سوق الموسم: مختصون يؤكدون ضرورة دعم الأسواق لتعزيز سبل العيش

تعد الأسواق الشعبية في الأردن من أبرز الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية التي تربط المجتمعات المحلية، وتخلق فرص عمل وتمكينًا اقتصاديًا للفئات المختلفة، بما فيها اللاجئون. وفي ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة، أصبح تطوير هذه الأسواق ودعمها أمرًا أساسيًا لتعزيز سبل العيش المستدامة وخلق فرص عمل شاملة. في هذا الإطار، نظمت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) جلسة حوارية يوم الجمعة 12 أيلول/سبتمبر 2025 في سوق جارا – جمعية تجلى، جبل عمّان، ضمن فعاليات البازار الصيفي الذي يُعد جزءًا من مبادرات سوق الموسم، وذلك تحت عنوان: “الأسواق الشعبية في الأردن: نحو نموذج اقتصادي مستدام – التحديات والفرص”، بحضور خبراء وباحثين مهتمين بقضايا الاقتصاد المحلي والتنمية الاجتماعية. وجاءت هذه الجلسة، التي ناقشت واقع وتحديات وفرص تطوير الأسواق الشعبية، في إطار دراسة قيد التنفيذ لمركز النهضة الاستراتيجي التابع لمنظمة النهضة (أرض)، حيث تركز على تطوير هذه الأسواق في الأردن، مع تقديم توصيات عملية لدعم دورها في خلق فرص عيش شاملة ومستدامة للأردنيين واللاجئين. تحدث في الجلسة الباحث والكاتب د. كمال ميرزا، والصحفي والباحث في مجالات الفقر والتنمية والاجتماع د. أحمد أبو خليل، بينما أدارها الباحث في مركز النهضة الاستراتيجي خالد جمعة. وقال ميرزا: “الأسواق الشعبية فضاءات اجتماعية وثقافية تعكس هوية المجتمعات المحلية، وتخلق فرص عمل وتمكين اقتصادي للفئات المهمشة، ويجب التركيز على دعمها ليس فقط من ناحية البنية التحتية، بل أيضًا من خلال التشريعات والسياسات التي تشجع الابتكار والاستدامة”. من جهته، بين أبو خليل أن: “الأسواق الشعبية تحمل تاريخًا طويلًا من التبادل الاجتماعي والثقافي، وهي مرآة لتجارب الناس اليومية وطرق حياتهم. تطوير هذه الأسواق يتطلب فهمًا عميقًا لسلوكيات البائعين واحتياجاتهم، وضرورة فتح حوار حقيقي بين مختلف الجهات المعنية من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإيجاد حلول عملية ومستدامة، تعزز قدرة هذه الأسواق على خلق فرص عيش حقيقية للمجتمعات المحلية، بما فيها اللاجئين، وإدماجهم في الاقتصاد المحلي”. فيما شهد اللقاء مداخلات من المشاركين، خلصت بمجملها إلى التأكيد على الحاجة لوضع تعريف واضح للأسواق الشعبية وتحديد معاييرها، سواء عبر الاعتراف الرسمي بها أو من خلال تنظيم مرن يستند إلى الأفراد القائمين عليها أو إلى أطر مؤسسية. وأشاروا إلى أن هذه الأسواق غالباً ما تنشأ كمبادرات مجتمعية استجابة لاحتياجات محلية، ولا تُعد مجرد نقاط بيع ومصادر دخل، بل تحمل أيضاً بُعداً ثقافياً وتراثياً يعكس هوية المجتمع. كما شددت المداخلات على أهمية أن يقوم تنظيم هذه الأسواق على أسس تشاركية تجمع مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك إشراك القطاع الخاص، لضمان استدامتها. وأكد المشاركون أن صناعة القرارات المتعلقة بالأسواق الشعبية يجب أن تقوم على التكامل بين رؤية المجتمع المحلي واحتياجاته من جهة، ورؤية صانع القرار من جهة أخرى. واعتبروا أن عملية التخطيط والتنظيم لهذه الأسواق معقدة بطبيعتها، إذ تتجاوز البُعد الاقتصادي لتشمل أبعاداً تنموية واجتماعية وأمنية وتخطيطاً مدنياً متكاملاً. في المقابل، شكل البازار، الذي يأتي ضمن مشروع “نحو المستقبل: استكشاف فرص الاستدامة المحلية” بدعم من البرنامج الأوروبي الإقليمي للتنمية والحماية لدعم الأردن ولبنان، منصة مهمة لأصحاب المبادرات لعرض أفكارهم الإبداعية أمام جمهور متنوع يضم المجتمع المحلي، القطاع المدني، القطاع الخاص، والمنظمات الدولية. واشتمل البازار على تشكيلة واسعة من المنتجات اليدوية، بما في ذلك اللوحات الفنية، الإكسسوارات، الملابس، الصابون العضوي، والأطعمة المنزلية، ليكون منصة تحتفي بإبداعات اللاجئين والأردنيين. كما تخللت الفعالية أنشطة ترفيهية للأطفال من جميع الأعمار، وشكلت فرصة مميزة للبائعين للتشبيك مع جمعيات ومنصات تسويقية وعملاء جدد، مما يساهم في تعزيز استدامة مشاريعهم داخل السوق المحلي. وحظي البازار بحضور واسع من الجمهور العام، حيث أعرب المشاركون اللذين تلقوا تدريبات لتعزيز مهارات الوصول إلى الأسواق والتشبيك مع القطاعات المختلفة، عن تقديرهم لتنظيم هذه المبادرات التي تعزز وصول أصحاب المشاريع إلى سوق العمل، وقالوا: “لقد كان البازار فرصة رائعة لعرض منتجاتنا، وإقامة شراكات مختلفة والتعاون مع أصحاب مشاريع ونقاط بيع جديدة مثل محلات بيع التحف والحرف اليدوية، مما عزز ثقتنا في توسيع مشاريعنا”.  ختاماً، سيستمر سوق الموسم في فصل الشتاء القادم بباقة متنوعة من المنتجات، إذ تؤكد منظمة النهضة (أرض) والتحالف الوطني للمنظمات غير الحكومية (جوناف) على أهمية استكشاف الفرص المحلية لمشاريع سبل العيش ودعم الأعمال الناشئة في الأردن، والاستمرار في مبادرات اقتصادية مستدامة.

