الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

يوم الصحة العالمي 2026: لماذا تُعدّ الحماية الاجتماعية الحلقة المفقودة لتحقيق العدالة الصحية في الأردن

مشاركة

بقلم: جولي هارناك، متدربة في المركز الاستراتيجي للنهضة

مراجعة خالد جمعة وأ. رامي قويدر

 

في السابع من نيسان/أبريل 2026، احتفل العالم بيوم الصحة العالمي تحت شعار: معًا من أجل الصحة: قفوا إلى جانب العلم. ويؤكد هذا الشعار أن الصحة ليست مؤشرًا منفصلًا، بل هي نتاج منظومات مترابطة، وسياسات قائمة على الأدلة، وعمل جماعي مشترك. وفي الأردن، ورغم التقدم الملحوظ في إصلاحات النظام الصحي، ما تزال مسيرة تحقيق العدالة الصحية موضع نقاش.

يُصنَّف الأردن ضمن الدول ذات الاستثمار المرتفع نسبيًا في القطاع الصحي، إذ ينفق ما بين 7.7% و8.1% من الناتج المحلي الإجمالي على الصحة، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 6% للدول ذات مستويات الدخل المماثلة. ويُقدَّر أن نحو 68% من الأردنيين مشمولون بشكل من أشكال التأمين الصحي. إلا أن هذا الرقم يُخفي تفاوتات هيكلية كبيرة؛ إذ يُظهر تحليل صادر عن منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط أن التغطية تتركز في التأمين المدني التابع لوزارة الصحة بنسبة 41.7%، ونظام الخدمات الطبية الملكية/العسكرية بنسبة 38.0%، بينما لا يغطي التأمين الخاص سوى نحو 12.4%، وغالبًا ما يعمل كتغطية تكميلية لا بديلًا كاملًا.

كما تتضمن خطة إصلاح التمويل الصحي والتغطية الصحية الشاملة للأعوام 2024–2030 إنشاء صندوق تأمين جديد لغير المؤمن عليهم من منتسبي المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بهدف التوسع التدريجي نحو شمول جميع السكان. ورغم طموح هذه الخطة، هناك إدراك واسع بأن البنية الحالية للتغطية ما تزال تُقصي أعدادًا كبيرة من الناس.

 

التحديات الأساسية: التجزؤ والعوائق الهيكلية

 

رغم هذه الإنجازات، يتسم نظام التمويل الصحي في الأردن بالتجزؤ، أي وجود صناديق تمويل متعددة ومتوازية ضمن القطاعين العام والخاص، يعمل كل منها وفق شروط أهلية مختلفة، وحزم منافع متفاوتة، وآليات دفع متباينة. وقد حدّدت مصفوفة التقدم في تمويل الصحة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية لعام 2024 هذا الواقع باعتباره عائقًا رئيسيًا، مشيرة إلى تداخل الأدوار بين الجهات الممولة ومقدمي الخدمات، وضعف الرقابة على القطاع الخاص.

 

وبما أن الأموال موزعة في صناديق منفصلة، فإن النظام لا يستطيع تحقيق التوازن الذاتي. فلا تتحقق آلية الدعم التبادلي، حيث تسهم اشتراكات الأصحاء والأكثر دخلًا في تغطية تكاليف المرضى والأقل دخلًا بالشكل المطلوب. وبدلًا من ذلك، ينتج عن النظام هياكل مكررة، وتكاليف أعلى، وضعف في التنسيق.

 

إضافة إلى ذلك، وبما أن معظم نظم التأمين الصحي ترتبط بالعمل الرسمي، سواء في القطاع العام أو الخاص، أو بالانتساب إلى النقابات المهنية، ومع كون ما بين 34.5% و36% من إجمالي الإنفاق الصحي يُدفع مباشرة من جيوب المرضى، تصبح الرعاية الصحية عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر.

 

وهنا تبرز نقطة توضيحية مهمة: فرغم أن قانون الضمان الاجتماعي الأردني ينص رسميًا على توفير التأمين الصحي، فإن تطبيقه يتطلب قرارًا منفصلًا من مجلس الوزراء، وهو معلق حاليًا بسبب ارتفاع الكلفة، حيث لم ينجح المقترح الذي طُرح عام 2022 لتفعيله. ولذلك تقتصر تغطية المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي حاليًا على إصابات العمل فقط. كما أن الاشتراك الرسمي في الضمان الاجتماعي لا يضمن بالضرورة الحصول على تأمين صحي، إذ لا يوجد إلزام قانوني على أصحاب العمل في القطاع الخاص بتوفير هذه التغطية، ما يجعل الأمر خاضعًا لتقدير صاحب العمل.

 

وهذا يعني أن شريحة واسعة من القوى العاملة، تُقدَّر بنحو 54% ضمن الاقتصاد غير المنظم بحسب تصريح وزاري حديث، وقد تصل إلى 59% وفق تحليل للبنك الدولي، معرضة لتكاليف صحية مرتفعة وشبكات أمان محدودة.

