الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

الحداثة ومسارات الذاتية: اللحظة الهيغلية
بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

يعرف الفيلسوف الألماني الشهير “هيغل” مبدأ العصور الحديثة بكونه الوعي بالذات، الذي هو ظاهرة كبرى تختلف نوعيًا عن العصور الكلاسيكية القديمة. في مختلف أعماله من ظاهريات الروح إلى فلسفة القانون ودروسه في فلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة، لم ينفك “هيغل” يتتبع هذه الحركية الذاتية في أصولها، وجوانبها المختلفة وتشكلاتها المتعددة.
الذاتية تعني تأكيد حرية الإنسان، واستقلاليته وقدرته على التفكير العقلاني وفق المنظور الكوني الشمولي للعقل.

في ظاهريات الروح، الكتاب الذي خصصه “هيغل” لتتبع سيرورة الذات من مستوى اليقين الحسي إلى المعرفة المطلقة، يبين أن الحداثة تتميز بخروج الوعي من الاستلاب في الموضوع الخارجي، أي معرفة العالم الموضوعية إلى إدراك كونه مصدر المعنى والحقيقة. لقد بدأ هذا المسار مع اللحظة المسيحية، لكن الوعي ظل خلالها شقيًا ومتصدعًا بين المتناهي واللامتناهي (بين الإله، والإنسان، والمثال والواقع). لقد تجاوز الوعي في هذه اللحظة الكلية المتناغمة بمعنى انسجام الفرد والمدينة في العصر اليوناني، كما تجاوز مفهوم الإله المجرد والشخصية القانونية في العهد الروماني، ومن ثم اكتشف مقولة الحرية بصفتها إرادة ذاتية داخلية هي أساس القيمة المطلقة للإنسان، لكنها حرية مجردة باطنية تحتاج إلى الاعتراف وإلى الوساطة المؤسسية المتعينة.

ذلك مضمون “جدلية السيد والخادم” التي هي المحطة الكبرى في العصور الحديثة، وهي ترمز إلى بحث الوعي عن الاعتراف المتبادل بما هو شرط تحقق الحرية التي لا يمكن أن تكون مجرد شعور داخلي مباشر.

إلا أن لحظة التنوير من حيث هي مرحلة حاسمة في مسار الحداثة وأهم تجلياتها التاريخية هي الثورة الفرنسية التي قدمت تصورًا راديكاليًا للحرية يقوم على تحطيم النظام القديم وتأكيد مفهوم مجرد للمساواة بين البشر، وبهذا المعنى السلبي العدمي للحرية، آلت الحرية إلى العنف الدموي المتولد عن الفهم الإطلاقي للذاتية دون وسائط مؤسسية.

لا يمكن للحرية أن تبقى باطنية مجردة، بل لا بد لكي تكون لها دلالة فعلية أن تتجسد في أشكال قانونية وسياسية قادرة على التوفيق بين الوعي الذاتي والعالم الاجتماعي المدني.

هكذا تكون الحداثة بالنسبة لهيغل أكثر من مجرد حقبة تاريخية زمنية، بل هي محطة اكتمال مسار الوعي، عندما تصبح الحرية كونية وواعية بذاتها. ذلك ما يتحقق مع الدولة الحديثة التي يتم عبر هياكلها العمومية التوفيق الضروري بين الذات والموضوع، العقل والتاريخ، الذاتية والكونية.

لقد كُتب الكثير حول تقديس “هيغل” للدولة الوطنية، واعتبر البعض (وبصفة خاصة “كارل بوبر” في كتابه الشهير: المجتمع المفتوح وأعداؤه) أن مقاربة “هيغل” تفضي إلى تكريس نمط من الاستبدادية القصوى باسم قوة الدولة القاهرة واحتوائها لكل مضامين الحرية والذاتية. إلا أن هذا التأويل لا يستقيم مع القراءة المعمقة لكتابات “هيغل” القانونية والسياسية، فالرجل لا يفتأ يؤكد أن الدولة الحديثة لا تكون مشروعة وفاعلة إلا إذا استبطنت مبدأ الحرية الذاتية المطلقة وحيوية المجتمع المدني وتناقضاته، وليست صياغتها التأليفية سوى التعبير عن استيعاب هذه اللحظات الهامة التي هي في آن واحد محطات لتشكّل الوعي ومكاسب تاريخية للعصور الحديثة لا يمكن التفريط فيها أو الاستغناء عنها.