ماذا نتوقع من الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة؟

بقلم ماريا مارياني مع افتتاح الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 أيلول/سبتمبر في مدينة نيويورك، يجتمع قادة العالم في خضم تحديات غير مسبوقة في مجالات السلام، والأمن والحوكمة العالمية.[1] ولا تقتصر دورة هذا العام على كونها منتدى للحوار الدبلوماسي فحسب، بل تأتي في وقت حرج وهشّ لمعالجة الأزمات الملحة التي تهدد الاستقرار والأمن العالميين، لا سيما في ظل الحرب الدائرة على غزة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والخفض المالي الحاد في المساعدات الإنسانية، وهي ذات عواقب وخيمة على الفئات الأكثر ضعفًا في العالم. اُستبقت دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة القادمة بنقطة جدل كبيرة، برزت مع قرار الولايات المتحدة حجب أو إلغاء تأشيرات مسؤولي السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما منعهم من الحضور.[2] وعلى الرغم من هذه الخطوة، اعتمدت 142 دولة، في تصويت تاريخي يوم الجمعة الماضي، إعلان نيويورك السعودي الفرنسي من أجل دولة فلسطينية مستقلة، الأمر الذي أعطى زخمًا جديدًا لحل الدولتين.[3] يمهد هذا التصويت، الذي يعكس إجماعًا عالميًا غير مسبوق على الاعتراف الدولي بضمانات فلسطين وحق الفلسطينيين في تقرير المصير، الطريق الآن لمؤتمر الأمم المتحدة المقبل حول حل الدولتين، برئاسة مشتركة بين الرياض وباريس، في 22 أيلول/سبتمبر، إذ تعهد عدد من الدول، بما في ذلك فرنسا والمملكة المتحدة وكندا وبلجيكا وأستراليا، بالاعتراف رسميًا بدولة فلسطين.[4] وهذه هي الخطوة الأخيرة في الضغط الدولي المتزايد على إسرائيل لإنهاء حربها على غزة، التي أودت بحياة أكثر من 64 ألف شخص مع إصابة عشرات الآلاف، وخلقت ظروف مجاعة وسط كارثة إنسانية متفاقمة. تُذكّر هذه الحرب أيضًا برسالة الأمم المتحدة الأساسية المتمثلة في تعزيز السلام والأمن في جميع أنحاء العالم، كما هو منصوص عليه في ميثاقها[5] وروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.[6] ومع تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، فليس بالإمكان إنكار الحاجة المُلِحّة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة، وحتى الآن، فشلت منظومة الأمم المتحدة في تقديم استجابات واقعية لهذه الأزمة. وتُلقي الهجمات المتواصلة على السكان، والانتهاكات المتكررة للقانون الإنساني الدولي، وإفلات الدول المحتلة من العقاب، بظلالها على مستقبل المؤسسات متعددة الأطراف والإطار القانوني الدولي المُصمّم لحماية الأفراد وإحقاق العدالة. من جهة أخرى، تُفاقم أزمة تمويل الأمم المتحدة المستمرة هذه التحديات، والتي وصلت إلى مرحلة حرجة. فقد أجرت إدارة ترامب خفضًا واسع النطاق في المساعدات الخارجية، بما في ذلك مئات الملايين المخصصة لوكالات الأمم المتحدة، وفرضت قيودًا على الإنفاق الإضافي، وهو ما يُمثل تقليصًا كبيرًا في المخصصات، إذ ما تزال الولايات المتحدة أكبر ممول للأمم المتحدة، إذ قدمت لها حوالي 13 مليار دولار أمريكي في عام 2023.[7] تكافح العديد من الدول الأعضاء للوفاء بالتزاماتها المالية، بما يُعيق بشدة قدرة المنظمة على الاستجابة الفاعلة للأزمات. ولا يُقوّض هذا الوضع فعالية الأمم المتحدة التشغيلية فحسب، بل يُثير أيضًا تساؤلات حول شرعيتها بوصفها هيئة حاكمة عالمية، وفي حال عجز الأمم المتحدة عن تأمين الموارد الكافية للوفاء بولايتها، فسيستمر دورها في التضاؤل. علاوة على ذلك، يُنظر على نحو متزايد إلى نموذج التمويل الحالي على أنه غير منصف، مع تزايد الدعوات إلى الإصلاح. تُطالب المزيد من دول الجنوب العالمي، ولا سيما الهند، والبرازيل، والصين وجنوب إفريقيا، بدور أكبر في تشكيل جدول أعمال الأمم المتحدة وعملية صنع القرار. وليست هذه الدعوة إلى تمثيلٍ أكبر مجرد مسألة إنصاف؛ بل هي ضرورية للحوكمة الفعالة في عصر تشهد فيه ديناميكيات القوة تحولات عالمية، إذ يجب على الأمم المتحدة أن تتكيف لتعكس الحقائق المتنوعة لعالم متعدد الأقطاب، حيث تُعدّ وجهات النظر المختلفة حاسمة في مواجهة تحديات السلام والأمن المعقدة. وليس هذا الدفع من الجنوب هجومًا على العالم المتعدد الأطراف أو دعوة إلى تفكيك نظام الأمم المتحدة، بل هو فرصة لإعادة تشكيل نظام الحوكمة العالمية، لمناسبة الغايات بمزيد من الدقة، وخدمة الناس على نحو أكثر مباشرة كذلك، إذ تمثل هذه البلدان معظم سكان العالم. في الختام، وبينما نشهد تصاعدًا مُقلقًا في العنف وعدم الاستقرار، يمتد من المنطقة العربية إلى أوروبا الشرقية وخارجها، يغدو من الضروري بالنسبة لقادة العالم مواجهة تحديات عصرنا المُلحة على وجه السرعة. لقد ثبت بالفعل أن عواقب التقاعس عن العمل وخيمة، إذ تُبرز الحرب على غزة مدى الاستنزاف الذي يُمكن أن يُسببه انقسام القوى الكبرى مع وجود ملايين الأرواح على المحك. لذا، وخلال هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يجري حثّ الدول الأعضاء مرة أخرى على تحويل تعهداتها والتزاماتها إلى نتائج ملموسة. سيكون نجاح هذه الجهود أو فشلها حاسمًا، لا من حيث تحديد مصداقية الأمم المتحدة، وأهميتها وفعاليتها في المستقبل، ولكن في إعادة تشكيل النظام متعدد الأطراف الحالي أيضًا. وإذا ما فشلت الدول الأعضاء في التصرف بحزم وشجاعة، فإننا نُخاطر بسيناريو يحكم فيه أقوى اللاعبين وأكثرهم عدوانية العالم، الأمر الذي يُهدد الاستقرار والأمن الدوليين. ويجب على زعماء العالم أن يتحدوا في جهد متضافر، مؤكدين بقوة على مسؤوليتهم في تعزيز مبادئ الإنسانية، والتضامن، والعدالة والسلام وحمايتها، كما تعهدوا بذلك عند اعتمادهم ميثاق الأمم المتحدة.   [1] https://www.un.org/ar/high-level-week-2025 [2] https://www.aljazeera.com/news/2025/8/29/us-denies-visas-for-palestinian-officials-ahead-of-un-assembly [3] https://www.arabnews.com/node/2615205/middle-east [4] https://www.aljazeera.com/news/2025/9/9/illusions-stripped-away-what-to-know-about-the-80th-un-general-assembly   [5] https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text [6] https://www.un.org/ar/about-us/universal-declaration-of-human-rights [7] https://www.theguardian.com/commentisfree/2025/jul/06/the-un-is-our-best-defence-against-a-third-world-war-as-trump-wields-the-axe-who-will-fight-to-save-it  

منظمة النهضة (أرض) تستضيف تدريبات حول استراتيجيات الدبلوماسية العالمية وربطها بالواقع المحلي

