عمال توصيل الطعام في الأردن وشهادة الخلو من الأمراض: قراءة في الإطار القانوني والإجرائي

بقلم أ. رامي قويدر، المستشار القانوني في منظمة النهضة (أرض) في بيان صحفي حديث، أكدت المؤسسة العامة للغذاء والدواء ضرورة حصول العاملين في مجال توصيل الطعام على شهادات صحية تثبت خلوهم من الأمراض، وأوضحت أنها تنفذ حملات رقابية بالتنسيق مع هيئة تنظيم قطاع الاتصالات لمتابعة التزام العاملين بهذا الشرط، كما خاطبت الهيئة لتعميم هذا الالتزام على جميع الجهات العاملة في قطاع توصيل الطعام. ولا يُعد هذا الإعلان استحداثاً لالتزام جديد، بقدر ما يمثل تفعيلًا وتأكيدًا لتطبيق التزام قانوني قائم بموجب التشريعات الأردنية الناظمة لسلامة الغذاء، والتي تُلزم كل من يتعامل مباشرة مع الغذاء – تحضيراً أو نقلاً أو تسليماً – بالحصول على شهادة صحية سارية المفعول. ويُصنّف سائقو توصيل الطعام قانوناً ضمن هذه الفئة، باعتبارهم يتولون الحلقة الأخيرة من سلسلة تداول الغذاء قبل وصوله إلى المستهلك. الأساس القانوني للالتزام يستند هذا الشرط إلى أحكام كل من قانون الغذاء رقم (30) لسنة 2015 وقانون الصحة العامة رقم (47) لسنة 2008 والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاهما، وذلك على النحو الآتي: أولاً: تعريف تداول الغذاء يشمل النقل والتسليم تنص المادة (2) من قانون الغذاء على أن تداول الغذاء يشمل مراحل إنتاج الغذاء أو تصنيعه أو تحضيره أو معالجته أو تعبئته أو تغليفه أو تجهيزه أو نقله أو حيازته أو تخزينه أو توزيعه أو عرضه للبيع أو بيعه. وبناءً على هذا التعريف، يدخل سائق التوصيل ضمن فئة “متداولي الغذاء”، لأنه يتولى مرحلتي النقل والتسليم تحديداً، الأمر الذي يبرر سريان الاشتراطات الصحية المقررة على متداولي الغذاء عليه. ثانياً: صلاحية التفتيش على العاملين تنص المادة (4) من قانون الغذاء على أن من مهام المؤسسة العامة للغذاء والدواء التفتيش على أي مكان يتم فيه تداول الغذاء وعلى العاملين فيه. وتشكل هذه المادة الأساس القانوني المباشر للحملات الرقابية التي تنفذها المؤسسة للتحقق من التزام عمال التوصيل بالحصول على الشهادة الصحية. ثالثاً: استبعاد العامل المصاب تنص المادة (17/أ) من قانون الغذاء على إلزام المنشأة الغذائية بتسمية مسؤول يتولى، ضمن مهامه، استبعاد أي عامل مصاب بمرض أو إصابة قد تؤثر على سلامة الغذاء. ويُعد هذا النص من أهم الأسس القانونية التي تبرر اشتراط الحصول على شهادة صحية، باعتبارها وسيلة للتحقق المسبق والمستمر من خلو العامل من الأمراض التي قد تؤثر في سلامة الغذاء. رابعاً: الإحالة إلى قانون الصحة العامة تنص المادة (33/ب) من قانون الغذاء على استمرار سريان الأنظمة الصادرة بمقتضى قانون الصحة العامة والمتعلقة بالغذاء إلى حين إلغائها أو استبدالها. وعليه، فإن آلية إصدار الشهادة الصحية وتفاصيلها الإجرائية، بما في ذلك الفحوصات المطلوبة ومدد الصلاحية وإجراءات التجديد، لا ينظمها قانون الغذاء بصورة تفصيلية، وإنما تُنظم بموجب التشريعات الصادرة استناداً إلى قانون الصحة العامة رقم (47) لسنة 2008، ولا سيما الأحكام المتعلقة بالأمراض السارية والوقاية منها ومكافحتها. الخلاصة القانونية يضع قانون الغذاء رقم (30) لسنة 2015 الإطار العام للالتزام، من خلال إدراج عامل التوصيل ضمن مفهوم متداولي الغذاء ومنح المؤسسة العامة للغذاء والدواء صلاحيات الرقابة والتفتيش والمساءلة. أما قانون الصحة العامة رقم (47) لسنة 2008 والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، فيمثل المصدر التشريعي المنظم لآلية إصدار شهادة الخلو من الأمراض وتفاصيلها الإجرائية. ومن ثم، فإن مطالبة شركات ومنصات التوصيل بالتحقق من حيازة سائقيها لهذه الشهادة لا يُعد مجرد توجيه إداري، وإنما التزاماً تنظيمياً وقانونياً يترتب على مخالفته المساءلة. من يشملهم هذا الالتزام؟ يشمل الالتزام جميع الأشخاص الذين يعملون بصورة مباشرة في نقل الطعام وتسليمه للمستهلكين، سواء كانوا يعملون لدى مطاعم أو محال بيع الأغذية أو المطابخ الإنتاجية أو من خلال منصات وتطبيقات التوصيل الرقمية، بغض النظر عن طبيعة العلاقة التعاقدية، سواء كانوا موظفين دائمين أو عاملين مستقلين. متطلبات استخراج الشهادة الصحية للحصول على الشهادة الصحية، يتوجب على العامل: تقديم طلب لدى المركز الصحي أو المديرية الصحية التابعة لمكان إقامته أو عمله من خلال النموذج المخصص لذلك. إبراز وثيقة إثبات الشخصية. الخضوع للفحوص الطبية اللازمة للتأكد من خلوه من الأمراض المعدية أو الجلدية أو التنفسية أو الطفيلية التي قد تنتقل من خلال التعامل مع الغذاء. وبعد ظهور النتائج وإثبات خلو المتقدم من الأمراض، تصدر الشهادة الصحية معتمدة ومختومة من الجهة المختصة. وفي أمانة عمان الكبرى، تتولى دائرة الرقابة الصحية والمهنية إصدار هذه الشهادة تحت مسمى “شهادة خلو أمراض”، حيث أصبح تقديم الطلب إلكترونياً بالكامل من خلال بوابة الأمانة، بعد تعبئة البيانات وتحميل الوثائق المطلوبة، ومنها الصورة الشخصية والفحص الطبي السابق – إن وجد – وتصريح العمل لغير الأردنيين. ويُحال الطلب إلى المركز الصحي المختص لإجراء الفحوصات اللازمة في حال عدم إجرائها مسبقاً، ثم تستوفى الرسوم إلكترونياً قبل إصدار الشهادة. ويُلغى الطلب تلقائياً إذا لم تستكمل الإجراءات خلال أسبوعين من تاريخ تقديمه. وعند صدور نتيجة الفحص، يتلقى مقدم الطلب رسالة نصية تمكنه من استخراج الشهادة وفق الإجراءات المعتمدة. أما في البلديات الأخرى، فتختلف الإجراءات تبعاً للبلدية والخدمات الإلكترونية المتاحة لديها؛ إذ توفر بعض البلديات الخدمة إلكترونياً، بينما يتعين في حالات أخرى مراجعة مديرية الصحة المختصة لإجراء الفحوصات واستكمال الإجراءات. مدة الصلاحية والتجديد الشهادة الصحية ليست دائمة، وإنما تصدر لمدة محددة تختلف بحسب طبيعة النشاط والفئة المهنية، ويتوجب تجديدها قبل انتهاء صلاحيتها لضمان استمرار ممارسة العمل بصورة قانونية. وتقع مسؤولية متابعة صلاحية الشهادة على العامل نفسه وعلى الجهة أو المنصة التي يعمل من خلالها، إذ إن تشغيل عامل يحمل شهادة منتهية الصلاحية قد يرتب مسؤولية قانونية على الطرفين. المسؤولية والمخالفات تنفذ المؤسسة العامة للغذاء والدواء حملات رقابية ميدانية بالتنسيق مع الجهات المختصة للتحقق من التزام العاملين بهذا الشرط. ويُعد عدم حيازة الشهادة الصحية أو العمل بشهادة منتهية الصلاحية مخالفة قد تستوجب اتخاذ إجراءات قانونية تشمل الإنذار أو الغرامة أو وقف العامل عن ممارسة النشاط، بحسب طبيعة المخالفة وتكرارها. كما أن التنسيق القائم بين المؤسسة وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات يفتح المجال لمساءلة منصات وتطبيقات التوصيل نفسها في حال عدم إلزام سائقيها باستيفاء هذا الشرط، بما يجعل الالتزام مسؤولية مشتركة بين العامل والمنصة المشغلة. تعزيز الوعي والالتزام القانوني في إطار دورها في تعزيز الوعي القانوني ونشر المعرفة بالحقوق والالتزامات، تسعى منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) إلى توضيح الجوانب القانونية والإجرائية المرتبطة بشهادة الخلو من الأمراض، باعتبارها مسألة تمس شريحة واسعة من العاملين الأردنيين في قطاع توصيل الطعام وأصحاب العمل على حد سواء. ويؤكد هذا التوضيح أن الالتزام بالحصول على الشهادة الصحية وإجراءاتها لا يشكل عبئاً أو تعقيداً إضافياً، بل يمثل إجراءً وقائياً بسيطاً يهدف إلى حماية الصحة العامة وسلامة الغذاء. كما أن الامتثال لهذه المتطلبات يساعد عمال التوصيل وأصحاب المطاعم والشركات والمنصات الرقمية على تجنب الغرامات والتبعات القانونية التي قد تنشأ عن عدم الالتزام بالتشريعات النافذة. خاتمة لا تُعد الشهادة الصحية لعمال توصيل الطعام إجراءً