في القراءات الجديدة لفلسفة “هيغل” السياسية، أصبح التركيز متمحورًا حول نظريته في الاعتراف التي تؤسس لمفهوم الحرية الإيجابية الموضوعية، مقابل التصورات الليبرالية الكلاسيكية التي تختزل مفهوم الحرية في النفي والسلب.

في هذا السياق، نشير إلى القراءة المتميزة التي يقدمها “أكسيل هونت” لفلسفة “هيغل” القانونية والسياسية في كتابه “الصراع من أجل الاعتراف”، مبينًا أن “هيغل” يفرق بين دوائر ثلاث متمايزة هي دائرة الاعتراف العاطفي التي تتجسد في تجارب الحب والترابط الشعوري داخل الأسرة والصداقة حيث تسود الثقة بالنفس، ودائرة الاعتراف القانوني التي تتأسس على المساواة والحقوق الفردية وقاعدتها هي الاحترام الذاتي، والدائرة الاجتماعية التي هي مجال التدافع والتداخل في النظام المدني السياسي في دولة كلية شاملة.

“هيغل” من هذا المنظور، يظل فيلسوفًا ليبراليًا يؤمن بالحرية الفردية ومدونة حقوق الإنسان، لكنه يرفض الحرية الصورية الموغلة في الفردية، ويرى أن الحرية الحقيقية يجب أن تكون اجتماعية ومؤسسية قائمة على التعاون الاعترافي، بما يقتضي ضمان شروط الاعتراف الكامل ومواجهة شتى أنواع الغبن، والكراهية والتفاوت الاجتماعي.

لقد أخطأ “يورغن هابرماس” في قوله إن نظرية “هيغل” السياسية تنفي حقيقة السيادة الشعبية التي هي مرتكز الليبرالية الحديثة بإخضاعها المجتمع المدني للدولة والقانون للسياسة، والحال إن هيغل أدرك بحدس ثاقب أن المنطق السياسي للدولة الحديثة لا يمكن اختزاله في مثال الحرية الفردية المطلقة (الذي يظل في نهاية المطاف القاعدة المعيارية للعقل السياسي الحديث)، فالطابع المؤسسي الاختلافي لهذه الدولة يجعلها تتجاوز الأطر الضيقة للفردية الذاتية وهو شرط منح الوعي بالحرية مضمونًا فعليًا متعينًا.
في كتابه “مفهوم الدولة”، ينتقد المفكر المغربي عبد الله العروي التصور العربي السائد للدولة، بصفتها مجرد تحقيق لأهداف أخلاقية دينية أو تعبير عن هوية جماعية، مبينًا من منظور هيغلي الحاجة التاريخية للدولة بصفتها المقتضى الجذري للتحديث السياسي والاجتماعي. بيد أن العروي يتحرر بوضوح من نظرية الوعي الهيغلية وما يتعلق بها من فلسفة الاعتراف، التي اعتبر “ألكسندر كوجيف” (أحد أهم المتخصصين المعاصرين في فلسفة هيغل) أنها المدخل الحقيقي إلى مشروع هيغل الفكري.

ما يهم العروي هو مصالحة الفكر العربي مع الدولة التي تنظر إليها في الأدبيات السلطانية التراثية كمجرد مؤسسة سياسية تقوم على الغلبة والعنف، في حين رأى فيه الأيديولوجيون المعاصرون تعبيرًا عن هوية الأمة، لا مشروعًا سياسيًا حداثيًا يغير نوعيًا قواعد النظر والممارسة في المجتمعات العربية.

بيد أن سردية الاعتراف فرضت نفسها في السنوات الأخيرة على الفكر العربي، في سياق الجدل المتجدد حول التركة الليبرالية، وهكذا تم اكتشاف جانب جديد من الهيغلية ما يزال محدود الأثر والتأثير في الخطاب العربي المعاصر.