كجزء من شراكة مستمرة مع منظمة “الدبلوماسي المستقل” لتنفيذ سلسلة تدريبات متخصصة، استضافت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، تدريباً حول تمكين المنظمات العاملة في الأردن من تطوير أدواتها الدبلوماسية وربط المنظور العالمي بالسياق المحلي. وقد شارك في التدريب كل من كادر جمعية تحفيز وكادر منظمة النهضة (أرض)، الشركاء الرسميين في الأردن لمنظمة الدبلوماسي المستقل. كما وتخلل التدريب كلمة ترحيب من نائب رئيس البعثة من سفارة مملكة هولندا، والذي ساهمت ملاحظاته حول الدبلوماسية بعداً هاماً للتدريب. ويأتي هذا التدريب الذي شاركت فيه جمعية تحفيز ومجموعة من ممثلي البعثات الدبلوماسية ومنظمات المجتمع المدني من فريق إداري ومدربين ومتطوعين ولاجئين، ضمن التعاون المشترك بين منظمتي النهضة العربية (أرض) و”الدبلوماسي المستقل”، التي تدعم المجتمعات المتأثرة بالأزمات للمشاركة في النقاشات السياسية الدولية. وركز التدريب على تاريخ حقوق اللاجئين في الأردن، مع جلسات عملية لتطوير استراتيجيات دبلوماسية  للتواصل مع صناع القرار، بهدف تعزيز حضور المنظمات المحلية في فضاءات صنع القرار العالمية. كما استعرض التدريب السياق الأردني لحقوق اللاجئين وسياساتهم، مستفيداً من خبرة المملكة وتجربتها الطويلة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما أضاف بعداً مهماً لربط المنظور العالمي بالواقع المحلي. وعن تجربتها في التدريب، قالت سامية، أحد القادة المجتمعيين في الأردن للجالية السودانية، : “منحني التدريب فرصة لفهم كيفية توظيف خبرتي الشخصية في صياغة رسائل دبلوماسية فعالة، وربط القضايا المحلية بالمشهد الدولي”. أما محمد، أحد القادة المجتمعيين في الأردن للجالية اليمنية، فأوضح: “أكسبني التدريب مهارات عملية للتواصل مع صناع القرار.. أشعر الآن بأن صوتنا يمكن أن يكون مؤثراً على مستوى السياسات”. ختاماً، ستستمر هذه التدريبات خلال الفترة المقبلة والسنة القادمة؛ وذلك لتمكين المنظمات العاملة في شؤون اللاجئين والقطاع الإنساني من تطوير أدواتها الدبلوماسية وشرح التحديات المشتركة مع المجتمعات المضيفة أمام الجمهور الدولي، ودعم جهود المناصرة الدولية للجمعيات المحلية في الدول المستضيفة، مما يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز العدالة والإنصاف في السياسات العالمية المتعلقة باللجوء والنزوح.

قصة الفستان الأبيض: من طفولة صعبة إلى قيادة وتمكين!

بقلم سندس صالح، إحدى مشاركات برنامج (هي تقود) بينما كنت طفلة في الصف الثالث الابتدائي، أحضرت لي والدتي ثلاثة فساتين: زهري، وأبيض، ونهدي، لأختار واحداً منها لارتدائه في حفل التخرج من المرحلة الابتدائية. ورغم شعري “المنكوش” في ذلك اليوم، اخترت الفستان الأبيض وحلمت بارتدائه بعد أن يسرح شعري في يوم الحفل. لكن الظروف المالية حالت دون استمراري في الدراسة، واضطررت لترك المدرسة قبل التخرج. بقي الفستان الأبيض معلقاً في الخزانة، رمزاً لحلم لم يتحقق. ومنذ تلك اللحظة ترسخ لديّ فهم خاطئ لـ”التقبل”، إذ ظننت أن كل ما نخسره لا نعوّضه إلا في الجنة. على النقيض، كانت شقيقتي سالي مليئة بالأمل. وكنت أدعو الله أن يبقي الأمل في قلبها حتى لا تعيش حزني ذاته. وجاءت “المعجزة” حين حصلت سالي على منحة دراسية، ومن بعدها انضممنا لبرنامج “هي تقود” الذي تنفذه منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض). ورغم أن الشروط لم تنطبق عليّ (كنت في السادسة عشرة فقط)، إلا أنني حصلت على القبول في يوم عيد ميلادي، وكأنها هدية مختلفة من الله. هناك بدأت أتعلم معنى التقبّل الحقيقي: “التقبّل ليس استسلاماً، بل أن تعيش وتبدع بطريقتك. والظروف ليست حاجزاً، بل قد تكون دافعاً لتحقيق ما تريد.” بهذا الفهم الجديد انخرطت في دورة إعلامية مدتها ستة أشهر، ومن هنا بدأت رحلتي. ومع أن الخوف القديم كاد يعيدني إلى “الدائرة السوداء”، جاءتني فرصة أخرى مع برنامج “هي تقود”. ترددت في البداية، لكن كلمات والدتي: “الوقت يمر بسرعة، لا تضيعوا الفرصة” دفعتني إلى خوض التجربة. خلال التدريبات، اكتشفت مع شقيقتي أننا نواجه قضايا يومية مثل العنف الأسري وحرمان الفتيات من التعليم. قدمنا في إحدى الجلسات صورة رمزية: عود كبريت يضيء شمعة. الكبريت والشمع مختلفان لكنهما يكملان بعضهما. كانت رسالتنا: “نحن بحاجة لبعضنا لنتكامل”. ومع الوقت، أصبحت قادرة على فهم الحقوق والسياسة والتأثير في صانعي القرار. وفاز فريقي بالمركز الأول في مسابقة دولية لتمكين المرأة في سوق العمل بين الأردن ولبنان ومصر. اليوم، لم أعد مجرد رقم، بل إنسانة فاعلة في المجتمع. رغم الانتهاكات التي مررت بها، أصبحت ناشطة ومدافعة عن حقوق الفتيات وذوي الإعاقة، وسفيرة لليونسيف عالمياً. تعلمت أن أقول: “نعم، لديّ إعاقة حركية وأجلس على كرسي متحرك. لكنه لم يقيّدني، بل جعلني أطير وأنا جالسة”. شاركت كذلك في إعداد موجز سياسات إقليمي حول العنف الإلكتروني ضد الفتيات، وسافرت إلى لبنان لأول مرة في حياتي بالطائرة. وراء كل هذا تقف أمي، التي كرست حياتها لنا، تخفي تعبها بابتسامة أمل وتؤجل رغباتها الشخصية.. “ماما نسيت حالها لأجلنا، وأنا اليوم فخورة بنجاحها من خلالنا. قد لا أستطيع أن أعوّضها، لكن نجاحنا هو ثمار تضحياتها”. وبعد ثلاث سنوات من التحديات، أطلقت أنا وشقيقتي سالي مشروعنا الخاص “استديو للتصوير”، وحولنا المعرفة التي اكتسبناها إلى فهم عميق.. فالمعرفة وحدها لا تكفي، الأهم أن نفهمها. لهذا كتبت كتيباً عن الزواج المبكر وحرمان الفتيات من التعليم بعنوان: فهم المعرفة، لأوصل رسالة هي تقود لكل العالم. أخيراً؛ عاد الفستان الأبيض ليُلبس. لم يعد رمز طفولة ضائعة، بل صار فستان النجاح والتمكين. قد لا أكون ارتديته في الصف الثالث، لكنني لبسته اليوم قائدة ومدافعة.. الفستان الأبيض اليوم أجمل بكثير!

