منظمة النهضة (أرض) تعقد ندوة رقمية حول الحوكمة التشاركية في المنطقة العربية

نظّم مركز النهضة الاستراتيجي، التابع لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، يوم الثلاثاء 19 آب/ أغسطس 2025، ندوة رقمية بعنوان :”إعادة تصوّر الحوكمة التشاركية في المنطقة العربية: الممارسات المحلية والدروس المقارنة من ولاية كاريني”. هدفت الندوة إلى تعزيز فهم جديد لمفهوم الحوكمة في السياق المعقّد والصعب للمنطقة العربية، حيث سلّطت الصراعات الممتدة، وضعف المؤسسات، وتراجع ثقة المواطنين الضوء على حدود النُهج الفوقية في إشراك المجتمع المدني. وفي المقابل، أصبحت النُهج المحلية التشاركية -التي تركّز على بناء الثقة المدنية، وإدماج الشباب والنساء، وتعزيز شبكات القرب التي تربط بين الدولة والمجتمع- ركيزة أساسية في إعادة بناء الشرعية والمرونة في مختلف أنحاء المنطقة. وفي هذا السياق، شكّلت تجربة ولاية كاريني في ميانمار عدسة مقارنة مهمّة؛ إذ قدّمت هياكل الحوكمة المحلية الناشئة في ظل النزاع وانهيار المؤسسات هناك، دروسًا قيّمة حول اللامركزية، والمساءلة، والشرعية المستندة إلى المجتمع المحلي، وهي دروس تتقاطع مع السياقات العربية التي تشهد التشظي والانتقال. وجمع المركز أربعة متحدثين بارزين لمناقشة هذه القضايا عبر جلستين، بما يربط بين نقاشات الحوكمة في المنطقة العربية والخبرات المقارنة عالميًا. فكانت الجلسة الأولى بعنوان: “الحوكمة من القاعدة في البيئات المتأثرة بالنزاع -تجربة ولاية كاريني”، وشارك فيها: خون بيدو، نائب رئيس المجلس التنفيذي المؤقت لولاية كاريني، خلدون باكحيل، مستشار أول والمنسق القُطري باليمن لدى مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، ونائب وزير الإدارة الداخلية الأسبق في اليمن. أما الجلسة الثانية، فجاءت بعنوان: “تصوّر الحوكمة في المنطقة العربية -التحديات والبدائل والنماذج الناشئة”، وشارك فيها: مهند عدنان، المدير التنفيذي لمجموعة رؤيا للتنمية -العراق، وديمة أبو ذياب، مديرة برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في الأردن. بدوره، انطلق تشارلز بيتري، مستشار أول في منظمة النهضة العربية (أرض) والمساعد السابق للأمين العام للأمم المتحدة، الذي أدار الجلسة الأولى مع المشاركين، “من فرضية أساسية مفادها أنّه عند انهيار الأنظمة المركزية القوية –والتي غالبًا ما تكون قمعية- فإن الفراغ الناتج عن ذلك يفتح المجال أمام نشوء هياكل حوكمة محلية”.. أما محاولة إعادة تأسيس سلطة مركزية -وهو نهج قائم على النموذج “الويستفالي” للحوكمة- فتغدو شبه مستحيلة على المدى القصير والمتوسط. وتُظهر أمثلة الصومال، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وليبيا، واليمن وميانمار هذه الحقيقة بوضوح. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الاعتراف بوجود هذه الهياكل المحلية من الحوكمة وفهم الدور الذي يمكن أن تؤديه في إعادة بناء دولة فاعلة. من جانبه، قدّم خون بيدو تجربته المميزة في ولاية كاريني، مستعرضًا إطارها الفيدرالي القائم على النهج التصاعدي (من القاعدة إلى القمة)، والذي يعطي الأولوية لبناء المؤسسات، وتفويض السلطات للإدارات المحلية، وتعزيز ثقة المجتمع المحلي عبر الشفافية والمساءلة في البُنى الإدارية. أما خلدون باكحيل، فقد توسّع في هذه المفاهيم وأسقطها على السياق اليمني، موضحًا الطريقة التي مهّد بها التشظي، وجوهر الصراع نفسه، الأرضية أمام مبادرات الاستقرار المحلي، والدعوة إلى هيكل أكثر تمثيلًا وفيدرالية. في هذا الصدد، أثيرت نقاشات عديدة بين المشاركين حول عدة قضايا مهمة كالتغيّر المناخي، وانعدام الأمن الغذائي، ودور المساعدات الخارجية. وفي معرض الرد على سؤال حول دور المساعدات الخارجية، عرض بيدو تجربة ولاية كاريني في محاولة إنشاء صندوق ائتماني إقليمي متعدد المانحين. في المقابل، شدّد بَكاهيل على ضرورة أن يمتنع المجتمع الدولي عن التدخل في مفاوضات تقاسم السلطة السياسية في اليمن، مؤكدًا أن التركيز يجب أن ينصب على إحياء الإطار الفيدرالي الذي جرى الاتفاق عليه في السابق، والذي يمكن أن يضمن مستويات من الاستقرار. وأضاف بَكاهيل أنه لا بد من معالجة قضية التغير المناخي وانعدام الأمن الغذائي من خلال مقاربة شمولية تشارك فيها منظمات المجتمع المدني والشباب والنساء، على أن تُصمم استراتيجيات التخفيف المحلية لتوفير فرص حقيقية للعمل المناخي. أما الجلسة الثانية التي أدارتها مريم أبو سمرة، منسقة مركز النهضة الاستراتيجي، فقد توسّعت في المفاهيم التي طُرحت في الجلسة الأولى، وركّزت على تجارب الحوكمة التي تميّز السياقات المختلفة في المنطقة العربية. وكان من الأهمية بمكان التأكيد على النهج التصاعدي (من القاعدة إلى القمة)، مع التركيز على مشاركة الشباب، وذوي الإعاقة، والنساء في تحديد الفرص المتاحة. فيما استعرض مهند عدنان تجربة العراق، باعتباره بلدًا عاش عقودًا من النزاع، شهد خلالها صراعًا على السلطة بين البرلمان الفيدرالي من جهة، والمجالس المحلية والإقليمية من جهة أخرى. وأوضح أن الخشية من استحواذ المجالس المحلية على سلطات مفرطة من البرلمان الفيدرالي -أي صراع الصلاحيات- أدت في النهاية إلى حلّ المجالس المحلية. وأكد عدنان على الدور الذي لعبته الاحتجاجات في تمكين الشباب من الحصول على اعتراف أكبر من الحكومة، وهو أمر لم تحققه النساء وذوو الإعاقة بعد. من جهتها، ربطت ديمة أبو ذياب النقاش بالسياق الأردني المحلي، حيث يعمل برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية على إشراك المواطنين في صياغة السياسات التي تتيح مستقبلًا حضريًا أفضل. وفي سياق متصل بما عرضه عدنان، شرحت أبو ذياب السبل التي هدفت من خلالها مبادرات إبداعية مثل مشروع تخطيط حي جبل عمّان بالشراكة مع منظمة النهضة العربية (أرض)، إلى تشجيع مشاركة الشباب وتعزيز التخطيط المجتمعي. وعند فتح باب النقاش مع المشاركين، شدّد كل من أبو ذياب وعدنان على الحاجة العاجلة إلى مبادرات العمل المناخي، خاصة تلك المتعلقة بـالوقاية من الفيضانات المفاجئة في الأردن، وآليات معالجة المياه في العراق. ختامًا؛ جمعت هذه الندوة نخبة من أصحاب الخبرة من سياقات متنوعة، لاستكشاف أهمية وإمكانات الحوكمة المحلية في التصدي للتحديات التي تواجه المنطقة العربية والعالم ككل. وقد طُرحت تساؤلات محورية مثل مشاركة الشباب والنساء، وكذلك تهديد التغيّر المناخي. وخلافًا للتصورات التقليدية، جرى التأكيد على احتمال أن يشكّل النزاع يمكن الأساس الضروري لظهور هياكل حوكمة محلية فاعلة. وإن قبول هذه الحقيقة وبناء استراتيجيات تُدمج الحوكمة المحلية في صُلبها، يمكن أن يُسهم في تحقيق الاستقرار المستقبلي في مواجهة عالم دائم التغيّر.
بيان دعم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة

تدين الشبكة الدولية للقضية الفلسطينية بأقصى العبارات العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة يوم 9 تموز/يوليو 2025 على فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. إن الدوافع التي تقف وراء هذه العقوبات سياسية ولا يمكن تبريرها قانونيًا، كما أنها تشكل تهديدًا مباشرًا لنزاهة آليات حقوق الإنسان الدولية واستقلالها. يثير توقيت هذه العقوبات قلقًا بالغًا، إذ أُعلن عنها بعد وقت قصير من نشر ألبانيز تقريرها أمام مجلس حقوق الإنسان، وهو التقرير الذي وثّقت فيه تواطؤ عدد من الشركات في الإبادة الجماعية في غزة، وذكرت فيه أسماء 60 شركة تجني الأرباح من هذه الإبادة، بما يعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي. وتماشيًا مع ولايتها، فقد أوصت ألبانيز رسميًا بأن تجري المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا مع هذه الشركات المتواطئة، وإمكانية اخضاعها للمحاكمة. من جهة أخرى، يعد نظام الإجراءات الخاصة ركنًا أساسيًا في منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ويؤدي فيه المقررون الخاصون دورًا لا غنى عنه. ففي عام 1999، قضت محكمة العدل الدولية بأن المقررين الخاصين “خبراء في بعثات الأمم المتحدة” بموجب التعريف الوارد في المادة 22 من “اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها” الصادرة عام 1946، وبذلك فهم يتمتعون بالامتيازات والحصانات المنصوص عليها فيها، ولا سيما الحصانة من “الملاحقة القانونية من كل نوع” وذلك فيما يتعلق بالتصريحات والأفعال الصادرة عنهم في إطار أداء مهامهم. وفي عام 2011 تبنى مجلس حقوق الإنسان القرار رقم HRC/Res/16/21 (مطالعة الوثيقة) الذي: أكد مجدداً على أن تلتزم الدول “بأن تتعاون مع أصحاب ولايات الإجراءات الخاصة وتساعدهم في مهامهم” (الفقرة 23)؛ أشار إلى أن “سلامة واستقلالية الإجراءات الخاصة ومبادئ التعاون والشفافية والمساءلة جزء من ضمان قوة نظام الإجراءات الخاصة، الذي من شأنه أن يعزز قدرة المجلس على معالجة أوضاع حقوق الإنسان في الميدان”. ويعد تعاون الدول ضروريًا بالنسبة للمقررين الخاصين لتنفيذ ولاياتهم دون خوف من أي إجراءات انتقامية أو مضللة من جانب الحكومات التي يوجهون النقد لأفعالها. علاوة على ذلك، يجب أن تمتنع الدول عن حشد أو تشجيع الآخرين على انتقاد هؤلاء المقررين أو التحريض عليهم. وباعتبار عضويتها في الأمم المتحدة، فقد وافقت جميع الدول الـ193 الأعضاء على احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وحماية موظفي المنظمة أثناء تأدية واجباتهم الرسمية. كما تقع مسؤولية إضافية على عاتق أكثر من 150 دولة، منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، كونها أطرافًا في “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها”. لقد فُرضت العقوبات على ألبانيز لاضطلاعها بواجباتها على أكمل وجه، وقد كرر مجلس حقوق الإنسان التأكيد على ثقته بها من خلال تمديد ولايتها لفترة جديدة مدتها ثلاث سنوات. ولا تستند مبررات هذه العقوبات إلى أي أساس قانوني دولي، كما تحتوي على أخطاء واقعية وادعاءات باطلة على نحو واضح بما يشوه شخصية ألبانيز وسمعتها ويسيء إليها. على صعيد آخر، تنتهك هذه العقوبات الأعراف القانونية الدولية وتهدد قواعد الحصانة الوظيفية الراسخة التي تحمي خبراء الأمم المتحدة من الإجراءات الانتقامية أثناء أداء مهامهم، وخاصة الحصانة من “الملاحقة القانونية من كل نوع” المنصوص عليها في المادة 22(ب) من اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946. وقد تعد هذه الإجراءات ضد السيدة ألبانيز عملاً غير قانوني من قبيل الإكراه الخارجي، بما يتعين أن تخضع الولايات المتحدة للمساءلة الدولية عن هذا الفعل. وتأتي هذه الهجمات عقب فرض الولايات المتحدة، في شباط/فبراير 2025، عقوبات على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وأربعة من قضاة هذه المحكمة. وتعكس هذه الممارسات نمطًا مرفوضًا من التجاهل المتعمد للقانون الدولي والإجراءات والمؤسسات الدولية المعمول بها. ويتمثل هدف هذه العقوبات في حماية ضحايا الانتهاكات الحقوقية، وكان من المفترض أن تحظى باحترام دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة رغم عدم مصادقتهما على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يؤطر عملها. وبدلًا من الوفاء بالتزاماتها والانخراط في مناقشة الاستنتاجات والتوصيات المهمة الواردة في تقرير المقررة الخاصة الأخير، لجأت الولايات المتحدة إلى إجراءات انتقامية تعترف من خلالها ضمنيًا بتقدم دوافعها الاقتصادية والسياسية على التزاماتها القانونية الدولية. وتعد هذه الخطوات جزءًا من مسعى أوسع لإضعاف سيطرة الأمم المتحدة وغيرها من آليات المساءلة الدولية التي تهدف إلى حماية الفئات الضعيفة وإحقاق العدالة، حتى وإن تعارضت هذه الآليات مع مصالح الدول الاستراتيجية. والظاهر أن عقوبات الولايات المتحدة صُممت عمدًا لتقويض العمل الأساسي للمقررين الخاصين من حيث تسليط الضوء على الجرائم الصارخة والخطيرة والممتدة التي ترتكبها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في غزة، إلى جانب حماية الدول والشركات المتواطئة من جميع صور المساءلة كذلك. في الواقع، تسهل هذه الجهات ارتكاب أخطر الجرائم الدولية، لا من خلال تمويل دولة الاحتلال الإسرائيلي وتزويدها بالعتاد فحسب، بل أيضًا عن طريق جهودها العلنية والخفية لتشويه سمعة الجهود المبذولة لكشف هذه الجرائم الدولية، وتقويضها والتوصية بردود عقابية. وكما أوضحت نتائج محكمة العدل الدولية، فإن جميع دول الطرف الثالث مسؤولة قانونًا عن وقف هذه الجرائم، وليس الدول المتهمة بارتكابها فقط. لقد حظيت المقرّرة الخاصة فرانشيسكا ألبانيز بإشادات واسعة طوال عملها في هذا المنصب الذي يعد من أكثر المناصب إثارة للجدل ضمن إطار الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان. وقد أدت الدور المنوط بها بشفافية ومهنية عالية، وعُرفت عالميًا على أنها مدافعة خبيرة ونافذة عن حقوق الإنسان، لا سيما بالنيابة عن أكثر الضحايا تضررًا. وقبل توليها هذا المنصب، قضت ألبانيز عقدًا من الزمن في العمل خبيرةً في حقوق الإنسان لصالح الأمم المتحدة، بما في ذلك في مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى جانب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وتشهد سجلاتها على كفاءة استثنائية وخبرة ونزاهة تحت الضغط، وهي عوامل لا غنى عنها حدت بمجلس حقوق الإنسان لاختيارها لهذا المنصب. إن الهجمات غير المبررة والإجراءات العقابية الموجهة ضد المقررة الخاصة والتي تبدو مدفوعة بمصالح بعض الدول الجيوسياسية غير مقبولة أو قانونية، كما يجب إدانتها رسميًا. لذا ندعو الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان والدول الأعضاء إلى اتخاذ الإجراءات العاجلة التالية: دراسة التوصيات الواردة بعناية في تقارير المقررة الخاصة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا سيما الأقسام التي تتناول انتهاكات دولة الاحتلال الإسرائيلي اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية؛ التعاون مع الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان لضمان احترام القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان؛ إدانة العقوبات المفروضة على فرانشيسكا ألبانيز بتاريخ 9 تموز/يوليو 2025 ومطالبة حكومة الولايات المتحدة بسحبها فورًا؛ مطالبة دولة الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع جميع الأفعال الواقعة تحت نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، وفقًا لأحكام محكمة العدل الدولية الصادرة في 26 كانون الثاني/يناير 2024؛ الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لمنع ووقف الإبادة الجماعية في غزة والضفة الغربية، بكل الوسائل القانونية المتاحة، بما في ذلك فرض حظر على الأسلحة.
عقد من المساعدة القانونية للاجئين في الأردن: دروس الاستجابة الإنسانية والمضي قدمًا

على مدار العقد الماضي، تميز الأردن بريادته في دمج المساعدة القانونية في استجابته للاجئين. تُبرز هذه المقالة الدروس الرئيسية المستفادة من هذه المسيرة، وتدعو إلى الاعتراف بالمساعدة القانونية بوصفها خدمة إنسانية أساسية، لا سيما في أوقات الأزمات والتحولات. ومع دخول أزمة اللاجئين السوريين مرحلة جديدة حرجة، وتوقع استعداد المزيد من العائلات للعودة إلى سوريا، يجدر بنا إعادة النظر في بُعدٍ من أبعاد العمل الإنساني لا ينال حظه من الاهتمام اللازم في معظم الأحيان ونعني بذلك المساعدة القانونية. خلال السنوات الاثني عشر الماضية، أصبح الأردن نموذجًا يُحتذى به في سبل تأثير الوصول إلى الخدمات القانونية على حياة اللاجئين اليومية، وحقوقهم وآفاقهم المستقبلية، وأسباب اعتبار المساعدة القانونية جزءًا لا يتجزأ من الحماية خلال الأوضاع الإنسانية. المساعدة القانونية: شريان حياة أساسي يعاني الإهمال عندما تُجبر النزاعات أو الكوارث الناس على الفرار من أوطانهم، فغالبًا ما يعبرون الحدود دون الوثائق الرسمية أو وثائق إثبات العلاقات بين الأفراد، أو أخرى تبين وضعهم القانوني. وقد يؤدي ذلك الى ولادة أطفال لا يحملون شهادات ميلاد، وزواجًا غير مُسجل قانونًا، وأسرًا غير قادرة على الحصول على الحقوق من الميراث، وأشخاصًا مُعرَّضين لخطر الاعتقال أو الاستغلال على الدوام. تُحدد المعايير الإنسانية الدولية -مثل دليل “اسفير”- الحد الأدنى من احتياجات المأوى، والمياه، والصرف الصحي والاحتياجات الصحية. ومع ذلك، فإنها تُغفل إلى حد كبير الاحتياجات القانونية في هذا الصدد. تظهر الأدلة أن لهذه الفجوة عواقب وخيمة، إذ يكافح اللاجئون الذين يفتقرون إلى الوثائق الرسمية من أجل الحصول على التعليم، والرعاية الصحية، وتصاريح العمل والحماية الاجتماعية، وهم أكثر عرضة للعمل القسري، والزواج المبكر، والاتجار بالبشر وخطر انعدام الجنسية -وهي الظروف التي تُرسّخ الفقر والتوتر الاجتماعي. رحلة الأردن: ترسيخ المساعدة القانونية منذ البداية عند إنشاء مخيم الزعتري للاجئين في الأردن في العام 2012 بهدف استضافة عشرات الآلاف من السوريين، سرعان ما برزت المخاطر القانونية التي تؤثر على قاطني المخيم، فقد أدى عدم وجود تسجيل مدني داخله، إلى ولادة الأطفال عرضة لخطر فقدان الجنسية، وعدم تسجيل حالات الزواج والطلاق والوفيات، إضافة إلى تعريض اللاجئين للاحتجاز في حال مغادرتهم المخيم بلا تصريح. وإدراكًا لهذه التحديات، سارعت منظمات المجتمع المدني الوطنية، بالتعاون مع الحكومة الأردنية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى إدراج المساعدة القانونية على أنها جزء أساسي من استجابة اللاجئين. وكانت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، وهي منظمة غير حكومية أردنية، من أوائل المنظمات التي قدمت الخدمات القانونية المتخصصة داخل مخيم الزعتري، وقد ناصرت بنجاح إنشاء مكاتب لدائرة الأحوال المدنية داخل المخيم لتسجيل المواليد والوفيات وغيرها من الوثائق، ودعمت إنشاء محاكم شرعية لتسجيل الزواج وغيرها من الوقعات الحيوية. جرى تطبيق هذا النموذج لاحقًا في مخيم الأزرق ، ما ضمن أن تصبح خدمات الهوية القانونية والحماية معيارًا أساسيًا في جميع مخيمات اللاجئين الرئيسية في الأردن. ومع مرور الوقت، اتسع نطاق هذا الالتزام ليتجاوز حدود المخيمات، إذ وصلت خدمات المساعدة القانونية إلى السوريين المقيمين في المناطق الحضرية، وامتدت لتشمل الأردنيين الأكثر ضعفًا وتأثرًا في المجتمعات المضيفة، وذلك بدافع إدراك التداخل بين الفقر والإقصاء (أو الإبعاد) بين الجنسيات في أغلب الحالات. دور الشراكات والتنسيق أُحرز هذا التقدم بفضل التعاون الوثيق مع المؤسسات الحكومية، والجهات القضائية، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والجهات المانحة الدولية، كما ساهم التنسيق الاستراتيجي بينها في ضمان الاعتراف بالخدمات القانونية، وتمويلها ودمجها في بنية المخيمات التحتية والأطر الوطنية الأوسع. فريق وطني مُدرّب على الحماية يرجع الفضل في إتاحة هذه الخدمات للمستفيدين إلى وجود فريق كبير ومتنامٍ من المحامين، والمساعدين القانونيين والمستشارين القانونيين الأردنيين، ممن تلقوا تدريبًا وتجهيزًا على مر السنين للتعامل مع التحديات القانونية المعقدة التي تصاحب النزوح المطول. واليوم، تعمل هذه الشبكة الوطنية من خلال مكاتب منظمة النهضة العربية (أرض) في جميع أنحاء البلاد، حيث تُقدّم استشارات قانونية مجانية، وتمثيلًا قانونيًا أمام مختلف المحاكم، وجلسات توعية في المخيمات، في المدن والمحافظات والمناطق النائية على حد سواء. وعلى صعيد آخر، ساهمت الفرق القانونية في حل قضايا الأسرة، ونزاعات المالكين والمستأجرين ، وقضايا الاحتجاز والتوقيف الإداري، ومطالبات حقوق العمل، -التي يمر بها اللاجئون والأسر المحلية . كما كان لها دور حيوي في مكافحة الاحتيال والمعلومات المضللة، لا سيما في الأوقات التي تنتشر فيها الشائعات بسرعة وتُعرّض المجتمعات للاستغلال. الأثر والدروس المستفادة تعكس تجربة الأردن ما تؤكده الأبحاث العالمية باستمرار وهي حقيقة أن المساعدة القانونية ليست ترفًا، بل أداة حماية أساسية، فاللاجئون الذين يمتلكون وثائق رسمية سليمة ويتمتعون بالقدرة للوصول إلى العدالة هم الأكثر عرضة لتسجيل أطفالهم في المدارس، والوصول إلى الرعاية الصحية، والحصول على عمل لائق، وحل النزاعات سلميًا. في المقابل، يُعمّق غياب الوثائق الرسمية التهميش، ويُقوّض التماسك الاجتماعي، بل إنه قد يؤثر على الاستقرار أيضًا. فعلى سبيل المثال، خلال السنوات الأولى من إنشاء مخيم الزعتري، أدى غياب قنوات قانونية واضحة إلى ظهور ممارسات ومخالفات قانونية معقدة. وقد أدى ترسيخ إطار قانوني واضح -بدعم من مقدمي المساعدة القانونية، ومكاتب دائرة الأحوال المدنية، والمحاكم الشرعية- إلى إعادة تعزيز وتنظيم الأوضاع القانونية في المخيم، وتخفيف المخالفات، وتعزيز سيادة القانون داخله منذ عام 2012، قدّمت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) المشورة القانونية لأكثر من 65,000 لاجئ في مخيم الزعتري، وساهمت في حلّ أكثر من 2,000 قضية قانونية، ودعمت إصدار أكثر من 3,500 وثيقة مدنية—بينما وصل مجمل خدمات العون القانوني الذي قدمته إلى ما معدله 100,000 شخص سنوياً في جميع أنحاء الأردن. مرحلة جديدة: الاستعداد لعودة آمنة وقانونية في ظلّ تزايد فرص العودة الطوعية، ما تزال المساعدة القانونية حيوية، وإن تغيرت أشكالها إلى أخرى جديدة، ذلك أن اللاجئين الراغبين في العودة إلى بلادهم بحاجة إلى تسوية ديونهم المستحقة، والتحقق من السجلات المدنية والجنائية، والحصول على وثائق سارية المفعول، واجتياز إجراءات الخروج والعودة. وتواصل الفرق القانونية التابعة لمنظمة النهضة العربية (أرض) والموجودة في مخيمات الأردن والمناطق الحضرية، تقديم جلسات الإرشاد والتوعية القانونية لمساعدة العائلات على فهم حقوقها والتزاماتها، بما يضمن لهم عودة طوعية، وآمنة وقانونية. في الوقت نفسه، لا تقلّ الاحتياجات القانونية لمن بقوا في المخيمات وخارجها إلحاحًا وضرورة عن غيرها، فما تزال نزاعات السكن، وحقوق العمال، وقضايا الأسرة، ومنع الاحتيال من الأولويات اليومية، لا سيما مع تزايد ضغوط التمويل، واستمرار المجتمعات المضيفة في تحمل الآثار الاجتماعية والاقتصادية للنزوح المطول. مخطط الاستجابة الإنسانية تُبيّن تجربة الأردن الممتدة لعقد من الزمن ضرورة اعتبار المساعدة القانونية ركيزة أساسية من ركائز الاستجابة الإنسانية بشكل يتساوى مع المأوى، والماء، والغذاء والرعاية الصحية، فهذه المساعدة تصون كرامة اللاجئين وحقوقهم، وتُعزز قدرة المجتمعات المضيفة على الصمود، وتستفيد بدورها من تكافؤ فرص الوصول إلى العدالة. كما تظهر دائرة المساعدة في المنظمة التي تضم المحامين الأردنيين المُدرَّبين والعاملين القانونيين المجتمعيين آليات وطرق
الشبكة الدولية للقضية الفلسطينية التابعة لمنظمة النهضة (أرض) ومؤسسة القانون من أجل فلسطين تنظمان عرضًا رقميًا لتقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة: من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية

قدّمت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، أحدث تقاريرها خلال لقاء رقمي استضافته الشبكة الدولية للقضية الفلسطينية ومؤسسة القانون من أجل فلسطين، في الأول من تموز/يوليو 2025. يحمل التقرير عنوان من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية، ويحقق في الآلة الاقتصادية للشركات التي تدعم المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي القائم على تهجير الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم في الأراضي المحتلة. وبينما يتهرب القادة السياسيون والحكومات من التزاماتهم القانونية والأخلاقية، حققت العديد من الكيانات والشركات أرباحًا ضخمة من اقتصاد الاحتلال غير القانوني ونظام الفصل العنصري – والآن من الإبادة الجماعية. تكشف هذه الدراسة الجديدة جزءًا يسيرًا فقط من حجم التواطؤ؛ إذ لا يمكن إنهاