الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

التعليم تحت القصف: الأمل والصمود في غزة في اليوم الدولي للتعليم 2026

مشاركة

بقلم أبيغيل هاربر متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي

يُعدّ شعار «التعليم للجميع» التزامًا تجدّده الأسرة الدولية سنويًا في 24 كانون الثاني/يناير، وهو اليوم الدولي للتعليم. وقد أُقرّ هذا اليوم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 73/25 عام 2018، ليؤكد على الدور المحوري للتعليم في تحقيق المساواة، وبناء القدرة على الصمود، وضمان الأمن والرفاه على المدى الطويل، ولا سيما للمجتمعات التي تعاني من النزوح والعنف وعدم الاستقرار. ومن خلال إحياء هذا اليوم، تسعى الأمم المتحدة إلى رفع مستوى الوعي وتشجيع العمل والاستثمار العالميين لضمان تعليم شامل ومنصف وجيد للجميع. ويؤكد إحياء هذا اليوم سنويًا أن الوصول إلى التعليم ليس مجرد هدف سياسي، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان وركيزة لبناء مجتمعات شاملة.

يتزامن اليوم الدولي للتعليم هذا العام مع الجهود العالمية الرامية إلى إعادة بناء البنية التحتية التعليمية في غزة، حيث حُرم 408,000 طفل في سنّ الدراسة (أي ما نسبته 62% من إجمالي السكان) من الوصول إلى أي شكل من أشكال التعليم خلال العامين الماضيين. أما ما تبقى من فرص تعليمية لما يقارب 250,000 طفل، فقد توفّر عبر مساحات تعليمية مؤقتة، بما في ذلك تلك التي تديرها الأونروا، إضافة إلى برنامج التعلم عن بُعد التابع لها. وقد شكّل البدء الرسمي للعام الدراسي في أيلول/سبتمبر في الأرض الفلسطينية المحتلة بداية العام الدراسي الثالث على التوالي الذي يُحرم فيه نحو 658,000 طفل في غزة من حقهم في تعليم كامل.

ولا يمكن التقليل من حجم تأثير هذا الحرمان. فقد حذّرت دراسة دولية حديثة أعدّتها جامعة كامبريدج بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من خطر نشوء «جيل ضائع» من الأطفال في غزة. وقد نُشرت الدراسة مطلع عام 2026، وسلّطت الضوء على الحجم الحقيقي لأزمة التعليم في منطقة النزاع. ووفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) حتى 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025، قُتل 18,069 طالبًا و780 من العاملين في قطاع التعليم، وأُصيب 26,391 طالبًا و3,211 معلمًا. إضافة إلى ذلك، تحتاج نحو 92% من مدارس غزة إلى إعادة بناء كاملة نتيجة الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية.

وقد خلّف عامان من النزاع في الأرض الفلسطينية المحتلة آثارًا تعليمية وجسدية ونفسية خطيرة على الطلبة والمعلمين، إلى درجة أن إعادة فتح المدارس حتى في ظل وقف إطلاق النار ليست مهمة سهلة. ففي أيلول/سبتمبر، ومع انطلاق العام الدراسي، صرّح المفوض العام للأونروا قائلًا: “اليوم، وبدلًا من العودة إلى المدارس كما يفعل معظم أطفال العالم، سيجد نحو 660,000 فتاة وفتى في غزة أنفسهم ينقّبون بين الأنقاض، يائسين، جائعين، مصدومين نفسيًا، وغالبيتهم فاقدون لأحبّتهم. وكلما طال بقاؤهم خارج المدارس وهم يعانون من الصدمة، ارتفع خطر أن يصبحوا جيلًا ضائعًا، بما يزرع بذورًا لمزيد من الكراهية والعنف”

ولا يُعدّ غياب البنية التحتية العائق الوحيد أمام التعليم. فثمة عوامل أخرى تحدّ من الوصول إليه، من بينها الخوف الذي يدفع آلاف المعلمين إلى ترك وظائفهم، أو يمنع الأهالي من إرسال أطفالهم إلى المدارس خشية المخاطر الجسدية التي قد يتعرض لها أبناؤهم أثناء التنقل أو داخل الصفوف الدراسية.

وعلى الرغم من هذه المخاطر، تواصل العديد من العائلات إرسال أطفالها إلى المدارس، إدراكًا منها بأن التعليم هو المفتاح لمستقبلهم. وينطبق ذلك على ما يُعرف بـ«المنطقة الصفراء» في غزة، حيث اضطرت العائلات إلى إنشاء «مدارس خيام» بدائية على مقربة خطرة من القوات الإسرائيلية، وغالبًا ما تتعرض لإطلاق نار، ما يجبر الأطفال على وقف تعلمهم والاستلقاء أرضًا إلى أن يتوقف القصف. وفي هذا السياق قال بيتر سلامة، المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: “إن الأثر المدمّر للنزاع يطال الأطفال في مختلف أنحاء المنطقة. فالأمر لا يقتصر على الدمار المادي الذي يلحق بالمدارس، بل يشمل أيضًا اليأس الذي يشعر به جيل كامل من التلاميذ الذين يرون آمالهم ومستقبلهم يتحطمان”.