منظمة النهضة (أرض) تعقد لقاءً حوارياً حول نظام “الفوترة الجديد”

في ظل التوجه العالمي نحو التحول الرقمي، أطلقت الحكومة الأردنية نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، الذي بدأ تطبيقه إلزامياً منذ نيسان 2025، لتعزيز الشفافية وتسهيل الإجراءات المالية ضمن الإصلاحات الضريبية والاقتصادية. صدر النظام رسمياً عام 2022 بموجب التشريعات الضريبية، ويهدف إلى رقمنة الفواتير لضمان توثيق المعاملات، تحسين تحصيل الضرائب، والحد من التهرب الضريبي. ويُعتبر خطوة مهمة نحو اقتصاد رقمي مستدام، لكنه يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومة وكافة القطاعات لضمان نجاحه. في هذا السياق، عقدت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، الأربعاء 3 أيلول/سبتمبر 2025 ضمن مشروع “جيل جديد”، لقاءً حوارياً حول “نظام الفوترة الوطني الإلكتروني الجديد”، بمشاركة جمعيات من تنسيقية المؤسسات الشبابية والتحالف الوطني للمنظمات غير الحكومية (جوناف)، لتسليط الضوء على آليات النظام، والإجابة على استفسارات مؤسسات المجتمع المدني حول تطبيقه. وتحدث في اللقاء مدير مديرية الفوترة في دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، أيمن الخوالدة، فيما أدار الحوار المستشار القانوني في منظمة النهضة (أرض)، رامي قويدر. واستعرض الخوالدة خلال اللقاء أبرز خصائص النظام، مبيناً أنه يتمتع بمرونة عالية تتيح انضمام مختلف المكلفين بسهولة ودون أعباء مالية إضافية، كما يسهم في تسريع إنجاز المعاملات الضريبية وتسهيل الحصول على إبراء الذمة، بما يعزز الشفافية والثقة بين المكلفين والدائرة.  وأوضح أن الفاتورة الإلكترونية تصدر وتحفظ إلكترونيًا ضمن نظام منظم يخضع لمتطلبات شؤون الفوترة والرقابة عليها، مشيراً إلى أن التسجيل متاح عبر الموقع الإلكتروني للدائرة باستخدام الرقم الضريبي وكلمة المرور الخاصة بكل مكلف. وأكد الخوالدة أن نظام الفوترة اليوم لم يعد مجرد منصة رقمية، بل يمثل رافعة إصلاحية تسهم في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس الشفافية والمساءلة والعدالة الضريبية. يشار إلى أن دائرة ضريبة الدخل والمبيعات أطلقت النظام نهاية عام 2022، لتبدأ مرحلة انضمام الشركات والمنشآت إلى شبكة الفوترة الوطنية، قبل أن يتم مطلع العام الحالي اعتماد الإطار التشريعي للمرحلة الثانية، التي تشمل توسيع التطبيق على المشتريات المحلية من السلع والخدمات الخاضعة ضريبيًا، بموجب فواتير أصولية. ختاماً، أكد المشاركون في اللقاء على أهمية تقييم التجربة بشكل دوري لمعالجة الثغرات التي قد تسمح بالتهرب الضريبي، وتوسيع نطاق عمل النظام ليشمل أكبر عدد من القطاعات، مع رفده بإطار تشريعي متوازن يفرض عقوبات رادعة على المخالفين دون المساس بالملتزمين. وشددوا على أهمية تطبيق القانون، بما يعزز الثقة والشفافية وتحقيق سيادة القانون، فضلاً عن ضرورة استمرار الجهود في رفع الوعي حول نظام الفوترة، خصوصاً في المحافظات والقطاع غير الربحي كمنظمات المجتمع المدني. يذكر أن مشروع جيل جديد يسعى إلى تدعيم الشراكة بين مؤسسات المجتمع المدني الشبابية والتحفيز على العمل الشبابي الجماعي بطرق إبداعية تسهم بإيصال أصوات الشباب وتعزز وجودهم ومشاركتهم بالفضاء العام.

منظمة النهضة (أرض) تعقد ندوة رقمية حول الحوكمة التشاركية في المنطقة العربية

نظّم مركز النهضة الاستراتيجي، التابع لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، يوم الثلاثاء 19 آب/ أغسطس 2025، ندوة رقمية بعنوان :”إعادة تصوّر الحوكمة التشاركية في المنطقة العربية: الممارسات المحلية والدروس المقارنة من ولاية كاريني”. هدفت الندوة إلى تعزيز فهم جديد لمفهوم الحوكمة في السياق المعقّد والصعب للمنطقة العربية، حيث سلّطت الصراعات الممتدة، وضعف المؤسسات، وتراجع ثقة المواطنين الضوء على حدود النُهج الفوقية في إشراك المجتمع المدني. وفي المقابل، أصبحت النُهج المحلية التشاركية -التي تركّز على بناء الثقة المدنية، وإدماج الشباب والنساء، وتعزيز شبكات القرب التي تربط بين الدولة والمجتمع- ركيزة أساسية في إعادة بناء الشرعية والمرونة في مختلف أنحاء المنطقة. وفي هذا السياق، شكّلت تجربة ولاية كاريني في ميانمار عدسة مقارنة مهمّة؛ إذ قدّمت هياكل الحوكمة المحلية الناشئة في ظل النزاع وانهيار المؤسسات هناك، دروسًا قيّمة حول اللامركزية، والمساءلة، والشرعية المستندة إلى المجتمع المحلي، وهي دروس تتقاطع مع السياقات العربية التي تشهد التشظي والانتقال. وجمع المركز أربعة متحدثين بارزين لمناقشة هذه القضايا عبر جلستين، بما يربط بين نقاشات الحوكمة في المنطقة العربية والخبرات المقارنة عالميًا. فكانت الجلسة الأولى بعنوان: “الحوكمة من القاعدة في البيئات المتأثرة بالنزاع -تجربة ولاية كاريني”، وشارك فيها: خون بيدو، نائب رئيس المجلس التنفيذي المؤقت لولاية كاريني، خلدون باكحيل، مستشار أول والمنسق القُطري باليمن لدى مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، ونائب