الضمان الاجتماعي أقرب إلى المجتمعات المحلية: جلسات توعوية تصل إلى أكثر من 800 مستفيد ومستفيدة

استفاد أكثر من 800 مستفيد ومستفيدة من مختلف الجنسيات من سلسلة جلسات توعوية حول الضمان الاجتماعي، نُفذت خلال النصف الثاني من شهر حزيران/يونيو وبداية شهر تموز/يوليو، بالشراكة بين المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ومنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) ومنظمة العمل الدولية، وبالتعاون مع عدد من مؤسسات المجتمع المدني المحلية الأعضاء في التحالف الوطني الأردني للمنظمات غير الحكومية (جوناف)، وهي: جمعية أبو علندا للتنمية الاجتماعية في عمّان، وجمعية أثر للتنمية الشبابية في الرصيفة، وجمعية رؤى النسائية في الرمثا، وجمعية قدرات للتنمية المجتمعية في المفرق. وهدفت الجلسات إلى تعزيز وعي العاملين والعاملات، بمن فيهم الشباب والنساء واللاجئون والمهاجرون والفئات الأكثر هشاشة، بحقوقهم التأمينية ومزايا الضمان الاجتماعي، وتعريفهم بآليات الاشتراك في الضمان الاجتماعي، والتأمينات المختلفة، والخدمات الإلكترونية التي تقدمها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. وتناولت الجلسات عدداً من المحاور الرئيسية، شملت أهمية الضمان الاجتماعي ودوره في تعزيز الحماية الاجتماعية للعاملين وأسرهم، والمنافع التأمينية، بما في ذلك تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة وإصابات العمل، إضافة إلى إجراءات التسجيل والاشتراك، وحقوق وواجبات المشتركين، مع تسليط الضوء على أهمية شمول العاملين في القطاع غير المنظم ضمن مظلة الضمان الاجتماعي، والتعريف بآليات الاشتراك الاختياري. كما شارك محامون من منظمة النهضة العربية (أرض) في تقديم جلسات توعوية حول عدد من الجوانب القانونية المرتبطة بالضمان الاجتماعي، وفي مقدمتها أحكام قانون العمل الأردني، بما وفر للمشاركين فرصة متكاملة للحصول على المعلومات القانونية والإجابة عن استفساراتهم المتعلقة بحقوقهم في العمل والضمان الاجتماعي. ويعكس وصول الجلسات والزيارات الميدانية إلى أكثر من 800 مستفيد ومستفيدة اتساع نطاق الوصول وأهمية الشراكة بين المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني المحلية في إيصال المعرفة التأمينية إلى المجتمعات المحلية، وتعزيز وصول الفئات المستهدفة إلى المعلومات والخدمات التي تسهم في توفير حماية اجتماعية أكثر شمولاً. وستتواصل خلال الفترة المقبلة الزيارات الميدانية لوحدات دعم العمال والعاملات التي أُطلقت في الجمعيات المحلية الأربع، حيث سيواصل موظفو المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ومحامو منظمة النهضة العربية تقديم الاستشارات الفردية للمستفيدين حول قضايا الضمان الاجتماعي والحقوق العمالية، بما يسهم في تقريب الخدمات من المجتمعات المحلية وتسهيل وصول الفئات المستهدفة إليها. وتأتي هذه الأنشطة ضمن مشروع “جسور الضمان: تعزيز الوعي والوصول إلى الضمان الاجتماعي في الأردن”، الذي تنفذه منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بالشراكة مع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ومنظمة العمل الدولية، في إطار مشروع “آفاق” الممول من الحكومة الهولندية، وبرنامج “استدامة++” الممول من حكومات هولندا والنرويج والمملكة المتحدة. ويهدف المشروع إلى تمكين العاملين والعاملات، ولا سيما في القطاع غير المنظم والفئات الأكثر هشاشة، من فهم حقوقهم التأمينية والاستفادة من خدمات الضمان الاجتماعي، بما يسهم في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وتؤكد هذه المبادرة أهمية الشراكة بين المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني المحلية في تعزيز الثقافة التأمينية، وتوسيع الوصول إلى خدمات الضمان الاجتماعي، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر شمولاً وعدالة واستدامة.

النهضة (أرض) تستضيف وفداً من وزارة الخارجية الهولندية لبحث واقع اللاجئين وتعزيز الاستجابة المحلية

استضافت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)  يوم الاثنين، 29 تموز/يوليو، ممثلين عن وزارة الخارجية الهولندية، أحد أبرز شركائها في دعم اللاجئين والنازحين والمجتمعات المستضيفة. وفي ظل تراجع التمويل وتزايد حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي، أكدت هذه الزيارة أهمية العمل الذي تقوده الجهات المحلية، وقيمة الشراكات المتينة بين المنظمات المحلية والمانحين الدوليين. وخلال اللقاء، شددت “النهضة (أرض)” على ضرورة إيصال أصوات المجتمعات المحلية، مبرزةً كيف تسهم الاستجابة الميدانية المباشرة في إنتاج معرفة وخبرات ينبغي نقلها إلى المستوى المؤسسي، من خلال البحوث، وأعمال المساعدة القانونية، وتقارير المناصرة. وقد أشار أحد ممثلي وزارة الخارجية الهولندية إلى أن هذه الجهود تسهم أيضاً في صياغة السياسات الهولندية المتعلقة بالهجرة والنزوح. كما تتيح الشبكات القوية، مثل التحالف الوطني الأردني للمنظمات غير الحكومية (جوناف) لـ”النهضة (أرض)” توحيد مدخلات الشركاء المحليين بسرعة وتحويلها إلى جهود مناصرة فعّالة، كان من أبرزها المساهمة في إعداد أوراق التوصيات الخاصة بخطة الاستجابة الأردنية للأعوام 2027-2029. كما اطّلع الوفد على الشراكة بين “النهضة (أرض)” ومنظمة الدبلوماسي المستقل (Independent Diplomat)، والممولة من وزارة الخارجية الهولندية، والتي أسهمت في تعزيز وصول “النهضة (أرض)” إلى منصات المناصرة العالمية، مثل المنتدى العالمي للاجئين (Global Refugee Forum)، إلى جانب إتاحة فرص لبناء القدرات والتدريب في مجال المناصرة، وهو تعاون جاء ثمرةً للدعم الذي قدمته الوزارة. ولربط الحوار بأمثلة من أرض الواقع، شارك في اللقاء قادة مجتمعيين من السودان واليمن والعراق وسوريا والذين تحدثوا عن تجاربهم مباشرة مع الوفد. وقد عرض كل منهم قضية ملحة تواجه مجتمعه، بدءاً من المفاضلة الصعبة بين الحفاظ على صفة اللجوء والحق في العمل، مروراً بتدهور التغطية الصحية، ووصولاً إلى جيل يواجه صعوبات في الوصول إلى التعليم العالي، إضافة إلى محدودية مسارات إعادة التوطين التي لم تعد توفر أملاً حقيقياً. وعلى الرغم من تنوع هذه القضايا، برزت تحديات مشتركة، أبرزها التخفيضات الحادة في التمويل وتوقف تسجيل اللاجئين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما ترك مئات الآلاف في مواجهة أزمة قانونية وإنسانية متفاقمة. وفي وصف مؤثر، قالت سامية آدم، القائدة المجتمعية من السودان: “اللاجئون في الأردن يشبهون باقة من الزهور محبوسة داخل صندوق مغلق؛ مليئة بالحياة والإمكانات، لكنها غير قادرة على الازدهار أو رؤية الشمس.”