ومن المهم التأكيد على أن تدمير البنية التحتية التعليمية ليس مجرد أثر جانبي للنزاع. فـالإبادة التعليمية (Scholasticide) أي التدمير المنهجي والمتعمّد للنظام التعليمي في منطقة ما، تُعد جزءًا من خطة طويلة الأمد لمحو المعرفة والثقافة الفلسطينية، وتقويض قدرة الناس على إعادة البناء، ماديًا وفكريًا. وقد أعرب خبراء الأمم المتحدة في نيسان/أبريل 2024 عن قلقهم إزاء نمط الهجمات التي تستهدف المدارس والجامعات والمعلمين والطلبة، داعين الأطراف إلى الالتزام بالتدابير التي أمرت بها محكمة العدل الدولية في كانون الثاني/يناير. ومع ذلك، وبعد أكثر من عام ونصف، لم يبذل المجتمع الدولي سوى القليل لمنع القوات الإسرائيلية من استهداف المرافق التعليمية في محاولة لإعاقة التطور الثقافي والفكري لجيل كامل من الغزيين. وحتى في 6 كانون الثاني/يناير الماضي، أُصيب أحد عشر طالبًا فلسطينيًا بجروح عندما داهمت القوات الإسرائيلية حرم جامعة بيرزيت شمال رام الله، وأطلقت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع.

ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك بعض بواعث الأمل. فالمبادرات الرائدة، مثل برنامج «التعلّم الأفضل» المموّل من مبادرة “التعليم لا ينتظر Education Cannot Wait“، تجمع بين المعلمين ومقدمي الرعاية والمرشدين النفسيين لتهيئة بيئات تعليمية آمنة وداعمة تساعد الأطفال على التكيّف. ويُسهم الجمع بين التعليم الأساسي، بما في ذلك اللغة العربية والرياضيات، وأدوات علاجية مثل تمارين التنفس، وسرد القصص، والرسم الموجّه، في مساعدة الأطفال على معالجة الصدمات والتوتر، واستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية، وبث الأمل.

وخلال وقف إطلاق النار مطلع عام 2025، أُعيد فتح المدارس بسرعة لافتة. ففي أيلول/سبتمبر، وعلى الرغم من التحديات الهائلة، تقدّم 28,200 طالب في غزة لامتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) عبر الإنترنت. وقد وصف أحد المعلمين تحقيق هذا الإنجاز بأنه «معجزة»، في شهادة على الصمود الاستثنائي للشباب الفلسطينيين.

كما ظهرت مؤشرات إيجابية في مجال التعليم العالي. ففي نهاية كانون الأول/ديسمبر، أُقيم حفل تخرّج لـ170 طبيبًا جديدًا في بقايا مستشفى الشفاء بمدينة غزة. وعلى الرغم من الدمار الواسع، حيث دُمّرت معظم مباني المستشفى ومعداته أو أصبحت غير صالحة للاستخدام نتيجة الهجمات الإسرائيلية خلال الإبادة، اجتمع الأصدقاء والعائلات للاحتفال بهذا الإنجاز، وهو الحصول على شهادة المجلس الطبي الفلسطيني، أعلى شهادة تخصص طبي في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وتُظهر هذه النجاحات أن الأمل لا يزال حاضرًا في غزة. ومع ذلك، ما تزال ثلاثة تحديات رئيسية تعيق وصول الطلبة إلى التعليم: المخاطر الأمنية، ونقص البنية التحتية، والنقص الحاد في أعداد المعلمين، وهي مشكلات تتفاقم بفعل استمرار النزاع. ولم توضح الإعلانات الأخيرة المتعلقة بـ«مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس ترامب ما إذا كانت هناك خطط لمعالجة هذه العقبات في إطار إعادة بناء النظام التعليمي في غزة. ومع ذلك، يظل التوصل إلى اتفاق سلام دائم ومستدام الخطوة الأولى والأساسية لتحقيق هذا الهدف. وعندها فقط يمكن حشد الموارد الضخمة اللازمة لمعالجة الآثار الجسدية والنفسية للنزاع، وإتاحة الفرصة أمام المدارس والمعلمين والطلبة للتعافي. وحتى ذلك الحين، تبقى المنظمات الخيرية وشبكات المتطوعين المحليين التي توفر مساحات تعليمية مؤقتة المصدر الرئيسي للأمل التعليمي لأطفال غزة.

وبالنسبة للأطفال والشباب الذين ينشؤون في ظل نزاعات مطوّلة وأزمات إنسانية، يمكن أن يشكّل التعليم النوعي والشامل شريان حياة حقيقيًا. فهو يوفر الإحساس بالأمان والروتين والأمل وسط الصدمة، ويزوّد الطلبة بالمعرفة والمهارات اللازمة للتعافي وإعادة بناء مجتمعاتهم بعد انتهاء النزاع. إن التعليم في مناطق الصراع ليس مجرد حق أساسي، بل أداة حيوية لبناء السلام وتعزيز الصمود وبعث الأمل. ويُعدّ الاعتراف بالتحديات والنجاحات المرتبطة بالتعليم في غزة خطوة أساسية لتحديد المراحل التالية اللازمة لاستعادة مجتمع قادر على دعم تنمية الأجيال القادمة. ويؤكد إحياء هذا الواقع في اليوم الدولي للتعليم أن التعليم ليس خدمة تقنية فحسب، بل أداة إنسانية محورية لإعادة بناء الحياة وصون الأمل في بيئات يخيّم عليها اليأس.