ذلك، أعادت الانتفاضة الأولى إحياء مفهوم أكثر عمقًا للمقاومة: وهو الصمود. وهو مفهوم ديناميكي يعبّر عن الاستمرار في العيش تحت الاحتلال مع الحفاظ على الثقافة الفلسطينية في مواجهة محاولات المحو المنهجي. ويتجلى الصمود في أفعال يومية هادئة وغير عنيفة، مثل نقل اللغة والتاريخ الفلسطينيين إلى الأجيال القادمة، لكنه في الوقت ذاته يشكّل ثورة مستمرة تحفظ الهوية وتحميها. وبهذا المعنى، يتحدى الصمود علاقات القوة القائمة، ويجعل النساء الفلسطينيات فاعلات أساسيات في المقاومة، لا مجرد ضحايا للاحتلال.
استمرار فاعلية إرادة النساء الفلسطينيات في ظل الإبادة
في ظل الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، تبرز فاعلية النساء مرة أخرى بأهمية بالغة. ففي سياق يتسم بالعنف الشديد والنزوح الجماعي، وظّفت النساء أدوارهن كمقدّمات رعاية للحفاظ على تماسك الأسر، وصون الروابط الاجتماعية والعاطفية، بل وتوسيع هذا الدور ليشمل دعم التضامن المجتمعي الأوسع. ومع الانهيار الكامل للبنية الخدمية، اضطلعت النساء بمسؤوليات حيوية، من إنشاء الملاجئ، إلى تنسيق توزيع المساعدات، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي. ومن خلال صمودهن وقدرتهن على التحمّل، تستمر هذه الأشكال من المقاومة حتى في أقسى الظروف.
وفي الوقت ذاته، تؤدي النساء هذه الأدوار القيادية المجتمعية بينما يواجهن مخاطر متزايدة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، نتيجة النزوح القسري، وشح الموارد، وتفكك الهياكل الأسرية والمجتمعية. كما أصبح تقديم الدعم للناجيات من هذا العنف شبه مستحيل.
صورة النساء الفلسطينيات
رغم الدور المحوري الذي تلعبه النساء الفلسطينيات في الحفاظ على الهوية والثقافة وبقاء المجتمع، فإن الأعراف السلطوية الذكورية والاحتلال المستمر بإقصائهن بشكل منهجي عن مؤسسات صنع القرار الرسمية. ولا تزال الهيئات السياسية الفلسطينية تعكس هيمنة ذكورية تعيد إنتاج هذه البنى بدلًا من تفكيكها. كما يفرض الاحتلال عوائق عملية وبنيوية أمام وصول النساء إلى التعليم والمشاركة الاقتصادية والحياة العامة، ما يعمّق من تهميشهن السياسي.
ويزداد هذا الإقصاء ترسّخًا نتيجة فشل المؤسسات الدولية والذي ينبع من رفض مستمر للاعتراف بالنساء الفلسطينيات كفاعلات سياسيات. وتتجلى آثار ذلك في تهميش خبرات النساء ومعرفتهن المباشرة باحتياجات مجتمعاتهن. ويعزز الإعلام الغربي هذا التوجه من خلال تصوير النساء الفلسطينيات بوصفهن ضحايا سلبيات، بدلًا من إبراز دورهن كصانعات للتغيير داخل مجتمعاتهن.
نحو الاعتراف بقوة وإرادة الفلسطينيات الحقيقية
إن أي عملية إعادة إعمار وتعافٍ حقيقية في غزة يجب أن تنطلق من الاعتراف بفاعلية إرادة النساء الفلسطينيات ودورهن في الحفاظ على المجتمعات خلال الإبادة، وهو دور متجذر في تاريخ طويل من النضال والتنظيم ضمن حركة التحرر الفلسطينية. وعلى الرغم من الأعباء الجسدية والعاطفية الهائلة التي يتحملنها، والمخاطر المتزايدة التي يواجهنها، لا يزال يُنظر إليهن بوصفهن ضحايا بدلًا من فاعلات سياسيات.
ويتطلب تصحيح هذا الواقع تحولًا على عدة مستويات: في كيفية تمثيل الإعلام الغربي للنساء الفلسطينيات، وفي كيفية تصميم وتنفيذ التدخلات الدولية. فبدون إشراك النساء وقيادتهن على جميع مستويات إعادة الإعمار، ستفشل الجهود الرامية إلى تحقيق تعافٍ حقيقي، وستُكرّس أوجه عدم المساواة القائمة بدلًا من معالجتها.