يعد يورغن هابرماس فيلسوفًا ألمانيًا بارزًا، عُرف بإنتاجه الفكري الغزير والمتنوع، الذي تناول فيه إشكالية الحداثة والتحديث من منظور مقاربته التواصلية. وكما هو الشأن عند ماكس فيبر، نظر هابرماس إلى مسار الحداثة انطلاقًا من عملية العقلنة النظرية والعملية، التي أفضت إلى نزع الطابع السحري عن العالم، وترسيخ منطق المردودية والنجاعة في التصورات الطبيعية والاجتماعية. غير أنه يميّز، في هذا السياق، بين نوعين من العقلنة المتمايزين من حيث الغايات والتوجهات:
-
العقلنة الأداتية (أو النسقية): وتبرز هذه العقلنة في مجالات العلوم والتقنيات والاقتصاد والإدارة، ويقوم أساسها على الفاعلية الإجرائية، أي تحقيق التوازن الناجع بين الغاية والوسيلة، والبحث عن أنسب الوسائل لبلوغ الهدف المقصود. في هذا النمط من العقلانية لا يحتل التقويم المعياري للفعل أهمية تُذكر، بل تُقاس القيمة بالنتيجة العملية. ولا يختلف هذا المفهوم عند هابرماس كثيرًا عن مفهوم «العقلانية القصدية» كما بلوره ماكس فيبر، غير أن الإضافة الأساسية التي يقدمها هابرماس تتمثل في تركيزه على منطق النجاح والنتيجة، مع نقده الحاد لتمديد هذا النوع من العقلانية إلى الحياة الاجتماعية، التي تمتلك منطقها الخاص ومعاييرها المتميزة.
-
العقلنة التواصلية: وهي التي تميّز النشاط الاجتماعي الموجَّه بمطلب التوافق، والقائم على البرهنة والإقناع دون إكراه أو قسر. وتتجلى هذه العقلانية في مجالات إنسانية مثل اللغة، والأخلاق، والسياسة. ففي هذا السياق، يسعى المتحاورون إلى بناء توافقات مشتركة، وينظر بعضهم إلى بعض بوصفهم ذواتًا راشدة، مؤهلة للتفكير العقلاني الحر وللتداول البرهاني الرصين. والمعايير الموجِّهة لهذا التوافق هي البحث الموضوعي عن الحقيقة، وتحقيق العدالة المنصفة، والالتزام بالصدق الأخلاقي. ويؤكد هابرماس أن العقلانية التواصلية شرطٌ أساسي لبناء مجال عمومي نشط، ولمدونة قانونية عادلة، كما أنها تمثل شرطًا ضروريًا للنقد الاجتماعي الهادف إلى تحرر الأفراد والمجتمعات.
ويرى هابرماس أنه عندما تسود العقلانية الأداتية في المجال الاجتماعي، فإن ذلك يؤدي إلى تدمير «العالم المعيش»، فتنهار قيم التداول العقلاني، وتضعف الشرعية القانونية، ويتفكك التوافق العمومي. ويتجلى هذا الانحراف في مظاهر مرضية تعاني منها المجتمعات الحديثة، مثل التضخم البيروقراطي، وتسليع الروابط الإنسانية، واستبدال ثقافة المواطنة بثقافة الاستهلاك والنفعية.
في مقابل هذه الحداثة المنحرفة، يكشف هابرماس عن جانب إيجابي في مسار التحديث، أطلق عليه اسم «عقلنة العالم المعيش». ويقصد بهذا المفهوم المجال التواصلي بين البشر، كما يتجلى في التقاليد والممارسات الثقافية والمعيارية والرمزية، المرتبطة بالمعرفة والهوية والنظم الاجتماعية. ومن خلال عقلنة العالم المعيش، تصبح البنى الثقافية والاجتماعية والنفسية واعية بذاتها، ومؤهلة للتفكير النقدي والتأمل البرهاني الرصين، فيغادر الإنسان، كما قال كانط، لحظة القصور والوصاية إلى لحظة الرشد والاستقلالية.