 

وبالتالي، يصبح الوصول إلى الرعاية الصحية محكومًا بوضع الفرد الوظيفي أكثر من حاجته الطبية، حيث تتحول الهشاشة الاقتصادية مباشرة إلى هشاشة صحية. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن الأردن يوفر مسارات تغطية إضافية خارج نطاق العمل الرسمي؛ إذ تقدم إدارة التأمين الصحي برنامج اشتراك طوعي سنوي بأقساط تختلف حسب العمر، إضافة إلى بطاقات موجهة لمستفيدي صندوق المعونة الوطنية ولمرضى السرطان غير المؤمن عليهم. كما تحظى النساء الحوامل، والأطفال دون السادسة، وكبار السن، بتغطية مدعومة من الحكومة، ويمكن للديوان الملكي الهاشمي إصدار إعفاءات علاجية للمواطنين غير القادرين على تحمل تكاليف العلاج. ورغم أهمية هذه الآليات، فإنها لا تزال غير كافية لسد فجوة العدالة الصحية.

 

أوجه عدم المساواة داخل نظام الضمان الاجتماعي

تُظهر البيانات الوطنية من مسح السكان والصحة الأسرية الأردني لعام 2023 تفاوتات واضحة في التغطية التأمينية بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. وفهم هذه الفجوات يتطلب النظر إلى نظام الضمان الاجتماعي، الذي يلعب دورًا مركزيًا في تشكيل فرص العمل والحماية الاجتماعية.

 

وفقًا للمراجعة الاكتوارية الحادية عشرة لمنظمة العمل الدولية لعام 2023، يقترب نظام الضمان الاجتماعي من نقطة تحول حرجة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 60% من المشتركين يتقاعدون مبكرًا. وبحلول عام 2030، يُتوقع أن تتجاوز مدفوعات التقاعد الاشتراكات المحصلة، وبحلول عام 2038 ستتجاوز كذلك عوائد الاستثمار. وإذا لم تُتخذ إجراءات إصلاحية، فقد تُستنفد الاحتياطيات بالكامل بحلول عام 2050.

 

ويركز مشروع إصلاح مقترح، أُقر مؤخرًا لإحالته إلى البرلمان، على قواعد التقاعد المبكر وسنوات الاشتراك. وخلافًا لما أُشير إليه سابقًا، فإنه لا يفرض اقتطاعات إلزامية جديدة للتأمين الصحي، إذ يتطلب تفعيل فرع صحي في الضمان تشريعًا منفصلًا. بل إن نظامًا صدر عام 2024 اتجه في الاتجاه المعاكس، عبر تخفيض نسب الاشتراك للعاملين في القطاع الخاص لتخفيف العبء عن الشركات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع العمل الرسمي. إلا أن باحثين بارزين في قضايا الضمان الاجتماعي يرون أن هذه التعديلات قد تكون حلًا مؤقتًا أكثر منها معالجة هيكلية، وقد تُثقل كاهل الفئات الأضعف، مثل العاملين في الشركات الصغيرة، والنساء، ومن لديهم مسارات عمل متقطعة لن تمكّنهم من استكمال ثلاثين سنة اشتراك.

 

تواجه النساء عوائق هيكلية في الوصول إلى الضمان الاجتماعي والاستفادة منه، لا سيما بسبب انتشار مشاركتهن في العمل غير المنظم وغير مدفوع الأجر. وتظهر الفجوة الجندرية بوضوح؛ إذ يفيد تقرير صادر عن HelpAge International لعام 2024 أن النساء لا يشكلن سوى نحو 18% من متلقي رواتب التقاعد القائمة على الاشتراكات. كما تُرجع دراسة صادرة عن تمكين عام 2023 هذا الواقع إلى الخروج المبكر من سوق العمل، والانقطاعات المتكررة في مسار الاشتراكات.

 

وعلى مستوى التأمين الصحي، يُظهر مسح السكان والصحة الأسرية الأردني لعام 2023 أن نحو 69% من النساء المتزوجات حاليًا أو سابقًا بين 15 و49 عامًا يمتلكن نوعًا من التأمين، إلا أن نوع التغطية يختلف بحدة حسب شريحة الدخل؛ فالتأمين الخاص يتركز بين الأعلى دخلًا، بينما تعتمد النساء منخفضات الدخل بدرجة أكبر على نظم عامة محدودة أو يبقين دون تأمين. ويعكس ذلك كلًا من اختلالات سوق العمل والخصائص الهيكلية للنظام نفسه. كما أن احتساب المعاشات على أساس الراتب النهائي يفيد أصحاب الدخول الأعلى بصورة أكبر، بينما يحصل أصحاب الدخول المحدودة على منافع غير كافية، ما يضعف الوظيفة التوزيعية للضمان الاجتماعي ويحد من فعاليته كأداة للعدالة الاجتماعية.

 

آفاق المستقبل: لحظة سانحة

يستضيف الأردن أحد أعلى معدلات اللاجئين نسبةً إلى عدد السكان في العالم. ومعظمهم غير مدمجين رسميًا ضمن نظم التأمين الصحي الوطنية. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن اللاجئين في المرافق الصحية الحكومية يُعاملون عمومًا على الأساس ذاته المطبق على الأردنيين غير المؤمن عليهم، ما يعني أن الدولة تتحمل جزءًا كبيرًا من تكاليف رعايتهم الصحية.