ورشة التقييم والاستدامة لشبكة تواصل

 اختُتمت أعمال ورشة الحوار الوطني الخاصة بشبكة تواصل، والتي امتدت على مدار يومين خلال (26-27) نيسان/ أبريل 2026 بمشاركة واسعة من منظمات المجتمع المدني إلى جانب عدد من المؤسسات الحكومية، بما في ذلك ممثلين عن المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، ووحدة النوع الاجتماعي في مديرية الأمن العام، بهدف مناقشة مراجعة التقدم المحرز وسبل استدامة الشبكة ومأسستها وتعزيز رؤيتها المستقبلية في إدارة الأزمات ضمن إطار أجندة المرأة والأمن والسلام في جنوب الأردن. في اليوم الأول، انصبّ النقاش على أدوات الحوكمة، والتشبيك، والحلول المجتمعية كمدخلات أساسية لضمان الاستمرارية بعيداً عن الاعتماد على التمويل الخارجي، إلى جانب تحليل آليات الانتقال من منطق المشاريع قصيرة الأمد إلى الاستدامة التشغيلية طويلة المدى. كما شملت الجلسات مراجعة التقدم المحرز للشبكة مقابل المؤشرات المعتمدة ضمن إطار المتابعة والتقييم لها، بما يعزز مواءمة الجهود المحلية مع الأطر الوطنية لإدارة الأزمات. أما اليوم الثاني، فانتقل بالحوار نحو صياغة الإطار التنفيذي للخطة الاستراتيجية، حيث أفضى العمل التشاركي إلى بلورة أولويات واضحة توجه المرحلة المقبلة. وتم التوافق على ركائز عمل تسعى إلى إعادة تعريف الاستجابة للأزمات كمنظومة مؤسسية متكاملة، تستند إلى بنية تنظيمية مرنة وقدرة على الاستجابة للسياقات المحلية. كما ناقش المشاركون أهمية تعزيز الحوكمة الداخلية وتوسيع دور الشبكة في قيادة التدخلات الإنسانية والتنموية. كما ركزت الورشة على تعزيز استدامة الشبكة ومأسستها، وتطوير رؤيتها في إدارة الأزمات ضمن إطار أجندة المرأة والسلام والأمن في جنوب ووسط الأردن. وتُعد هذه الجهود بمثابة تمهيد للمرحلة القادمة، خاصة في ما يتعلق بتعزيز البعد التنموي وضمان الانتقال نحو تدخلات أكثر استدامة، مع وضع القيادة المحلية وتمكين النساء والشباب وذوي/ات الإعاقة في صميم العمل. واختُتمت الجلسة بالاتفاق على آليات تنسيق موحدة تربط أعضاء الشبكة ضمن إطار استجابة تكاملي، يراعي الفروقات الاجتماعية بين الجنسين ويضمن الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة. ويعكس هذا التوجه سعياً لتحويل الخبرات الميدانية إلى أدوات تأثير ومناصرة، بما يعزز موقع “تواصل” كمرجعية للعمل الإنساني المحلي، وقاطرة لدعم صمود المجتمعات في مواجهة الأزمات مستقبلًا.. كما أكد المشاركون على أهمية تطوير خطط عمل مرنة وتشاركية، وتعزيز التشبيك بين الأعضاء، وإرساء إطار حوكمة واضح، إلى جانب الاستثمار المستمر في بناء قدرات القيادات المحلية، بما يضمن استدامة شبكة تواصل وتعظيم أثرها المجتمعي في المستقبل. كما شددوا على ضرورة ترسيخ تفعيل محلية العمل الإنساني، ووضع القيادة المحلية في صميم التخطيط والتنفيذ لمواجهة الأزمات بكفاءة وفاعلية. ويأتي اللقاء في إطار مشروع  تواصل: تعزيز إدارة الأزمات في إطار أجندة المرأة والأمن والسلام في جنوب الأردن وهو مبادرة تنفذها النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بهدف تعزيز جاهزية المجتمعات المحلية، وتمكين النساء، ودعم مشاركة منظمات المجتمع المدني في الاستجابة للأزمات وبناء السلام على المستوى المحلي. ويركز المشروع على تطوير قدرات المؤسسات المحلية في مجالات التخطيط للطوارئ، الإنذار المبكر، التنسيق، والحماية، بما يسهم في بناء مجتمعات أكثر صموداً واستعداداً للتحديات المختلفة. أما شبكة تواصل فهي منصة تعاونية متعددة المستويات أطلقتها منظمة النهضة (أرض) بالتعاون مع الأمم المتحدة للمرأة ضمن مشروع “أماني”، ثم جرى تطويرها لاحقاً من خلال مشروع تواصل، لتكون إطاراً جامعاً للمنظمات النسوية، والشبابية، والقاعدية العاملة في جنوب الأردن. وتعمل الشبكة على تعزيز الروابط والتنسيق وتبادل الخبرات بين أعضائها، وتدعم القيادة المحلية في إدارة الأزمات من خلال نهج تشاركي يضع احتياجات المجتمع في صميم العمل الإنساني والتنموي. كما تسهم الشبكة في تعزيز مشاركة النساء والشباب وذوي/ات الإعاقة في صنع القرار، وتفعيل الاستجابة المراعية للفروقات بين الجنسين، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والعمل الجماعي.    

يوم في حياة المجتمع المدني الإنساني الدولي في الأردن

إخلاء مسؤولية: يعكس هذا النص وجهة نظر شخصية بحتة، ولا يمثل أي رأي سوى رأي كاتبه.   وصلتُ إلى الأردن عام 2019 ممثلاً لمنتدى المنظمات غير الحكومية الدولية، قادماً مباشرةً من جمهورية أفريقيا الوسطى. ولا بد أن أعترف بأن التباين كان لافتاً. فقد بدت الموارد الإنسانية المعبأة في الأردن آنذاك هائلة مقارنةً بما هو متاح في بعض السياقات الأفريقية. لكن، إلى جانب الموارد المالية والتشغيلية، كان أكثر ما لفت انتباهي هو مستوى الكفاءة والخبرة والتنظيم الذي يتمتع به القطاع الإنساني في الأردن. في تلك اللحظة، تساءلتُ حتى عن سبب وجودي هناك. هل كان الأردن بحاجة حقاً إلى خبرتي؟ ففي بلد يضم مهنيين إنسانيين متمرسين، ودبلوماسيين ذوي خبرة، وخبراء عملوا في أكبر المؤسسات الدولية، كان هذا التساؤل مشروعاً. لم يكن دوري يتمثل في جلب خبرة خارجية وكأنها غير موجودة أصلاً، بل في الاستماع، وفهم ديناميكيات القوة، وتحديد مواطن التعثر داخل المنظومة، والمساهمة، بتواضع، في فتح مساحات للحوار بين الأطراف التي يمتلك كل منها جزءاً من الحل.   في الواقع، يشغل أردنيون كثيرون مناصب عليا وإدارية في المنظمات الدولية. كما أن العديد من المنظمات غير الحكومية الوطنية تستند إلى هذا الرصيد الكبير من المعرفة والخبرة، إذ عمل الكثير من كوادرها سابقاً في الأمم المتحدة، أو في منظمات دولية كبرى، أو في مؤسسات التعاون الدولي.   في هذا السياق، كان من المتوقع أن تكون عملية “تفعيل محلية العمل الإنساني” قد قطعت شوطاً كبيراً. وأقصد بذلك الاعتراف بالمنظمات الوطنية وتعزيز دورها وإدماجها بوصفها فاعلاً كاملاً في الاستجابة الإنسانية، بدلاً من التعامل معها بوصفها مجرد جهة منفذة. وفي بلد مثل الأردن، حيث تتوفر الخبرات الوطنية المتراكمة منذ عقود، بدا هذا الأمر بديهياً تقريباً. لكن عند وصولي لم يكن الأمر كذلك. فالمنظمات غير الحكومية الوطنية لم تكن حاضرة حتى في نظام تنسيق الاستجابة للاجئين الذي تقوده مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين. كانت هذه المنظمات نشطة وتمتلك خبرة حقيقية ومعرفة ميدانية واسعة، لكنها بقيت إلى حد كبير خارج هذه المنظومة الإنسانية الدولية التي تنظم الأولويات والتمويل والتبادل الفني والتمثيل الجماعي. كانت اللقاءات الأولى مع هذه المنظمات، في إطار مهامي، ودية دائماً، لكن شعوراً معيناً بعدم الثقة كان يُلمس سريعاً. ولم يكن ذلك بلا أساس. فكما في العديد من السياقات الأخرى، نشأ هذا الشعور نتيجة سنوات من العلاقات غير المتكافئة، حيث طُلب من المنظمات الوطنية مراراً تنفيذ البرامج، لكن نادراً ما أُتيحت لها فرصة المساهمة في تحديد التوجهات الاستراتيجية. كما كان هذا الشعور نابعاً من ضعف الاعتراف بدورها، رغم أن العديد من هذه الجهات كانت أكثر معرفة بالمجتمعات المحلية والمؤسسات والواقع الاجتماعي من المنظمات الدولية نفسها. بعد عدة نقاشات صريحة، بدأت مواقف مشتركة بالتبلور. وأتاح الحوار تدريجياً تجاوز المواقف الأولية. كما أصبح ذلك ممكناً بفضل الدور الذي لعبته منصات المنظمات غير الحكومية الوطنية، بما في ذلك “التحالف الوطني الأردني للمنظمات غير الحكومية (جوناف)” و”همم”، اللذان أصبحا شريكين رئيسيين في هذه المسيرة الجماعية. وبدعم من مانحين رئيسيين، ومنسق الأمم المتحدة المقيم، والوزارة الأردنية المعنية بالتخطيط والتعاون الدولي، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، أصبح بالإمكان تحقيق خطوة ملموسة تمثلت في دمج المنظمات غير الحكومية الوطنية في هيكل تنسيق الاستجابة.   قد يبدو هذا الأمر تقنياً، لكنه لم يكن كذلك. فقد كان يتعلق بالاعتراف بأن المجتمع المدني الأردني ليس مجرد ذراع تنفيذية، بل فاعل سياسي واجتماعي وإنساني قائم بذاته. وكان أيضاً اعترافاً بأن جودة الاستجابة الإنسانية لا تُقاس فقط بحجم التمويل الدولي المُعبّأ، بل كذلك بقدرة النظام على الاستماع إلى الجهات التي ستبقى بعد انتهاء حالات الطوارئ والبعثات ودورات التمويل. ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتبرز الدور المحوري لهذه المنظمات. ففي عدة قطاعات، لم تعد هذه المنظمات مجرد جهات يُستشار رأيها، بل تولت قيادة بعض مجموعات العمل الرسمية، ونظمت الاستجابة، ورصدت الاحتياجات، وكيّفت أساليب العمل، وحافظت على صلاتها بالمجتمعات المحلية. وقد أظهرت هذه المرحلة بوضوح أن المنظمات الوطنية الأردنية ليست جهات هامشية، بل تشكل جزءاً أساسياً من بنية الاستجابة الإنسانية.   كما ساعد هذا التحالف التدريجي بين المجتمع المدني الدولي والوطني، ولو جزئياً، في التخفيف من آثار التراجع البطيء في الموارد المالية المخصصة للاستجابة للأزمة السورية. فقد أتاح استخدام الموارد المتاحة بصورة أكثر فعالية، وتجنب بعض الازدواجية، والحفاظ على قدرة جماعية في مجالات التحليل والمناصرة والعمل. كما منح الأردن حضوراً قوياً خلال مؤتمرات بروكسل بشأن الأزمة السورية، من خلال وفود مشتركة نُسقت مع الحكومة الأردنية. وأتذكر على وجه الخصوص اجتماع وفد من هذا النوع مع معالي أيمن الصفدي على هامش مؤتمر عام 2023، إذ مثّل هذا اللقاء رمزاً لنضج جماعي تمثل في إمكانية الحوار بين الحكومة والمجتمع المدني الوطني والجهات الدولية حول استجابة مشتركة. وقد أتاحت هذه السنوات أيضاً بروز جيل جديد من الفاعلين داخل المجتمع المدني الأردني. فالمهنيون الشباب، الذين يتمتع كثير منهم بكفاءات عالية والتزام كبير وارتباط وثيق بالواقع الاجتماعي للبلاد، اكتسبوا تدريجياً حضوراً أكبر داخل المنظمات وشبكات التنسيق ومساحات الحوار. وأسهم حضورهم في تجديد الممارسات، وتقريب المؤسسات من هموم المجتمعات المحلية، وتعزيز مقاربات أكثر تجذراً في المجتمع الأردني.   كما يستحق دور النساء في هذه المنظمات وقفة خاصة. ففي العديد من المؤسسات الوطنية، تؤدي النساء الأردنيات دوراً حاسماً في القيادة، وإدارة البرامج، والتحليل الاجتماعي، والحماية، والتعليم، والصحة، والتنمية المحلية، والمناصرة. ولا يقتصر هذا الدور على التمثيل الرمزي، بل يغير الطريقة التي تُفهم بها الاحتياجات، وتُحدد بها الأولويات، وتُبنى من خلالها الاستجابات. إن بناء مجتمع مدني فاعل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشاركة الشابات والشبان الأردنيين، وكذلك بالمكانة الفاعلة للمرأة الأردنية في المجتمع. لكن اندلاع أزمة غزة، وما تبعها من تخفيضات حادة في التمويل منذ عام 2024، وجه ضربة قاسية لكثير من هذه الجهود. فقد ضعفت مساحات التنسيق، وتراجعت الموارد، وتغيرت الأولويات، وأصبحت الشراكات التي بُنيت على مدى سنوات تحت ضغط شديد. وما جرى بناؤه بصبر من خلال الثقة والحوار والاعتراف التدريجي بالجهات الوطنية، أصبح فجأة عرضة لانكماش التمويل وتشتت الاهتمام الدولي.   وأعادت المنافسة على الوصول إلى التمويل مظاهر عدم الثقة إلى الواجهة، بينما ألحقت الخسائر الكبيرة في الوظائف بين المهنيين الأردنيين العاملين في القطاع مزيداً من الضرر بهذه الجهود.   واليوم، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت هذه الشراكة ممكنة؛ فهي قد وُجدت بالفعل وأثبتت قيمتها. إن السؤال الحقيقي هو: هل نحن مستعدون للالتقاء مجدداً، بمزيد من التواضع والثقة، وبإحساس أوضح بالمسؤولية المشتركة؟ يمتلك الأردن الأفراد والخبرات والمؤسسات والمجتمع المدني اللازم لبناء شيء أقوى. فالمنظمات الدولية والوطنية، والجهات المانحة، والسلطات العامة، والمهنيون الشباب، والقيادات النسائية، جميعهم يمتلكون دوراً أساسياً. ولا ينبغي أن يُكتب الفصل القادم من خلال المنافسة أو التشرذم، بل من خلال تحالفات متجددة.  

