الموقع تحت الإنشاء

النسخة التجريبية من موقع النهضة العربية (أرض)

The Website is Under Construction

This is beta version of ARDD's website

موجات الحداثة وأزمة العدمية الراهنة، بقلم د. السيد ولد أباه المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

مشاركة

في مقالة شهيرة بعنوان “موجات الحداثة الثلاث” (The Three Waves of Modernity)، يتحدث الفيلسوف الألماني الأمريكي ليو شتراوس (ت. 1973) عن أهم محطات مسار الحداثة الغربية من منظور مقارن بالفكر السياسي الكلاسيكي.
المحطة الأولى للحداثة تشكّلت من اللحظة الليبرالية التأسيسية كما برزت لدى ماكيافيلي، ومن بعده توماس هوبز. في هذه اللحظة تكرّست القطيعة مع الفلسفة اليونانية والوسطية التي كانت تتمحور حول مثال الحياة السياسية القائمة على الفضيلة والعدالة، وأصبح الاتجاه المسيطر على الفكر السياسي هو الواقعية والنجاعة العملية. ومن هنا أُزيحت الموضوعات الأخلاقية بما كانت تسعى إليه من مطلب الخير المشترك، وأصبح التركيز على الطريقة التدبيرية الإجرائية للسلطة من منطلق الأمن والسلم الأهلي.
لقد كان ماكيافيلي هو أول من أرسى القطيعة مع الأخلاق المسيحية، وفصل بين معايير الفعل وأحكام الواقع، معتبرًا أن غاية السياسة تنحصر في نجاعة الحكم واستمراريته، لا في الخير المدني ولا الفضيلة العملية. ولقد انطلق ماكيافيلي من منظور متشائم للطبيعة الإنسانية، معتبرًا أن البشر أنانيون يميلون للعنف ولا ينقادون إلا للعنف والمكر؛ ولذا فإن الحاكم لا بد أن يكون قاسيًا مستبدًا للتعامل مع تحديات الحياة الجماعية القائمة على الخوف والمصلحة والتقدير، لا المجد والفضيلة.
ورغم أن هوبز يستخدم أسلوبًا أعمق وأكثر لباقة من ماكيافيلي، إلا أنه ينطلق من نفس المرجعية الأنثروبولوجية في فهم الإنسان وتصور الممارسة السياسية. فبالنسبة له، الوضع الطبيعي للإنسان هو القساوة والعنف والأنانية، ومن هنا لا يمكن أن تتأسس الحالة المدنية إلا على مطلب الأمن والخروج من الحرب الداخلية الشاملة.
في حالة الطبيعة، تحرك الإنسان الرغبة في الحفاظ على وجوده وحياته، ومن هنا حرصه على تنظيم وضعه السياسي وفق شروط العقد الاجتماعي الذي يضمن الخضوع لسلطة سيادية شاملة، تكتسي شرعيتها من الحاجة العملية إلى السلم والأمن، وليس من أهداف أخلاقية عليا. وهكذا تكون العدالة حالة قانونية مصطنعة، لا وضعًا طبيعيًا للبشر كما كان يقول أرسطو.
لا يتردد شتراوس في القول إن ماكيافيلي وهوبز مسؤولان عن “انحطاط الفلسفة الكلاسيكية” (أي اليونانية والعربية اليهودية الوسيطة) بتغيير سؤال السياسة من البحث عن الخير والعدالة الطبيعية والفضيلة إلى سؤال القانون التعاقدي النفعي الهادف إلى تأمين السلم والاستقرار. وهكذا تفقد السياسة سمتها المقدسة ومقوماتها الأخلاقية، وتصبح مجرد مدونة إجرائية للحفاظ على العيش في حدوده الدنيا، كما يفقد الإنسان هويته القيمية من حيث هو حيوان سياسي عقلاني تحركه مثل السعادة والكمال، ليغدو مجرد كائن توجهه الغرائز السلبية والأهواء الأنانية العنيفة. لم تعد السياسة تربية خلقية، وإنما تقنية إجرائية لا مجال فيها للحقيقة والخير، بل مجرد التحكم والسيطرة.