ويؤكد ملف مشروع صادر عن الشؤون العالمية الكندية لعام 2025 أن السياسة الحكومية تقوم على تقديم الخدمات الصحية للاجئين بنفس الرسوم المطبقة على الأردنيين غير المؤمن عليهم، فيما يعمل صندوق الأردن الصحي للاجئين، وهو آلية متعددة المانحين داخل وزارة الصحة، على سد الفجوة المتبقية في التكاليف. كما تشير مصفوفة التقدم في تمويل الصحة لعام 2024 إلى أن البرامج الأصغر المخصصة للاجئين استُبعدت من التحليل الأساسي، بما يعكس استمرار الفصل الهيكلي بين هذه الفئات والترتيبات الوطنية للتمويل الصحي. وأي قراءة صادقة للعدالة الصحية في الأردن يجب أن تشمل السكان اللاجئين، وأن تعترف في الوقت ذاته بالتزام الدولة القائم، وبالهشاشة الكامنة في نموذج ما يزال يعتمد على استمرارية التمويل الدولي.

 

رغم التحديات الهيكلية المشار إليها، توجد أسباب حقيقية للتفاؤل الحذر. فالأردن يواصل الانخراط في إصلاحات ونقاشات تتعلق بتوسيع التغطية التأمينية للفئات غير المشمولة، مع الاعتراف بأن النظام الحالي يواجه ضغوطًا، وأن التعديلات الهيكلية ضرورية لحماية الأجيال القادمة. ونادرًا ما تتحقق الإصلاحات الصعبة من دون نقاش مجتمعي، وكون هذه الحوارات تُجرى علنًا في البرلمان، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، هو بحد ذاته مؤشر على وجود مسار إصلاحي فاعل.

 

توصيات ختامية

ولسد هذه الفجوات وتحقيق وصول أكثر عدالة إلى الرعاية الصحية، وبناء تغطية تأمينية أكثر تكاملًا، توصي الورقة بما يلي:

  1. دمج الصحة والحماية الاجتماعية: يجب مواءمة سياسات تمويل الصحة مع إصلاحات الضمان الاجتماعي لضمان ألا يؤدي فقدان العمل أو العمل غير المنظم إلى فقدان الحق في الرعاية الصحية. وينبغي إعادة النظر في المسار القانوني لتفعيل التأمين الصحي في الضمان الاجتماعي ضمن خارطة طريق مالية واقعية.
  2. التنظيم والدعم: إنشاء آليات تأمين خاصة للعاملين في الاقتصاد غير المنظم والفئات الهشة خارج الإطار الحالي للضمان، بما يقلل الاعتماد على الدفع المباشر من الجيب. كما ينبغي التوسع في الأدوات القائمة، مثل التأمين الطوعي، وبطاقات صندوق المعونة الوطنية، وبطاقة شفاء لمرضى السرطان، وتحسين التعريف بها.
  3. توحيد الشراء وتجميع الموارد: التحول نحو نموذج أكثر توحيدًا في التمويل الصحي، بما يقلل الهدر ويضمن توزيعًا أكثر عدالة للموارد الطبية، انسجامًا مع توصيات منظمة الصحة العالمية.
  4. شمول اللاجئين في التخطيط الوطني: الانتقال من نموذج تكميلي يعتمد أساسًا على المانحين إلى نموذج يدمج السكان اللاجئين بشكل منهجي ضمن أطر التخطيط الصحي الوطني، من خلال نهج تقاسم المسؤولية بين الحكومة والمانحين والجهات الدولية، بما يضمن التزامًا دوليًا مستدامًا ومتسقًا مع الأنظمة الوطنية.

 

ومن خلال ربط الحلقات المفقودة، يمكن لحماية اجتماعية أكثر تكاملًا واتساعًا أن تشكل الأساس للحقوق الصحية، والعدالة، وإمكانية الوصول إلى الخدمات. وعمليًا، يعني ذلك ثلاثة أمور رئيسية:

  • أولًا، فصل أهلية التغطية الصحية عن الوضع الوظيفي، عبر تفعيل وتمويل فرع التأمين الصحي في الضمان الاجتماعي ضمن إطار قانوني ومالي مخصص.
  • ثانيًا، توحيد الصناديق المجزأة ضمن آلية شراء موحدة تتيح دعمًا تبادليًا حقيقيًا.
  • ثالثًا، توسيع البرامج الموجهة القائمة والتعريف بها، مثل التأمين الطوعي، وبطاقات المعونة الوطنية، والإعفاءات الطبية، حتى يتمكن من هم خارج المنظومة الرسمية من الوصول إليها بوضوح وموثوقية.

 

وعندما تتمكن شبكات الحماية الاجتماعية من شمول جميع فئات المجتمع، ينتقل النظام من نهج مجزأ إلى منظومة موحدة تضمن للفئات الأكثر هشاشة وصولًا عادلًا إلى الرعاية الصحية، لا بوصفه امتيازًا مرتبطًا بالوظيفة، بل حقًا أصيلًا للجميع.