عندما تتراجع الأرقام… لا تُدر وجهك: قراء للتقرير العالمي للنزوح الداخلي 2026

بقلم: جولي هارناك في كل عام، يُحيي العالم في 20 حزيران/يونيو اليوم العالمي للاجئين، لتجديد التضامن مع الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من بلدانهم وعبور الحدود الدولية بحثاً عن الأمان. غير أن النظام الدولي ما يزال يغفل فئة تشكل الغالبية العددية من المهجّرين قسراً حول العالم: النازحون داخلياً، وهم الأشخاص الذين أُجبروا على ترك منازلهم بسبب النزاعات أو العنف أو الكوارث، لكنهم بقوا داخل حدود دولهم. ويواجه النازحون داخلياً المآسي ذاتها التي يواجهها اللاجئون، من حروب ومجاعات وانتهاكات وعنف، إلا أنهم يفتقرون إلى الوضع القانوني والحماية الدولية التي يتمتع بها اللاجئون. فهم لا يشملهم اتفاق اللاجئين لعام 1951، التي تشكل حجر الأساس للنظام الدولي لحماية اللاجئين، كما لا توجد وكالة أممية ذات ولاية قانونية حصرية تُعنى بحمايتهم. ويظل النازحون خاضعين لسلطة دولهم، التي قد تكون في بعض الحالات طرفاً في النزاع أو مسؤولة عن الانتهاكات التي تعرضوا لها. وبحسب التقرير العالمي للنزوح الداخلي لعام 2026 (GRID 2026) الصادر عن مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC)، فقد شهد العالم، وللمرة الأولى منذ عقد، تراجعاً في إجمالي عدد النازحين داخلياً. إذ بلغ عددهم مع نهاية عام 2025 نحو 82.2 مليون شخص في 104 دول، وهو رقم لا يزال يعكس اتساع نطاق الأزمات الممتدة، لا سيما في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. إلا أن هذا الانخفاض النسبي لا ينبغي أن يُفسَّر باعتباره مؤشراً على تحسن الأوضاع أو اتساع دائرة السلام. فالواقع يشير إلى أن التراجع في الأرقام يرتبط بدرجة كبيرة بانخفاض القدرة على الرصد والتوثيق، وبالضغوط المتزايدة نحو العودة القسرية، أكثر مما يعكس حلولاً مستدامة للنزاعات.   النزاعات تتجاوز الكوارث كسبب رئيسي للنزوح يُظهر التقرير تحولاً لافتاً في أنماط النزوح العالمي؛ فالمرة الأولى في تاريخ التقرير، تتجاوز النزاعات والعنف الكوارث الطبيعية بوصفها السبب الرئيسي للنزوح الداخلي. فقد ارتفعت حالات النزوح الناجمة عن النزاعات والعنف بنسبة 60%، مسجلة 32.3 مليون حركة نزوح جديدة خلال عام 2025، في حين انخفضت حالات النزوح الناتجة عن الكوارث الطبيعية بنسبة 35% لتصل إلى 29.9 مليون حالة. إلا أن هذا التراجع لا يعكس انخفاضاً حقيقياً في المخاطر البيئية، بل يرتبط بتقلبات مناخية مؤقتة أكثر من كونه مؤشراً على معالجة جذرية للهشاشة المناخية. وفي الوقت ذاته، يكشف التقرير عن تحول آخر لا يقل خطورة، يتمثل في تدويل النزاعات المحلية؛ إذ تضاعف عدد الدول التي شهدت نزوحاً داخلياً مرتبطاً مباشرة بصراعات مسلحة ذات أبعاد إقليمية أو دولية، ما يؤكد أن النزوح الداخلي لم يعد مجرد قضية محلية، بل أصبح انعكاساً مباشراً للتحولات الجيوسياسية والصراعات العابرة للحدود.   لبنان: نزوح مستمر رغم وقف إطلاق النار في لبنان، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى أكثر من 41 ألف حالة نزوح خلال عام 2025، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ويرجح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك بكثير، في ظل التراجع الحاد في التمويل المخصص للرصد والتوثيق. وبحلول مطلع عام 2026، أسفرت الهجمات المتجددة وأوامر الإخلاء الواسعة – التي شملت نحو 14% من الأراضي اللبنانية – عن نزوح أكثر من 1.1 مليون شخص، أي ما يقارب خُمس سكان البلاد. وتتقاطع هذه التطورات مع ما ناقشه مركز النهضة الاستراتيجي في ورقته «الصحافة التشاركية: دروس من يوميات النزوح في لبنان»، التي سلطت الضوء على الأبعاد الإنسانية للنزوح وأهمية إيصال أصوات المجتمعات المتأثرة بالنزاع.   فلسطين: نزوح غير مسبوق في غزة والضفة الغربية شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة نحو 2.8 مليون حالة نزوح خلال عام 2025. وفي قطاع غزة، ما تزال العودة مستحيلة لأكثر من مليوني فلسطيني، في ظل فرض ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، الذي عزل المدنيين عن أكثر من نصف مساحة القطاع. أما في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فقد ارتفع عدد النازحين إلى 51 ألف شخص، وهو أعلى رقم يُسجل منذ عام 1967. ويعود ذلك إلى تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمات اللاجئين، وعمليات هدم المنازل، والعنف المتواصل الذي يمارسه المستوطنون. وتؤكد هذه الأرقام الحاجة إلى إبقاء قضايا الحماية والنزوح في صلب النقاشات السياسية والإنسانية، وهو ما ينسجم مع عمل النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) ومركز النهضة الاستراتيجي في تسليط الضوء على الآثار الإنسانية للنزاعات والنزوح القسري في المنطقة.   سوريا واليمن والسودان: أزمات ممتدة وآفاق هشة في سوريا، انخفض عدد النازحين داخلياً من 7.4 ملايين إلى 6 ملايين شخص مع عودة بعض السكان إلى مناطقهم. إلا أن استمرار انعدام الأمن، والدمار الواسع للمساكن والبنية التحتية، وغياب الخدمات الأساسية، يجعل هذه العودة هشة وغير مستدامة. وفي اليمن، أنهى نحو 4.8 ملايين شخص عام 2025 وهم ما يزالون في حالة نزوح داخلي، لتبقى البلاد رابع أكبر أزمة نزوح في العالم. أما السودان، فقد بقي أكبر أزمة نزوح في العالم للعام الثالث على التوالي، مع وجود 9.1 ملايين نازح داخلياً بحلول نهاية عام 2025. وتبرز هذه الأزمات أهمية الحفاظ على آليات الحماية والوصول إلى الخدمات الأساسية، وهي قضية تناولتها النهضة (أرض) في تقريرها «الخط الساخن للطوارئ: شريان دعم مستمر 2024-2025»، الذي يسلط الضوء على أهمية الاستجابات المحلية في حماية الفئات الأكثر هشاشة أثناء الأزمات.   عندما يعني انخفاض الأرقام تراجع الحماية في كثير من الأحيان، لا تعكس الأعداد المتراجعة للنازحين تحسناً في الأوضاع، بل ترتبط بعمليات عودة قسرية وغير مستدامة، تُجبر المدنيين على العودة إلى مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمن والخدمات الأساسية. وقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها حول الاتجاهات نصف السنوية للنزوح القسري من تزايد عمليات الإعادة المبكرة وغير الآمنة إلى مناطق لا تزال تعاني من النزاع والدمار. إلى جانب ذلك، يواجه العالم أزمة أخرى أقل ظهوراً ولكنها لا تقل خطورة: أزمة الرصد والتوثيق. فقد أدى الانخفاض الحاد في التمويل الإنساني العالمي إلى تعطيل عمليات الإغاثة وتقويض آليات جمع البيانات، حتى باتت ثلاثة أرباع الدول والأقاليم المتأثرة بالنزاعات تفتقر إلى بيانات حديثة حول أوضاع النازحين.   ما الذي تخبرنا به هذه الأرقام؟ يوجه التقرير العالمي للنزوح الداخلي 2026 رسالة واضحة: إن التراجع الإحصائي في أعداد النازحين لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أن النظام الإنساني العالمي يواجه أزمة عميقة في التمويل والقدرة على الاستجابة. فالخطر لا يكمن فقط في استمرار الحروب والنزاعات، بل أيضاً في تراجع القدرة الدولية على رصد آثارها وحماية ضحاياها. ومن أجل ضمان أن يبقى الأشخاص الأكثر هشاشة مرئيين ومحصيين ومشمولين بالحماية، لا بد من إعادة بناء الاستجابة الإنسانية على أسس أكثر عدالة واستدامة، تقوم على تعزيز الشراكات مع المنظمات المحلية والمبادرات المجتمعية، ودعم الاستجابات التي تقودها المجتمعات المتضررة نفسها، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام القانون الدولي الإنساني. إن بناء نظام إنساني أكثر قدرة على الصمود لا يبدأ فقط بزيادة التمويل، بل بإعادة توزيع القوة