الموجة الثانية هي النزعة التاريخانية ونقد العقل كما برزت لدى جان جاك روسو، الذي إن أناط اللثام عن إشكالية التنافر بين الطبيعة الإنسانية والمجتمع المدني، إلا أنه لم يرجع إلى المنظور الأخلاقي العقلاني للفلسفة الكلاسيكية، بل إنه غرس فكرة محورية السياق الزمني في تشكل الحقائق والأنساق العقلانية بدلًا من المنظور الوجودي الكوني الذي كان قائمًا في الفكر اليوناني والوسيط.
لقد انتبه روسو إلى المعضلة الأخلاقية للحداثة، لكنه لم يرجع إلى سؤال الخير الجماعي، بل أراد الحفاظ على الجوهر الطبيعي للإنسان من حيث هو في أصله (على عكس قول هوبز) ينتظم حسب معايير الفضيلة والطيبوبة. لقد أكد أن الأنانية والخوف والعنف من شوائب الحالة الاجتماعية، وأن الحرب ليست طبيعية بل ظاهرة تاريخية. ومن هنا اعتبر أن العقد الاجتماعي لا بد لكي يكون شرعيًا وعادلًا أن يكرس الإرادة المشتركة من حيث هي حالة قانونية كونية وأخلاقية. كما أنه، على عكس هوبز، لم يستنتج من مفهوم السيادة الخضوع الإلزامي إكراهًا، بل الانسياق لقوانين يضعها الإنسان بنفسه ويراهـا معبرة عن حريته الجماعية.
إلا أن شتراوس ينتقد بشدة روسو، ويرى أنه وضع يده على مأزق الحداثة المنفصمة مع الأخلاق والطبيعة، لكنه بدلًا من أن يرجع للفلسفة الكلاسيكية اختار تعميق هذا المأزق من خلال تصوره التاريخاني الذي يلغي عمليًا جوهر الطبيعة الوجودية الثابتة التي هي الخلفية القصوى للفكر السياسي التقليدي.
الموجة الثالثة تتمثل في دفع هذه النظرة التاريخانية النسبية إلى مداها الأقصى، بما نلمسه بوضوح في فلسفة نيتشه ونقده الراديكالي للأخلاق، حيث تنتفي كل معايير الخير والشر والحقيقة والخطأ، أي كل ما يشكل الأرضية الموضوعية للقيم، بما يفسح المجال للحالة العدمية المهيمنة على الإنسانية راهنًا.
نيتشه كما يراه شتراوس هو آخر كبار فلاسفة الغرب المحدثين، وهو أول من أدرك بوضوح أن الحداثة دمرت نهائيًا الأسس الميتافيزيقية والأخلاقية للبشرية، وقوضت كل تصور للحقيقة المتعالية والخير الفطري. ولذا لا خلاف على طبيعة تشخيصه للحداثة، لكنه أخطأ خطأ جسيمًا عندما فصل جذريًا بين الحقيقة والوجود، واعتبر أن القيم والمعارف ليست سوى تعبير عن إرادة القوة، بما يعني إلغاء كل إمكانية للوصول إلى حقائق موضوعية ومعايير سلوكية عادلة. لقد كان نيتشه خاتمة المسار الحداثي الذي انطلق مع ماكيافيلي وهوبز، وأخطر ما حمله فكره هو القضاء على مشروع الفلسفة ذاتها من حيث هي بحث عن الحقيقة والفضيلة، وليس البديل الذي يقترحه سوى العنف والعدمية والذاتية الانطباعية المنغلقة.
مع أن الفكر العربي لم يكتشف ليو شتراوس إلا متأخرًا وبصفة جزئية، إلا أنه نظر إليه غالبًا كفيلسوف معادٍ للحداثة، له حنين إلى الفلسفة الكلاسيكية. والحال أنه، وإن كان ينتقد بعض السمات السلبية في الحداثة مثل الوضعية النفعية والعدمية الأخلاقية والتاريخانية الغائية، إلا أنه لا يدعو إلى الرجوع للأشكال السياسية القديمة، بل يتشبث بالقيم الليبرالية وأفكار الحرية والتقدم الاجتماعي. وحاصل الأمر أن نقد شتراوس للحداثة السياسية يندرج في سياق إصلاحي تجديدي يهدف إلى الحفاظ على جوهر المشروع الفلسفي في ثوابته الكبرى، التي هي العقلانية المدنية والتداولية الحرة.