وزير الإدارة الداخلية الأسبق في اليمن. أما الجلسة الثانية، فجاءت بعنوان: “تصوّر الحوكمة في المنطقة العربية -التحديات والبدائل والنماذج الناشئة”، وشارك فيها: مهند عدنان، المدير التنفيذي لمجموعة رؤيا للتنمية -العراق، وديمة أبو ذياب، مديرة برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في الأردن. بدوره، انطلق تشارلز بيتري، مستشار أول في منظمة النهضة العربية (أرض) والمساعد السابق للأمين العام للأمم المتحدة، الذي أدار الجلسة الأولى مع المشاركين، “من فرضية أساسية مفادها أنّه عند انهيار الأنظمة المركزية القوية –والتي غالبًا ما تكون قمعية- فإن الفراغ الناتج عن ذلك يفتح المجال أمام نشوء هياكل حوكمة محلية”.. أما محاولة إعادة تأسيس سلطة مركزية -وهو نهج قائم على النموذج “الويستفالي” للحوكمة- فتغدو شبه مستحيلة على المدى القصير والمتوسط. وتُظهر أمثلة الصومال، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وليبيا، واليمن وميانمار هذه الحقيقة بوضوح. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الاعتراف بوجود هذه الهياكل المحلية من الحوكمة وفهم الدور الذي يمكن أن تؤديه في إعادة بناء دولة فاعلة. من جانبه، قدّم خون بيدو تجربته المميزة في ولاية كاريني، مستعرضًا إطارها الفيدرالي القائم على النهج التصاعدي (من القاعدة إلى القمة)، والذي يعطي الأولوية لبناء المؤسسات، وتفويض السلطات للإدارات المحلية، وتعزيز ثقة المجتمع المحلي عبر الشفافية والمساءلة في البُنى الإدارية. أما خلدون باكحيل، فقد توسّع في هذه المفاهيم وأسقطها على السياق اليمني، موضحًا الطريقة التي مهّد بها التشظي، وجوهر الصراع نفسه، الأرضية أمام مبادرات الاستقرار المحلي، والدعوة إلى هيكل أكثر تمثيلًا وفيدرالية. في هذا الصدد، أثيرت نقاشات عديدة بين المشاركين حول عدة قضايا مهمة كالتغيّر المناخي، وانعدام الأمن الغذائي، ودور المساعدات الخارجية. وفي معرض الرد على سؤال حول دور المساعدات الخارجية، عرض بيدو تجربة ولاية كاريني في محاولة إنشاء صندوق ائتماني إقليمي متعدد المانحين. في المقابل، شدّد بَكاهيل على ضرورة أن يمتنع المجتمع الدولي عن التدخل في مفاوضات تقاسم السلطة السياسية في اليمن، مؤكدًا أن التركيز يجب أن ينصب على إحياء الإطار الفيدرالي الذي جرى الاتفاق عليه في السابق، والذي يمكن أن يضمن مستويات من الاستقرار. وأضاف بَكاهيل أنه لا بد من معالجة قضية التغير المناخي وانعدام الأمن الغذائي من خلال مقاربة شمولية تشارك فيها منظمات المجتمع المدني والشباب والنساء، على أن تُصمم استراتيجيات التخفيف المحلية لتوفير فرص حقيقية للعمل المناخي. أما الجلسة الثانية التي أدارتها مريم أبو سمرة، منسقة مركز النهضة الاستراتيجي، فقد توسّعت في المفاهيم التي طُرحت في الجلسة الأولى، وركّزت على تجارب الحوكمة التي تميّز السياقات المختلفة في المنطقة العربية. وكان من الأهمية بمكان التأكيد على النهج التصاعدي (من القاعدة إلى القمة)، مع التركيز على مشاركة الشباب، وذوي الإعاقة، والنساء في تحديد الفرص المتاحة. فيما استعرض مهند عدنان تجربة العراق، باعتباره بلدًا عاش عقودًا من النزاع، شهد خلالها صراعًا على السلطة بين البرلمان الفيدرالي من جهة، والمجالس المحلية والإقليمية من جهة أخرى. وأوضح أن الخشية من استحواذ المجالس المحلية على سلطات مفرطة من البرلمان الفيدرالي -أي صراع الصلاحيات- أدت في النهاية إلى حلّ المجالس المحلية. وأكد عدنان على الدور الذي لعبته الاحتجاجات في تمكين الشباب من الحصول على اعتراف أكبر من الحكومة، وهو أمر لم تحققه النساء وذوو الإعاقة بعد. من جهتها، ربطت ديمة أبو ذياب النقاش بالسياق الأردني المحلي، حيث يعمل برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية على إشراك المواطنين في صياغة السياسات التي تتيح مستقبلًا حضريًا أفضل. وفي سياق متصل بما عرضه عدنان، شرحت أبو ذياب السبل التي هدفت من خلالها مبادرات إبداعية مثل مشروع تخطيط حي جبل عمّان بالشراكة مع منظمة النهضة العربية (أرض)، إلى تشجيع مشاركة الشباب وتعزيز التخطيط المجتمعي. وعند فتح باب النقاش مع المشاركين، شدّد كل من أبو ذياب وعدنان على الحاجة العاجلة إلى مبادرات العمل المناخي، خاصة تلك المتعلقة بـالوقاية من الفيضانات المفاجئة في الأردن، وآليات معالجة المياه في العراق. ختامًا؛ جمعت هذه الندوة نخبة من أصحاب الخبرة من سياقات متنوعة، لاستكشاف أهمية وإمكانات الحوكمة المحلية في التصدي للتحديات التي تواجه المنطقة العربية والعالم ككل. وقد طُرحت تساؤلات محورية مثل مشاركة الشباب والنساء، وكذلك تهديد التغيّر المناخي. وخلافًا للتصورات التقليدية، جرى التأكيد على احتمال أن يشكّل النزاع يمكن الأساس الضروري لظهور هياكل حوكمة محلية فاعلة. وإن قبول هذه الحقيقة وبناء استراتيجيات تُدمج الحوكمة المحلية في صُلبها، يمكن أن يُسهم في تحقيق الاستقرار المستقبلي في مواجهة عالم دائم التغيّر.