النهضة (أرض) تسلط الضوء على التوثيق المدني كطوق نجاة للاجئين في الأردن بمناسبة اليوم العالمي للاجئين 2026

طاولة مستديرة رفيعة المستوى تناقش الدروس المستفادة من حالات توثيق اللاجئين السودانيين وتؤكد أهمية الهوية القانونية في حماية حقوق اللاجئين وضمان وصولهم إلى الخدمات بمناسبة اليوم العالمي للاجئين 2026، نظمت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) طاولة مستديرة رفيعة المستوى بعنوان: «التوثيق المدني والهوية القانونية كطوق نجاة للاجئين في الأردن: دروس مستفادة من حالة توثيق اللاجئين السودانيين». وجمعت الفعالية ممثلين عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في الأردن، ومنظمة إندبندنت ديبلومات (Independent Diplomat)، وأفراداً من المجتمع اللاجئ السوداني، وخبراء قانونيين، وممثلين عن الجهات المعنية، لمناقشة الدور المحوري للتوثيق المدني في ضمان الهوية القانونية والحماية وإتاحة الوصول إلى الحقوق والخدمات للاجئين في الأردن. واستندت المناقشات إلى الورقة التي نشرتها منظمة النهضة (أرض) مؤخراً، والتي تناولت التحديات التي يواجهها الأطفال اللاجئون السودانيون في الحصول على وثائق مدنية دقيقة، والدروس المستفادة من الجهود المبذولة لمعالجة هذه التحديات. وفي افتتاح الجلسة، أكدت الدكتورة مريم أبو سمرة، رئيسة مركز النهضة الاستراتيجي في منظمة النهضة (أرض)، أن الحماية القانونية تشكل ركناً أساسياً من أركان أمن اللاجئين، قائلة: “تعتز النهضة (أرض) باضطلاعها بهذا الدور المهم في دعم مجتمعات اللاجئين من خلال المساعدة القانونية والمناصرة. فالهوية القانونية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي المدخل الأساسي لضمان الحقوق والعيش بكرامة وأمان.” من جانبها، أكدت رنا الجصيفي، مساعدة ممثل الحماية في مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في الأردن، أهمية ضمان الحماية المنصفة لجميع مجتمعات اللاجئين، مشيرة إلى أن: “المجتمعات الأقل ظهوراً، مثل اللاجئين السودانيين، يجب ألا تُغفل أو تُترك خارج نطاق الاستجابات الإنسانية الأوسع. فجميع اللاجئين يستحقون الحماية والتمثيل والدعم على قدم المساواة، بغض النظر عن جنسياتهم. ومع إحيائنا هذا العام للذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، تظل هذه الالتزامات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.” وسلط غيوم شارون، مدير مكتب جنيف في منظمة إندبندنت ديبلومات، الضوء على التداعيات الأوسع لتحديات التوثيق على الحماية، قائلاً: “نادراً ما يفكر الناس في أهمية الوثائق عندما تكون متاحة وتؤدي دورها بشكل طبيعي، لكن غيابها أو وجود خلل فيها قد يجعل الأشخاص غير مرئيين قانونياً، ويخلق خطراً حقيقياً يتمثل في انعدام الجنسية بالنسبة للاجئين.” وفي نقلها لصوت المجتمع المتأثر، تحدثت السيدة سامية آدم، القيادية في المجتمع اللاجئ السوداني، عن أثر الأخطاء في الوثائق على الأسر اللاجئة، قائلة: “أسهمت جهود المناصرة التي قادتها النهضة (أرض) في بناء الثقة، وشجعت مزيداً من اللاجئين من المجتمع السوداني على السعي لتصويب وثائقهم.” كما سلطت الفعالية الضوء على الإسهامات القيّمة للسيدة سامية آدم، التي أسهمت جهودها التطوعية المتواصلة في دعم اللاجئين من مختلف الجنسيات في الأردن في تعزيز التضامن والتماسك المجتمعي. وأشادت منظمة النهضة (أرض) والمشاركون بنموذجها الملهم في القيادة المجتمعية وتفانيها في خدمة الآخرين وإحداث أثر إيجابي داخل مجتمعات اللاجئين. وناقش المشاركون كيف يمكن لتحديات التوثيق أن تقوض الهوية القانونية ووحدة الأسرة وإمكانية الوصول إلى التعليم والحماية من انعدام الجنسية. كما أكدت المناقشات أهمية المناصرة المنسقة والتعاون بين اللاجئين ومنظمات المجتمع المدني ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والسلطات الوطنية وقادة المجتمعات المحلية في تحديد ومعالجة قضايا الحماية الناشئة. وسلطت الطاولة المستديرة الضوء على إنجاز مهم تحقق بفضل جهود المناصرة والمساعدة القانونية المشتركة، تمثل في تصويب أكثر من 100 شهادة ميلاد لأطفال لاجئين سودانيين، بما يسهم في حماية حقهم في التعليم وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية الأخرى. وجاء تنظيم هذه الفعالية في إطار مبادرة الحوار السياساتي والمشاركة المجتمعية بشأن القضايا القانونية والاقتصادية والاجتماعية والوصول إلى الخدمات في الأردن، التي تنفذها منظمة النهضة (أرض) بالشراكة مع منظمة إندبندنت ديبلومات، وبدعم من وزارة الخارجية الهولندية. لقراءة التقرير باللغة الإنجليزية بالرابط