وعلى خلاف الانتقادات التي وجهها فلاسفة التفكيك وما بعد الحداثة إلى الحداثة، يرى هابرماس أن مشروع الحداثة لا يزال صالحًا للمستقبل، ولم يكتمل بعد، ولم يستنفد أغراضه. فالحداثة، في ثوابتها الكبرى، تعني العقلانية، والنقدية، والاستقلالية الذاتية، والتحرر الفردي والجماعي، وهي قيم لم تفقد راهنيتها أو زخمها التاريخي. كما أن التمييز الذي أقامته الحداثة بين دوائر الحقيقة (العلم)، والعدل (القانون والأخلاق)، والتعبير (الفن)، لا يزال تمييزًا مقبولًا ومفيدًا. ومن ثمّ، فإن الخلل لا يكمن في الحداثة ذاتها، بل في انحرافاتها واختلالاتها، الناتجة إجمالًا عن طغيان العقلانية الأداتية وتمددها إلى المجال الاجتماعي التواصلي.
لقد نجح المشروع العلمي التقني للحداثة بلا شك، وكانت نتائجه بالغة الأثر في تحسين الوضع الإنساني، غير أنه أفرز في المقابل تحديات خطيرة وغير مسبوقة، باتت تهدد النوع البشري نفسه، في الوقت الذي لم يشهد فيه المجالان الأخلاقي والجمالي تقدمًا مماثلًا. ومن هنا تبرز ضرورة إحداث التوازنات المطلوبة في ديناميكية الحداثة، من خلال تنشيط العقلانية التداولية، وتحرير المجال العمومي وتوطيده، والدفاع عن مشروع التنوير في أبعاده النقدية والتحررية، في مواجهة كل من النسبية التفكيكية والبيروقراطية التكنوقراطية الراديكالية.
وفي كتابه “الخطاب الفلسفي للحداثة”، الصادر في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، يوجه هابرماس نقدًا جذريًا للتيارات الفلسفية التي تقاسمت الإرث النتشوي-الهايدغري، ويقصد بذلك أساسًا الفلسفة الفرنسية المعاصرة في تجلياتها المختلفة، ولا سيما حفريات ميشال فوكو في كشفها عن تشابكات المعرفة والسلطة في الخطابات والممارسات الحديثة، والتفكيكية عند جاك دريدا في نزوعها إلى تقويض معايير الحقيقة والقيم، عبر نقد مركزية النطق والمعنى.
ويبيّن هابرماس أن أشكال النقد الفلسفي المعاصر للحداثة تنتهي إما إلى نزعة ارتكاسية تهدم المرجعية الوحيدة الممكنة للنقد والتجاوز، أي العقلانية البرهانية المستقلة، أو إلى تهافت داخلي لا مخرج منه، نظرًا للحاجة الإبستمولوجية الضرورية إلى مفهوم الحقيقة، ولو في صيغها ما بعد الميتافيزيقية.
لم يتعرف الفكر العربي المعاصر على فلسفة هابرماس إلا ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، وذلك في سياق التحولات التي عرفتها المدرسة الماركسية العربية، التي كانت قد خضعت سابقًا لهيمنة الأطروحات الحزبية الوثوقية الكلاسيكية، في صيغتيها اللينينية والمأوية. وقد استرعى اهتمام الماركسيين العرب آنذاك تحليل هابرماس للنقد الأيديولوجي، كما تجلى في كتابيه “العلم والتقنية من حيث هي أيديولوجيا” و’المعرفة والمنفعة”، في حين لم يُنقل عمله الأساسي “نظرية الفعل التواصلي” إلى اللغة العربية إلا في وقت متأخر.
صدر كتاب “نظرية الفعل التواصلي” سنة 1981، متزامنًا مع صدور كتاب محمد عابد الجابري “نقد العقل العربي”، الذي انتهج فيه مسلكًا كانطيًا كلاسيكيًا، مستبطنًا النقد التاريخي الأيديولوجي. غير أن هدف هابرماس كان مغايرًا، إذ انصبّ أساسًا على إنقاذ مسار الحداثة الغربية والدفاع عنه في مواجهة الراديكاليات النقدية الجديدة، بينما انحصر مشروع الجابري في البحث عن مدخل ناجع لتحديث الفكر العربي عبر قراءة نقدية للتراث.
وفي تسعينيات القرن الماضي، تحولت أدبيات ما بعد الحداثة إلى موضة فكرية في الساحة العربية، وأضحى حضور هابرماس مقلقًا لهذه الكتابات التي روّجت للتفكيكية، فتراجع الاهتمام به نسبيًا. غير أن التطورات اللاحقة كشفت الحاجة الملحّة إلى استئناف مسار الحداثة المتعطل، لا من منظور التشبع بالعقلانية الأداتية التي ينتقدها هابرماس، بل من منطلق الحاجة الموضوعية إلى العقلانية في وجهيها التقني والاجتماعي.