بيان دعم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة

تدين الشبكة الدولية للقضية الفلسطينية بأقصى العبارات العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة يوم 9 تموز/يوليو 2025 على فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. إن الدوافع التي تقف وراء هذه العقوبات سياسية  ولا يمكن تبريرها قانونيًا، كما أنها تشكل تهديدًا مباشرًا لنزاهة آليات حقوق الإنسان الدولية واستقلالها. يثير توقيت هذه العقوبات قلقًا بالغًا، إذ أُعلن عنها بعد وقت قصير من نشر ألبانيز تقريرها أمام مجلس حقوق الإنسان، وهو التقرير الذي وثّقت فيه تواطؤ عدد من الشركات في الإبادة الجماعية في غزة، وذكرت فيه أسماء 60 شركة تجني الأرباح من هذه الإبادة، بما يعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي. وتماشيًا مع ولايتها، فقد أوصت ألبانيز رسميًا بأن تجري المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا مع هذه الشركات المتواطئة، وإمكانية اخضاعها للمحاكمة. من جهة أخرى، يعد نظام الإجراءات الخاصة ركنًا أساسيًا في منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ويؤدي فيه المقررون الخاصون دورًا لا غنى عنه. ففي عام 1999، قضت محكمة العدل الدولية بأن المقررين الخاصين “خبراء في بعثات الأمم المتحدة” بموجب التعريف الوارد في المادة 22 من “اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها” الصادرة عام 1946، وبذلك فهم يتمتعون بالامتيازات والحصانات المنصوص عليها فيها، ولا سيما الحصانة من “الملاحقة القانونية من كل نوع” وذلك فيما يتعلق بالتصريحات والأفعال الصادرة عنهم في إطار أداء مهامهم. وفي عام 2011 تبنى مجلس حقوق الإنسان القرار رقم HRC/Res/16/21 (مطالعة الوثيقة) الذي: أكد مجدداً على أن تلتزم الدول “بأن تتعاون مع أصحاب ولايات الإجراءات الخاصة وتساعدهم في مهامهم” (الفقرة 23)؛ أشار إلى أن “سلامة واستقلالية الإجراءات الخاصة ومبادئ التعاون والشفافية والمساءلة جزء من ضمان قوة نظام الإجراءات الخاصة، الذي من شأنه أن يعزز قدرة المجلس على معالجة أوضاع حقوق الإنسان في الميدان”. ويعد تعاون الدول ضروريًا بالنسبة للمقررين الخاصين لتنفيذ ولاياتهم دون خوف من أي إجراءات انتقامية أو مضللة من جانب الحكومات التي يوجهون النقد لأفعالها. علاوة على ذلك، يجب أن تمتنع الدول عن حشد أو تشجيع الآخرين على انتقاد هؤلاء المقررين أو التحريض عليهم. وباعتبار عضويتها في الأمم المتحدة، فقد وافقت جميع الدول الـ193 الأعضاء على احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وحماية موظفي المنظمة أثناء تأدية واجباتهم الرسمية. كما تقع مسؤولية إضافية على عاتق أكثر من 150 دولة، منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، كونها أطرافًا في “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها”. لقد فُرضت العقوبات على ألبانيز لاضطلاعها بواجباتها على أكمل وجه، وقد كرر مجلس حقوق الإنسان التأكيد على ثقته بها من خلال تمديد ولايتها لفترة جديدة مدتها ثلاث سنوات. ولا تستند مبررات هذه العقوبات إلى أي أساس قانوني دولي، كما تحتوي على أخطاء واقعية وادعاءات باطلة على نحو واضح بما يشوه شخصية ألبانيز وسمعتها ويسيء إليها. على صعيد آخر، تنتهك هذه العقوبات الأعراف القانونية الدولية وتهدد قواعد الحصانة الوظيفية الراسخة التي تحمي خبراء الأمم المتحدة من الإجراءات الانتقامية أثناء أداء مهامهم، وخاصة الحصانة من “الملاحقة القانونية من كل نوع” المنصوص عليها في المادة 22(ب) من اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946. وقد تعد هذه الإجراءات ضد السيدة ألبانيز عملاً غير قانوني من قبيل الإكراه الخارجي، بما يتعين أن تخضع الولايات المتحدة للمساءلة الدولية عن هذا الفعل. وتأتي هذه الهجمات عقب فرض الولايات المتحدة، في شباط/فبراير 2025، عقوبات على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وأربعة من قضاة هذه المحكمة. وتعكس هذه الممارسات نمطًا مرفوضًا من التجاهل المتعمد للقانون الدولي والإجراءات والمؤسسات الدولية المعمول بها. ويتمثل هدف هذه العقوبات في حماية ضحايا الانتهاكات الحقوقية، وكان من المفترض أن تحظى باحترام دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة رغم عدم مصادقتهما على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يؤطر عملها. وبدلًا من الوفاء بالتزاماتها والانخراط في مناقشة الاستنتاجات والتوصيات المهمة الواردة في تقرير المقررة الخاصة الأخير، لجأت الولايات المتحدة إلى إجراءات انتقامية تعترف من خلالها ضمنيًا بتقدم دوافعها الاقتصادية والسياسية على التزاماتها القانونية الدولية. وتعد هذه الخطوات جزءًا من مسعى أوسع لإضعاف سيطرة الأمم المتحدة وغيرها من آليات المساءلة الدولية التي تهدف إلى حماية الفئات الضعيفة وإحقاق العدالة، حتى وإن تعارضت هذه الآليات مع مصالح الدول الاستراتيجية. والظاهر أن عقوبات الولايات المتحدة صُممت عمدًا لتقويض العمل الأساسي للمقررين الخاصين من حيث تسليط الضوء على الجرائم الصارخة والخطيرة والممتدة التي ترتكبها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في غزة، إلى جانب حماية الدول والشركات المتواطئة من جميع صور المساءلة كذلك. في الواقع، تسهل هذه الجهات ارتكاب أخطر الجرائم الدولية، لا من خلال تمويل دولة الاحتلال الإسرائيلي وتزويدها بالعتاد فحسب، بل أيضًا عن طريق جهودها العلنية والخفية لتشويه سمعة الجهود المبذولة لكشف هذه الجرائم الدولية، وتقويضها والتوصية بردود عقابية. وكما أوضحت نتائج محكمة العدل الدولية، فإن جميع دول الطرف الثالث مسؤولة قانونًا عن وقف هذه الجرائم، وليس الدول المتهمة بارتكابها فقط. لقد حظيت المقرّرة الخاصة فرانشيسكا ألبانيز بإشادات واسعة طوال عملها في هذا المنصب الذي يعد من أكثر المناصب إثارة للجدل ضمن إطار الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان. وقد أدت الدور المنوط بها بشفافية ومهنية عالية، وعُرفت عالميًا على أنها مدافعة خبيرة ونافذة عن حقوق الإنسان، لا سيما بالنيابة عن أكثر الضحايا تضررًا. وقبل توليها هذا المنصب، قضت ألبانيز عقدًا من الزمن في العمل خبيرةً في حقوق الإنسان لصالح الأمم المتحدة، بما في ذلك في مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى جانب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وتشهد سجلاتها على كفاءة استثنائية وخبرة ونزاهة تحت الضغط، وهي عوامل لا غنى عنها حدت بمجلس حقوق الإنسان لاختيارها لهذا المنصب. إن الهجمات غير المبررة والإجراءات العقابية الموجهة ضد المقررة الخاصة والتي تبدو مدفوعة بمصالح بعض الدول الجيوسياسية غير مقبولة أو قانونية، كما يجب إدانتها رسميًا. لذا ندعو الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان والدول الأعضاء إلى اتخاذ الإجراءات العاجلة التالية: دراسة التوصيات الواردة بعناية في تقارير المقررة الخاصة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا سيما الأقسام التي تتناول انتهاكات دولة الاحتلال الإسرائيلي اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية؛ التعاون مع الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان لضمان احترام القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان؛ إدانة العقوبات المفروضة على فرانشيسكا ألبانيز بتاريخ 9 تموز/يوليو 2025 ومطالبة حكومة الولايات المتحدة بسحبها فورًا؛ مطالبة دولة الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع جميع الأفعال الواقعة تحت نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، وفقًا لأحكام محكمة العدل الدولية الصادرة في 26 كانون الثاني/يناير 2024؛ الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لمنع ووقف الإبادة الجماعية في غزة والضفة الغربية، بكل الوسائل القانونية المتاحة، بما في ذلك فرض حظر على الأسلحة.

عقد من المساعدة القانونية للاجئين في الأردن: دروس الاستجابة الإنسانية والمضي قدمًا

على مدار العقد الماضي، تميز الأردن بريادته في دمج المساعدة القانونية في استجابته للاجئين. تُبرز هذه المقالة الدروس الرئيسية المستفادة من هذه المسيرة، وتدعو إلى الاعتراف بالمساعدة القانونية بوصفها خدمة إنسانية أساسية، لا سيما في أوقات الأزمات والتحولات. ومع دخول أزمة اللاجئين السوريين مرحلة جديدة حرجة، وتوقع استعداد المزيد من العائلات للعودة إلى سوريا، يجدر بنا إعادة النظر في بُعدٍ من أبعاد العمل الإنساني لا ينال حظه من الاهتمام اللازم في معظم الأحيان ونعني بذلك المساعدة القانونية. خلال السنوات الاثني عشر الماضية، أصبح الأردن نموذجًا يُحتذى به في سبل تأثير الوصول إلى الخدمات القانونية على حياة اللاجئين اليومية، وحقوقهم وآفاقهم المستقبلية، وأسباب اعتبار المساعدة القانونية جزءًا لا يتجزأ من الحماية خلال الأوضاع الإنسانية.   المساعدة القانونية: شريان حياة أساسي يعاني الإهمال عندما تُجبر النزاعات أو الكوارث الناس على الفرار من أوطانهم، فغالبًا ما يعبرون الحدود دون الوثائق الرسمية أو وثائق إثبات العلاقات بين الأفراد، أو أخرى تبين وضعهم القانوني. وقد يؤدي ذلك الى ولادة أطفال لا يحملون شهادات ميلاد، وزواجًا غير مُسجل قانونًا، وأسرًا غير قادرة على الحصول على الحقوق من الميراث، وأشخاصًا مُعرَّضين لخطر الاعتقال أو الاستغلال على الدوام. تُحدد المعايير الإنسانية الدولية -مثل دليل “اسفير”- الحد الأدنى من احتياجات المأوى، والمياه، والصرف الصحي والاحتياجات الصحية. ومع ذلك، فإنها تُغفل إلى حد كبير الاحتياجات القانونية في هذا الصدد. تظهر الأدلة أن لهذه الفجوة عواقب وخيمة، إذ يكافح اللاجئون الذين يفتقرون إلى الوثائق الرسمية من أجل الحصول على التعليم، والرعاية الصحية، وتصاريح العمل والحماية الاجتماعية، وهم أكثر عرضة للعمل القسري، والزواج المبكر، والاتجار بالبشر وخطر انعدام الجنسية -وهي الظروف التي تُرسّخ الفقر والتوتر الاجتماعي.   رحلة الأردن: ترسيخ المساعدة القانونية منذ البداية عند إنشاء مخيم الزعتري للاجئين في الأردن في العام 2012 بهدف استضافة عشرات الآلاف من السوريين، سرعان ما برزت المخاطر القانونية التي تؤثر على قاطني المخيم، فقد أدى عدم وجود تسجيل مدني داخله، إلى ولادة الأطفال عرضة لخطر فقدان الجنسية، وعدم تسجيل حالات الزواج والطلاق والوفيات، إضافة إلى تعريض اللاجئين للاحتجاز في حال مغادرتهم المخيم بلا تصريح. وإدراكًا لهذه التحديات، سارعت منظمات المجتمع المدني الوطنية، بالتعاون مع الحكومة الأردنية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى إدراج المساعدة القانونية على أنها جزء أساسي من استجابة اللاجئين. وكانت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، وهي منظمة غير حكومية أردنية، من أوائل المنظمات التي قدمت الخدمات القانونية المتخصصة داخل مخيم الزعتري، وقد ناصرت بنجاح إنشاء مكاتب لدائرة الأحوال المدنية داخل المخيم لتسجيل المواليد والوفيات وغيرها من الوثائق، ودعمت إنشاء محاكم شرعية لتسجيل الزواج وغيرها من الوقعات الحيوية. جرى تطبيق هذا النموذج لاحقًا في مخيم الأزرق ، ما ضمن أن تصبح خدمات الهوية القانونية والحماية معيارًا أساسيًا في جميع مخيمات اللاجئين الرئيسية في الأردن. ومع مرور الوقت، اتسع نطاق هذا الالتزام ليتجاوز حدود المخيمات، إذ وصلت خدمات المساعدة القانونية إلى السوريين المقيمين في المناطق الحضرية، وامتدت لتشمل الأردنيين الأكثر ضعفًا وتأثرًا في المجتمعات المضيفة، وذلك بدافع  إدراك التداخل بين الفقر والإقصاء (أو الإبعاد) بين الجنسيات في أغلب الحالات.   دور الشراكات والتنسيق أُحرز هذا التقدم بفضل التعاون الوثيق مع المؤسسات الحكومية، والجهات القضائية، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والجهات المانحة الدولية، كما ساهم التنسيق الاستراتيجي بينها في ضمان الاعتراف بالخدمات القانونية، وتمويلها ودمجها في بنية المخيمات التحتية والأطر الوطنية الأوسع.   فريق وطني مُدرّب على الحماية يرجع الفضل في إتاحة هذه الخدمات للمستفيدين إلى وجود فريق كبير ومتنامٍ من المحامين، والمساعدين القانونيين والمستشارين القانونيين الأردنيين، ممن تلقوا تدريبًا وتجهيزًا على مر السنين للتعامل مع التحديات القانونية المعقدة التي تصاحب النزوح المطول. واليوم، تعمل هذه الشبكة الوطنية من خلال مكاتب منظمة النهضة العربية (أرض) في جميع أنحاء البلاد، حيث تُقدّم استشارات قانونية مجانية، وتمثيلًا قانونيًا أمام مختلف المحاكم، وجلسات توعية في المخيمات، في المدن والمحافظات والمناطق النائية على حد سواء. وعلى صعيد آخر، ساهمت الفرق القانونية في حل قضايا الأسرة، ونزاعات المالكين والمستأجرين ، وقضايا الاحتجاز والتوقيف الإداري، ومطالبات حقوق العمل، -التي يمر بها اللاجئون والأسر المحلية . كما كان لها دور حيوي في مكافحة الاحتيال والمعلومات المضللة، لا سيما في الأوقات التي تنتشر فيها الشائعات بسرعة وتُعرّض المجتمعات للاستغلال.   الأثر والدروس المستفادة تعكس تجربة الأردن ما تؤكده الأبحاث العالمية باستمرار وهي حقيقة أن المساعدة القانونية ليست ترفًا، بل أداة حماية أساسية، فاللاجئون الذين يمتلكون وثائق رسمية سليمة ويتمتعون بالقدرة للوصول إلى العدالة هم الأكثر عرضة لتسجيل أطفالهم في المدارس، والوصول إلى الرعاية الصحية، والحصول على عمل لائق، وحل النزاعات سلميًا. في المقابل، يُعمّق غياب الوثائق الرسمية التهميش، ويُقوّض التماسك الاجتماعي، بل إنه قد يؤثر على الاستقرار أيضًا. فعلى سبيل المثال، خلال السنوات الأولى من إنشاء مخيم الزعتري، أدى غياب قنوات قانونية واضحة إلى ظهور ممارسات ومخالفات قانونية معقدة. وقد أدى ترسيخ إطار قانوني واضح -بدعم من مقدمي المساعدة القانونية، ومكاتب دائرة الأحوال المدنية، والمحاكم الشرعية- إلى إعادة تعزيز وتنظيم الأوضاع القانونية في المخيم، وتخفيف المخالفات، وتعزيز سيادة القانون داخله منذ عام 2012، قدّمت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) المشورة القانونية لأكثر من 65,000 لاجئ في مخيم الزعتري، وساهمت في حلّ أكثر من 2,000 قضية قانونية، ودعمت إصدار أكثر من 3,500 وثيقة مدنية—بينما وصل مجمل خدمات العون القانوني الذي قدمته إلى ما معدله 100,000 شخص سنوياً في جميع أنحاء الأردن.   مرحلة جديدة: الاستعداد لعودة آمنة وقانونية في ظلّ تزايد فرص العودة الطوعية، ما تزال المساعدة القانونية حيوية، وإن تغيرت أشكالها إلى أخرى جديدة، ذلك أن اللاجئين الراغبين في العودة إلى بلادهم بحاجة إلى تسوية ديونهم المستحقة، والتحقق من السجلات المدنية والجنائية، والحصول على وثائق سارية المفعول، واجتياز إجراءات الخروج والعودة. وتواصل الفرق القانونية التابعة لمنظمة النهضة العربية (أرض) والموجودة في مخيمات الأردن والمناطق الحضرية، تقديم جلسات الإرشاد والتوعية القانونية لمساعدة العائلات على فهم حقوقها والتزاماتها، بما يضمن لهم عودة طوعية، وآمنة وقانونية. في الوقت نفسه، لا تقلّ الاحتياجات القانونية لمن بقوا في المخيمات وخارجها إلحاحًا وضرورة عن غيرها، فما تزال نزاعات السكن، وحقوق العمال، وقضايا الأسرة، ومنع الاحتيال من الأولويات اليومية، لا سيما مع تزايد ضغوط التمويل، واستمرار المجتمعات المضيفة في تحمل الآثار الاجتماعية والاقتصادية للنزوح المطول.   مخطط الاستجابة الإنسانية تُبيّن تجربة الأردن الممتدة لعقد من الزمن ضرورة اعتبار المساعدة القانونية ركيزة أساسية من ركائز الاستجابة الإنسانية بشكل يتساوى مع المأوى، والماء، والغذاء والرعاية الصحية، فهذه المساعدة تصون كرامة اللاجئين وحقوقهم، وتُعزز قدرة المجتمعات المضيفة على الصمود، وتستفيد بدورها من تكافؤ فرص الوصول إلى العدالة. كما تظهر دائرة المساعدة في المنظمة التي تضم المحامين الأردنيين المُدرَّبين والعاملين القانونيين المجتمعيين آليات وطرق

الشبكة الدولية للقضية الفلسطينية التابعة لمنظمة النهضة (أرض) ومؤسسة القانون من أجل فلسطين تنظمان عرضًا رقميًا لتقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة: من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية

قدّمت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، أحدث تقاريرها خلال لقاء رقمي استضافته الشبكة الدولية للقضية الفلسطينية ومؤسسة القانون من أجل فلسطين، في الأول من تموز/يوليو 2025. يحمل التقرير عنوان من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية، ويحقق في الآلة الاقتصادية للشركات التي تدعم المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي القائم على تهجير الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم في الأراضي المحتلة. وبينما يتهرب القادة السياسيون والحكومات من التزاماتهم القانونية والأخلاقية، حققت العديد من الكيانات والشركات أرباحًا ضخمة من اقتصاد الاحتلال غير القانوني ونظام الفصل العنصري – والآن من الإبادة الجماعية. تكشف هذه الدراسة الجديدة جزءًا يسيرًا فقط من حجم التواطؤ؛ إذ لا يمكن إنهاؤه دون محاسبة القطاع الخاص، بما في ذلك المديرين التنفيذيين لتلك الشركات. ويقر القانون الدولي بدرجات متفاوتة من المسؤولية – تتطلب جميعها التحقيق والمساءلة – لا سيما في هذه الحالة التي تهدد حق شعب بأكمله في تقرير المصير ووجوده ذاته. إن هذه المحاسبة خطوة أساسية لإنهاء الإبادة الجماعية وتفكيك المنظومة العالمية التي سمحت باستمرارها. وفي مداخلتها الافتتاحية، أوضحت المقررة الخاصة أن التقرير يتناول الكيانات والشركات في قطاعات متنوعة، مثل: شركات تصنيع الأسلحة، شركات التكنولوجيا، شركات البناء والتشييد، الصناعات الاستخراجية والخدمية، البنوك، صناديق التقاعد، شركات التأمين، الجامعات، والجمعيات الخيرية. تسهم هذه الجهات في تمكين إنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير، واستمرار الانتهاكات الهيكلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك الاحتلال، والضم، وجرائم الفصل العنصري، والإبادة الجماعية، إلى جانب سلسلة طويلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مثل التمييز، التدمير الممنهج، التهجير القسري، النهب، القتل خارج إطار القانون، والتجويع. أعقب استعراض التقرير نقاش مهم بين المشاركين والمقررة الخاصة، حيث أثنى العديد من الحضور على التقرير، وطلبوا توضيحات إضافية، وشددوا على أهمية الاستفادة من التقرير كإطار ومنصة للعمل الجماعي من أجل إنهاء الإبادة الجماعية الجارية، والفصل العنصري، والاحتلال، والجرائم المرافقة لها، وذلك بالاستناد إلى الزخم القائم لحركة التضامن العالمية المتنامية والداعمة لفلسطين والشعب الفلسطيني. يمكن الاطلاع على النص الكامل للتقرير من خلال الرابط التالي: https://www.ohchr.org/en/documents/country-reports/ahrc5923-economy-occupation-economy-genocide-report-special-rapporteur

الحروب تولِّد اللاجئين: المنطقة على شفا نزوح جماعي جديد
بيان صادر عن ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفا) في اليوم العالمي للاجئين

يحلّ اليوم العالمي للاجئين هذا العام في لحظة خطيرة تشهد تصعيدًا غير مسبوق ومخاطر متزايدة. فالمنطقة تقف على حافة صراع كارثي جديد بين إيران وإسرائيل، يهدد بحدوث موجات نزوح جماعي تفوق كل ما شهدناه من قبل. لم تعد طبول الحرب تدوي في غزة ولبنان وسوريا وحدها، بل باتت تهز أركان الدول المجاورة وحتى الدول البعيدة. ومع كل صاروخ يُطلق، وكل حدود تخترقها آلات العنف، تتزايد أعداد اللاجئين بلا هوادة. فالحروب هي التي تصنع اللاجئين، ونحن اليوم نقف على أعتاب أزمة إنسانية قد تغيّر وجه هذا العالم. وعليه، يطلق ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ) نداءً عاجلًا للحراك والعمل. ففي ظل اشتعال الصراعات وتفاقمها في مختلف أنحاء المنطقة العربية، تتزايد أعداد النازحين قسرًا، ليس بسبب القصف والرصاص فحسب، بل أيضًا نتيجة لانهيار الحلول السياسية، وانهيار منظومات الحماية الدولية، وعجز القوى الكبرى عن تحقيق العدالة. من القصف المتواصل على غزة إلى تفكك السودان، ومن جبهات الحرب في اليمن وسوريا إلى الضغوط المتصاعدة في لبنان والأردن، تقف المنطقة عند نقطة الانفجار. فالمجتمعات التي حملت على عاتقها عبء حماية اللاجئين لسنوات طويلة، رغم شحّ الموارد وتراجع الدعم، تُطالب اليوم بأن تستعد لموجة جديدة من النزوح قد تكون الأكبر حتى الآن. إن ما نشهده من عنف ليس تصعيدًا عابرًا، بل هو نتيجة عقود من الإفلات من العقاب، واستغلال الصراعات لتحقيق مصالح سياسية، والاستهانة بأرواح البشر. لقد صار استهداف المدنيين، فعسكرة الحصار، والإبادة البطيئة لشعوب بأكملها، كما نرى بوضوح في غزة، أمرًا معتادًا، بينما تغيب المساءلة تمامًا. ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، فإن اندلاع حرب إقليمية جديدة قد يطلق موجات نزوح هائلة تنهك الدول الهشة، وتزعزع استقرار المجتمعات، وتمتد آثارها إلى حوض المتوسط وما بعده. فلنكن واضحين لم يكتف المجتمع الدولي بعدم الاستجابة، بل ساهم في خلق الظروف التي تدفع إلى النزوح. فاللاجئون ليسوا نتيجة عرضية للحروب، بل هم الوجه الإنساني لفشل الدبلوماسية، والتجاهل المتكرر للتحذيرات، والتخلي عن مساعي السلام. ورغم هذا الواقع القاتم، ما زالت المجتمعات المحلية ( من عائلات وجيران ومدارس وعيادات) تتحمل عبء صون كرامة اللاجئين وتوفير الحماية لهم. إن تضامنها بطولي، ولكنه ليس بلا حدود. فلا يمكن أن تكون بديلاً عن التحرك الدولي، ولا يجوز تركها وحدها لمواجهة نتائج حروب لم تشعلها، وأزمات لم تتسبب بها. يدعو ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ) المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل وحاسم: أوقفوا الحروب، احموا المدنيين، أوقفوا النزوح القسري، وادعموا المجتمعات المضيفة بما تحتاج إليه من موارد وأدوات ودعم سياسي، ليس فقط لتجاوز الأزمة القادمة، بل لبناء مستقبل عادل وشامل. ويتطلب ذلك استثمارًا حقيقيًا في البنى التحتية، والحماية القانونية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، كما يتطلب إنهاء الاحتلال والإقصاء والعنف، وهي الجذور الحقيقية للنزوح. في هذا اليوم العالمي للاجئين، لا مجال للكلمات المحايدة. فهذا ليس وقت التأمل، بل وقت دق ناقوس الخطر. إن خطر اندلاع حرب إقليمية جديدة وما قد ينجم عنها من موجات نزوح تمتد من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا وأوروبا، خطر حقيقي وقريب. نناشد الحكومات، والمؤسسات الدولية، والمجتمع المدني، وكل الأفراد المعنيين: تحركوا الآن، وارفعوا أصواتكم، واستثمروا في السلام لا في المساعدات وحدها، وانظروا إلى النزوح ليس كعارض من أعراض الحروب والصراعات، بل كإنذار حقيقي لما هو أسوء. فاللاجئون ليسوا أزمات تُدار، بل أرواح يجب حمايتها. وهذه الحماية تبدأ بالإرادة السياسية. إن مستقبل شعوب المنطقة، ومستقبل إنسانيتنا المشتركة، مرهون بما نختار أن نفعله الآن.