السودان: بين الوعود والواقع

بقلم جولي هارناك، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع النزاع، يواجه السودان أزمة إنسانية كارثية تتجلى في اتساع رقعة المجاعة وتراجع قدرة الاستجابة الإنسانية الدولية. وعلى الرغم من المؤتمرات رفيعة المستوى التي أسفرت عن تعهدات مالية كبيرة، فإنها غالبًا ما افتقرت إلى آليات تنفيذ حقيقية، فيما ظل الفاعلون السودانيون المحليون وفرق الاستجابة الطارئة مستبعدين إلى حد كبير من مسارات السلام وصنع القرار. وبينما يناقش القادة الدوليون مستقبل السودان في قاعات المؤتمرات الأوروبية، يواصل شريان الحياة الحقيقي داخل البلاد النزيف بصمت. بالنسبة لملايين السودانيين، لا يُعد التضامن المجتمعي خيارًا، بل هو وسيلة البقاء الوحيدة المتاحة. فمع انهيار مؤسسات الدولة وعدم وصول المساعدات الدولية إلى خطوط المواجهة، لم يعد أمام المجتمعات المحلية سوى الاعتماد على بعضها البعض لمواجهة الآثار المدمرة للحرب والنزوح والفقر المدقع. وفي ظل هذا المشهد من الإهمال المنهجي، تحولت المطابخ الجماعية من تقليد اجتماعي وثقافي إلى وسيلة إنقاذ أساسية. وتُعرف هذه المطابخ في السودان باسم «التكايا»، ويُديرها متطوعون ومتطوعات، غالبًا دون أي دعم خارجي. واليوم، أصبحت التكايا خط الدفاع الأخير الذي يفصل بين الحياة والمجاعة. وكما يقول محمد سليمان هلال: «لولا هذه المطابخ المجتمعية، لما كانت الحياة ممكنة». وهو واحد من ملايين السودانيين الذين يعتمدون عليها يوميًا. إلا أن هذا الشريان الحيوي يواجه خطر الانقطاع. فمنذ بداية عام 2026، أجبر النقص الحاد في التمويل ما يقارب نصف التكايا على إغلاق أبوابها نهائيًا، فيما تصل نسبة الإغلاق في شمال دارفور إلى نحو 57 بالمئة. ولا يعود ذلك إلى نقص التمويل فحسب، بل أيضًا إلى تعثر منظومة المساعدات الدولية وارتفاع أسعار المواد الغذائية. فقد أشار تقرير صادر عن منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء، ونقص الوقود، واستمرار القصف، وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، دفعت هذه الشبكات إلى حافة الانهيار. ومع تراجع التمويل، أُغلقت مئات التكايا، بينما اضطرت التكايا التي ما تزال تعمل إلى تقليص خدماتها من ثلاث وجبات يوميًا إلى وجبة واحدة فقط، أو التوقف عن العمل لأيام متتالية. وبالنسبة للأسر السودانية التي تعيش تحت وطأة ثلاث سنوات من الحرب والفقر والمجاعة، فإن إغلاق هذه المطابخ لا يعني فقدان وجبة ساخنة فحسب، بل خسارة أحد آخر أشكال التضامن الإنساني المتبقية. كما تعكس هذه الانقطاعات في الخدمات حجم الأزمة الإنسانية الأشمل، والتي يصعب أحيانًا استيعاب أبعادها من خلال الأرقام وحدها: إذ يحتاج نحو 33.7 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية، بينما تعرض 11.5 مليون شخص للنزوح القسري، من بينهم 6.7 مليون نازح داخل البلاد. وقد تم تأكيد وقوع المجاعة رسميًا في الفاشر وكادقلي. وتُقدّر الأمم المتحدة، من خلال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، أن الاحتياجات التمويلية للاستجابة الإنسانية في السودان بلغت 2.9 مليار دولار أمريكي في عام 2026، إلا أن 16 بالمئة فقط من هذا التمويل كان قد تم توفيره بحلول أوائل شهر أيار. ورغم أن الأرقام قد تُفقدنا أحيانًا القدرة على إدراك حجم المأساة، فإن الأزمة تصبح أكثر وضوحًا حين نستمع إلى شهادات من يعيشون تفاصيلها يوميًا. بدأت الحرب الأهلية في نيسان 2023، ومنذ ذلك الحين تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. ووفقًا للجنة الإنقاذ الدولية، قد تكون أكبر أزمة إنسانية شهدها العالم على الإطلاق. وتتزايد التقارير التي توثق العنف الجنسي الممنهج واستعباد النساء والفتيات في الفاشر ومناطق أخرى، ومع ذلك لم تتم محاسبة أي جهة مسؤولة عن هذه الجرائم حتى الآن. ويعمل الفاعلون الإنسانيون المحليون في السودان في ظل واقع من الترهيب الممنهج، حيث بات إنقاذ الأرواح يُعامل وكأنه عمل يستوجب العقاب. ويتعرض هؤلاء للعنف من طرفي النزاع، بينما يواصل الكثير منهم عملهم دون أجور، ودون حماية قانونية أو اعتراف مؤسسي. وقد تعرضت المكاتب الإنسانية المحلية في مختلف أنحاء البلاد للنهب والتدمير بشكل ممنهج، ما اضطر شبكات كاملة من المتطوعين إلى الفرار حفاظًا على حياتهم. وقد وثقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وبعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أنماطًا مروعة من الاعتقالات التعسفية والتعذيب وعمليات الإعدام خارج نطاق القانون التي استهدفت العاملين في المجال الإنساني، والكوادر الطبية، والمدافعين عن حقوق الإنسان. وتمثل هذه الانتهاكات خرقًا مباشرًا للقانون الإنساني الدولي، وتُرتكب في ظل إفلات شبه كامل من العقاب. في هذا الواقع المأساوي، اضطر المجتمع المدني السوداني إلى ملء الفراغ الذي خلّفه تقاعس الاستجابة الدولية وانهيار مؤسسات الدولة. فقد أصبحت التكايا وغرف الاستجابة الطارئة (ERRs)، وهي شبكة مجتمعية لا مركزية تضم أكثر من 26 ألف متطوع ومتطوعة في الأحياء السكنية، العمود الفقري للصمود والبقاء في السودان الذي مزقته الحرب. فقد تدخلت هذه المبادرات لسد الفراغ الإنساني عندما انهارت مؤسسات الدولة، وعندما اضطرت وكالات الإغاثة الدولية إلى الإجلاء أو أصبحت عاجزة بسبب القيود البيروقراطية والظروف الأمنية. ومع ذلك، فإن نضالها من أجل إبقاء أحيائها ومجتمعاتها على قيد الحياة يواجه تهديدًا يوميًا. مؤتمر برلين في نيسان 2026، وبمناسبة مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، اجتمعت في برلين 55 دولة، إلى جانب منظمات إقليمية ووكالات تابعة للأمم المتحدة و38 منظمة غير حكومية دولية وسودانية. واستضاف المؤتمر كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي. وأسفر عن تعهدات بلغت نحو 1.5 مليار يورو، من بينها أكثر من 812 مليون يورو تعهد بها الاتحاد الأوروبي. وبعد أسابيع قليلة، اعتمد المشاركون ما عُرف بـ«مبادئ برلين»، وهي وثيقة ترفض الحل العسكري، وتدعو إلى وقف إنساني لإطلاق النار، وإنهاء الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وتؤكد أن مستقبل السودان السياسي يجب أن يُصاغ من قبل السودانيين أنفسهم عبر عملية شاملة. وعلى الورق، تبدو هذه المبادئ مطالب قوية وواضحة. أما على أرض الواقع، فهي تفتقر إلى آليات تضمن تنفيذها: فلم يُعلن حتى الآن أي وقف لإطلاق النار، وما زالت الهجمات بالطائرات المسيّرة مستمرة في الخرطوم وأم درمان، كما لم يتوقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة رغم الالتزامات المعلنة. من غاب عن الطاولة ومن يملك القرار كرّس مؤتمر برلين مرة أخرى إشكالية جوهرية تتمثل في استمرار تفاوض الأطراف الخارجية بشأن مستقبل السودان، بينما يبقى السودانيون أنفسهم على هامش هذه النقاشات. تقول المستشارة التنموية السودانية أناب محمد في حديثها لموقع «ميدل إيست آي» في تشرين الثاني 2025: «غالبًا ما يُناقَش السودان بوصفه حالة للدراسة وليس مجتمعًا حيًا. يُتحدث عنا، لكن لا يُتحاور معنا». ما الذي حققته المؤتمرات السابقة بشأن السودان في باريس عام 2024 ولندن عام 2025؟ وإذا كانت نتائجها محدودة أو شبه معدومة، فلماذا يستمر تكرار النموذج ذاته للمرة الثالثة؟ تكمن خلف هذه الأسئلة معضلة بنيوية أعمق؛ إذ غالبًا ما تهيمن على مفاوضات السلام جهات ونخب تتمتع بحضور دولي، لكنها بعيدة عن واقع المجتمعات التي تعيش الحرب يوميًا. وفي المقابل، لا تحظى الجهات السودانية المحلية، مثل المجموعات النسائية، والمبادرات

الصحافة التشاركية: دروس مستفادة من “يوميات النزوح في لبنان” – ملخص الجلسة

لا يزال لبنان يواجه ضغوطًا كبيرة ناجمة عن النزوح وتأثيراته على الأفراد والمجتمعات التي تعيش في البلاد. وفي ظل هذه التحديات، استضاف مركز النهضة الاستراتيجي في منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) ندوة بعنوان “الصحافة التشاركية: دروس مستفادة من يوميات النزوح في لبنان“ لاستكشاف نموذج بديل من العمل الصحفي. فعلى خلاف التغطيات الإعلامية التقليدية والتقارير القائمة على الأرقام والإحصاءات، تمنح الصحافة التشاركية مساحة للأصوات الحقيقية وحرية التعبير للمجتمعات التي تعيش تجارب النزوح بشكل مباشر، والتي غالبًا ما تبقى مهمشة في السرديات الإعلامية السائدة. أدارت الندوة ماريا جيوفانا مارياني، الباحثة في مركز النهضة الاستراتيجي، بمشاركة الصحفيتين آني سليمرود وزينب شمعون من منصة ذا نيو هيومانيترين (The New Humanitarian)، اللتين ساهمتا في تطوير مشروع السرد القصصي “يوميات النزوح في لبنان”. تُعد آني سليمرود صحفية ومحررة حائزة على جوائز وصاحبة تجربة طويلة في تغطية قضايا المنطقة لأكثر من عقد، فيما تعمل زينب شمعون كصحفية وباحثة مستقلة من جنوب لبنان، وقد عاشت بنفسها تجربة النزوح وما تزال تتعامل مع تداعياته المستمرة. تُعرف الصحافة التشاركية بأنها نموذج في إنتاج الأخبار يصبح فيه الأشخاص الذين تُروى قصصهم مشاركين فاعلين في عملية صناعة المحتوى، بدلًا من أن يكونوا مجرد موضوعات للتغطية الصحفية. فهي تكسر الحدود التقليدية بين الصحفي والمصدر، وتحول عملية إنتاج الأخبار إلى حوار حقيقي قائم على المشاركة. وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة أوسع من الفعاليات التي تجمع بين الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني لتسليط الضوء على هذا النهج الصحفي. ماذا ستأخذ معك إذا اضطررت إلى النزوح من منزلك؟ افتتحت الصحفيتان الجلسة بسؤال تفاعلي وُجه إلى الحضور: إذا اضطررت إلى مغادرة منزلك بسبب النزوح، ماذا ستأخذ معك؟ وكان هذا السؤال هو نقطة الانطلاق الأساسية للمشروع نفسه. ورغم أن وسائل الإعلام التقليدية قد لا تركز عادة على مثل هذه التفاصيل الشخصية، فإنه يعكس صراعًا إنسانيًا عميقًا يعيشه الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم. أدركت القائمتان على المشروع أن هذا السؤال يضفي بُعدًا إنسانيًا وشخصيًا على شهادات المشاركين في “يوميات النزوح في لبنان”، كما يساعد القراء على بناء صلة أكثر قربًا مع تجارب الأشخاص المتأثرين بالنزوح. وأوضحتا أن التغطية الإعلامية كثيرًا ما تركز على الأرقام والبيانات، بينما تضيع التجارب الإنسانية الحقيقية، بما تحمله من مخاوف وآمال وتفاصيل الحياة اليومية. وقد سعى المشروع إلى قلب هذه المعادلة من خلال تسليط الضوء على عمق الصراع وأثره الإنساني. فالنزوح ليس حدثًا منفردًا له بداية ونهاية واضحتان، بل هو تجربة ممتدة ومتعددة الطبقات. ولخّصت سليمرود وشمعون هذه الفكرة بالقول: “نهاية الحرب ليست نهاية القصة.” اليوميات: خطوة بخطوة استعرضت سليمرود وشمعون المنهجية التي اتبعها المشروع منذ ولادة الفكرة وحتى تنفيذها، والتي مرت بست مراحل رئيسية: تحديد الجمهور والأثر المتوقع تمثلت الخطوة الأولى في تحليل الجمهور المستهدف والأثر المرجو من المشروع، وهي مرحلة أكدت الصحفيتان ضرورة البدء بها قبل إطلاق العمل فعليًا. استهدف المشروع الجمهور اللبناني بالدرجة الأولى، إلى جانب القراء الدوليين الذين يمتلكون اهتمامًا بالقضايا العالمية لكنهم قد لا يعرفون التفاصيل الدقيقة للأزمة اللبنانية، ويعتمدون في فهمها على التغطيات الإخبارية العامة. اختيار الشكل الأنسب للسرد اختارت سليمرود وشمعون صيغة “اليوميات” لأنها تتيح للأشخاص التعبير عن أنفسهم بحرية وبشكل أصيل، حيث كتب المشاركون قصصهم بلغتهم الخاصة، وأرفقوا صورًا ومقاطع فيديو تعكس تفاصيل تجاربهم. كما حافظ المشروع على اختلاف اللهجات العربية داخل النصوص، وهو أمر نادر في العمل الإعلامي، لما يحمله من أهمية في نقل هوية كل شخص وتفرده. اختيار المشاركين وتوسيع دائرة الوصول حرص فريق العمل على الوصول إلى أشخاص من خلفيات وتجارب متنوعة، وعدم الاكتفاء بالشبكات والعلاقات القائمة. ورغم الصعوبات المرتبطة بظروف النزوح وصعوبة الوصول إلى بعض الفئات المهمشة، سعى المشروع إلى تقديم أكبر قدر ممكن من التنوع ضمن القصص العشر التي تم اختيارها للنشر من بين عدد أكبر بكثير من الروايات المتاحة. اعتماد نهج صحفي يراعي الصدمات النفسية التزمت الصحفيتان بإرشادات الصحافة المراعية للصدمات، حيث تشاورتا مع معالجة نفسية متخصصة في الصدمات من لبنان لفهم كيفية التفاعل مع الأشخاص المتأثرين في هذا السياق. وشملت هذه المبادئ تهيئة بيئة آمنة للمقابلات، ومنح المشاركين حرية التحكم في قصصهم، ومساعدتهم على إيجاد معنى في مشاركتها، وإتاحة مساحة للراحة والتنفس، والانتباه إلى آثار الصدمات المستمرة، وطلب الدعم النفسي والاجتماعي عند الحاجة. تشكيل الفريق وفهم موازين القوة والسياق المحلي تعلقت الخطوة قبل الأخيرة بتحديد أعضاء فريق العمل ومدى وعيهم بالسياق المحلي والحساسيات الاجتماعية واللغوية، إضافة إلى فهم علاقات القوة داخل عملية إنتاج القصة. وقد شكلت تجربة زينب شمعون الشخصية كلبنانية عاشت النزوح عنصرًا مهمًا أضاف عمقًا وثقة أكبر في التعامل مع المشاركين. نشر اليوميات وتوسيع نطاق الوصول ركزت الخطوة الأخيرة على استراتيجية نشر اليوميات وضمان وصولها إلى جمهور واسع. فقد نُشرت اليوميات على منصة “ذا نيو هيومانيترين”، كما أُعيد نشرها بالتعاون مع المنصة الإعلامية اللبنانية “درج”، إضافة إلى إطلاق حملة رقمية لنشر القصص عبر منصات التواصل الاجتماعي. عندما تتحول القصص إلى فن: من الصحافة إلى المسرح لم تتوقف رحلة “يوميات النزوح في لبنان” عند حدود الصحافة، بل ألهمت عرضًا مسرحيًا قُدم على مسرح “لبن” في بيروت. وجسد العرض صدى قويًا للقصص الواردة في اليوميات، كما أتاح للحضور فرصة المشاركة بسرد تجاربهم الشخصية مع النزوح وتأثيره على حياتهم، حيث تم تجسيد قصص المشاركين على المسرح من خلال الارتجال. وتكمن أهمية هذه التجربة في كونها قُدمت من قبل لبنانيين ولأجل جمهور لبناني، ما عزز من ارتباطها بالسياق المحلي والتجربة الجماعية. الدروس المستفادة حرصت سليمرود وشمعون على مشاركة أبرز الدروس المستخلصة من هذه التجربة بهدف دعم المبادرات المستقبلية في مجال الصحافة التشاركية وتعزيز الممارسات الصحفية الأخلاقية. ومن أهم هذه الدروس عدم اختزال الأفراد في تجاربهم المؤلمة أو الصادمة، بل التعامل معهم كأشخاص يمتلكون حياة وهويات وتجارب متعددة. ويتطلب ذلك من الصحفيين إعطاء الأولوية للتعاون المبكر، والاستماع النشط، وإتاحة المجال للأفراد لرواية قصصهم بطريقتهم الخاصة. كما شددتا على أهمية الحفاظ على علاقة مستمرة مع المشاركين، من خلال إطلاعهم على تطورات المشروع ونتائجه وأثره النهائي. وأشارتا أيضًا إلى العبء العاطفي الذي قد يرافق هذا النوع من العمل بالنسبة للمشاركين والمحررين والمترجمين والصحفيين على حد سواء. وأوضحت شمعون أن دور الصحفي لا يتمثل في معالجة الصدمات أو حلها، بل في توفير مساحة آمنة للاستماع والاعتراف بالمشاعر والتجارب الإنسانية. الخاتمة في ختام هذه الجلسة، أعربت الصحفيتان عن ترحيبهما بالتعاون مع الأفراد والمؤسسات المهتمة بتطوير أو دعم مبادرات مماثلة. ففي وقت تختزل فيه وسائل الإعلام السائدة كثيرًا من الأزمات العالمية المعقدة في أرقام وإحصاءات، تُقدم الصحافة التشاركية بديلًا ضروريًا يعيد الاعتبار للتجارب الإنسانية الفردية ويمنح مساحة لمن قد لا تصل أصواتهم إلى الجمهور. ويؤكد مشروع “يوميات النزوح في لبنان” أن القصص الإنسانية يجب أن

عمالة الأطفال في الأردن: الواقع الهيكلي والدوافع

بقلم جوليا زورزو، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي   يُنظر إلى الأردن على نطاق واسع باعتباره نموذجاً للاستقرار والضيافة والتنمية التقدمية في منطقة شهدت تقلبات مستمرة، حيث أظهر التزاماً استثنائياً بالاستجابة الإنسانية وتعزيز التقدم الاجتماعي. إلا أن عقوداً من الصدمات الجيوسياسية وأزمات اللجوء الإقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية فرضت أعباءً كبيرة على موارد البلاد وبنيتها التحتية. وفي ظل هذه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، لا تزال عمالة الأطفال حاضرة في القطاعات غير الرسمية داخل المدن والمناطق الزراعية النائية، سواء في وسط عمّان أو المناطق الصناعية في الزرقاء أو حقول وادي الأردن. ويمكن مشاهدة أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم العاشرة وهم ينظفون زجاج السيارات أو يحملون الصناديق الثقيلة في الأسواق المحلية. ولا تُعد عمالة الأطفال في الأردن قضية معزولة، بل تعكس أزمة أوسع تتمثل في لجوء العديد من الأسر إلى تشغيل أطفالها كآلية للتكيف مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وتشير التقديرات الوطنية إلى أن أكثر من 70 ألف طفل في الأردن منخرطون في سوق العمل، يعمل أكثر من نصفهم في ظروف خطرة، لا سيما في قطاعي المهن الميكانيكية (29%) والزراعة (28%). ويتعرض هؤلاء الأطفال لأشكال من الاستغلال تحرمهم من حقوقهم الأساسية وتُكرّس دوائر الفقر عبر الأجيال. وعلى الرغم من وجود سياسات وطنية تحدد الحد الأدنى لسن العمل بـ16 عاماً، وترفعه إلى 18 عاماً للأعمال الخطرة، فإن الفجوة بين النصوص القانونية ومتطلبات البقاء الاقتصادي ما تزال آخذة في الاتساع.   نظرة إلى البيانات سعت الجهود العالمية إلى القضاء على عمالة الأطفال، لا سيما في إطار أهداف التنمية المستدامة التي استهدفت إنهاء جميع أشكالها بحلول عام 2025. إلا أن هذا الموعد قد انقضى دون تحقيق الهدف المنشود. ووفقاً لأحدث البيانات الوطنية المتاحة من المسح الوطني لعمالة الأطفال لعام 2016، الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الأردن، بلغ عدد الأطفال العاملين من الفئة العمرية (5–17 عاماً) نحو 75,982 طفلاً من أصل 4,030,384 طفلاً، من بينهم 44,917 طفلاً يعملون في أعمال خطرة. وتشير تقارير مرصد العمل الأردني الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إلى أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع، وهو ما يتناقض مع السياسات الوطنية الرامية إلى الحد من الظاهرة ويثير تساؤلات حول فعالية التدخلات القائمة ومدى معالجتها للأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى العمل. كما أن غياب البيانات المحدثة يشكل تحدياً إضافياً، إذ إن الاعتماد على بيانات تعود إلى عام 2016 يكشف عن قصور في رصد الظاهرة، ويعني أن عمالة الأطفال باتت تتسلل بشكل متزايد إلى أركان الاقتصاد غير الرسمي غير الخاضعة للرقابة، مما يجعل آلاف الأطفال خارج نطاق الإحصاءات الرسمية. وتدفع الأزمات الاقتصادية المستمرة وتراجع مستويات المعيشة مزيداً من الأطفال إلى العمل، غالباً في بيئات غير آمنة وغير منظمة.   المفارقة التشريعية: حماية قانونية متقدمة وإنفاذ محدود يدرك الأردن خطورة عمالة الأطفال، وقد طور إطاراً قانونياً ومؤسسياً متقدماً لمكافحتها. ويُعد من أوائل الدول التي صادقت على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها، واتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 138 الخاصة بالحد الأدنى لسن العمل ورقم 182 الخاصة بأسوأ أشكال عمل الأطفال. ومن أبرز التشريعات الوطنية ذات الصلة: الدستور الأردني لعام 1952 الذي يكفل حماية الطفولة من الاستغلال والإساءة. قانون العمل رقم 8 لسنة 1996 الذي يحظر تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة، ويقيد عمل الأحداث بين 16 و18 عاماً بضوابط صحية ومهنية محددة. قانون حقوق الطفل رقم 17 لسنة 2022 الذي يوفر إطاراً عاماً لحماية حقوق الطفل. قانون الأحداث رقم 32 لسنة 2014 وما يرتبط به من أنظمة وتعليمات. كما تم إنشاء وحدات متخصصة لمكافحة عمالة الأطفال في وزارة العمل ووزارة التنمية الاجتماعية، إلى جانب الإطار الوطني لمكافحة عمل الأطفال ونظام الرصد الإلكتروني لعمالة الأطفال. وعلى المستوى الاستراتيجي، اعتمد الأردن: الاستراتيجية الوطنية للحد من عمل الأطفال (2022–2030). الاستراتيجية الوطنية لمنع الاتجار بالبشر (2024–2027). ورغم هذا الإطار المتكامل، لا تزال عمالة الأطفال تمثل تحدياً كبيراً. فالمشكلة لا تقتصر على تطبيق القوانين، بل ترتبط أيضاً بعدم معالجة الأسباب الجذرية الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل، إضافة إلى وجود فجوات في الحماية الاجتماعية ومحدودية قدرات التفتيش العمالي على الرصد والتدخل الفعال.   الأسباب الجذرية لعمالة الأطفال بحسب مرصد العمل الأردني، تُعد الهشاشة الاقتصادية العامل الرئيسي وراء انتشار عمالة الأطفال. فالكثير من الأسر تعاني أوضاعاً معيشية صعبة وتعتمد على دخل الأطفال لتأمين احتياجاتها الأساسية. وقد أدى اتساع معدلات الفقر وتراجع الدخل الحقيقي للأسر إلى دفع مزيد من الأطفال إلى سوق العمل، في ظل سياسات اقتصادية تقشفية، وانخفاض القدرة الشرائية، وثبات الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة. وتشير منظمات المجتمع المدني، بما فيها النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) وتمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، إلى أن غالبية الأطفال العاملين ينحدرون من فئات مهمشة تضطرهم ظروف الفقر إلى المساهمة في إعالة أسرهم. وتنتشر عمالة الأطفال بشكل خاص في المطاعم والمقاهي، وورش الميكانيك والصيانة، ومواقع البناء، والبيع المتجول، والأنشطة المرتبطة بالسياحة. وغالباً ما يتقاضى هؤلاء الأطفال أجوراً أقل من الحد الأدنى للأجور، ويُجبرون على العمل لساعات طويلة دون مقابل إضافي. ومن أبرز العوامل المساهمة في تفاقم الظاهرة: ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 21%. ارتفاع معدلات الفقر إلى ما يقارب 24%. تراجع القدرة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وثبات الأجور. كما تسهم عوامل بنيوية أخرى في تفاقم الأزمة، من بينها تطبيع عمل الأطفال في بعض البيئات الاجتماعية، وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية، والعوائق التي تحول دون استكمال التعليم، مما يدفع الأطفال إلى ترك المدارس والانخراط في العمل غير الرسمي كوسيلة للتكيف مع الضغوط الاقتصادية. ولا تقتصر آثار عمالة الأطفال على حرمانهم من التعليم واللعب والنمو السليم، بل تؤدي أيضاً إلى إنتاج أجيال جديدة من العمالة الفقيرة وغير الماهرة، بما يضعف فرص التنمية الاقتصادية المستدامة ويعمّق دوائر الفقر المتوارثة.   عمالة الأطفال والنزوح فاقمت الأزمة السورية من تحديات عمالة الأطفال في الأردن. فمنذ عام 2011، ومع تدفق ملايين اللاجئين السوريين إلى دول الجوار، واجه اللاجئون والمجتمعات المستضيفة أوضاعاً اقتصادية ومعيشية متزايدة الصعوبة. وأدى الضغط الاقتصادي على الأسر اللاجئة إلى دفع العديد من الأطفال إلى سوق العمل باعتبارهم مصدراً أساسياً للدخل. وتشير بيانات المسح الوطني لعمالة الأطفال إلى أن الأطفال السوريين شكّلوا ما بين 14.6% و15% من إجمالي الأطفال العاملين في الأردن، أي ما يقارب 11 ألف طفل. ويواجه هؤلاء الأطفال ظروفاً استغلالية قاسية تشمل العمل لساعات طويلة، والتعرض للمواد الخطرة، وسوء المعاملة الجسدية والنفسية، فضلاً عن محدودية فرص الوصول إلى التعليم. وتُظهر الدراسات أن لجوء الأسر إلى تشغيل أطفالها يُستخدم كآلية للتكيف مع القيود الاقتصادية وصعوبة الوصول إلى فرص العمل الكافية للبالغين. ويعمل كثير من الأطفال في الزراعة والقطاعات غير الرسمية، حيث يتعرضون لمخاطر متعددة،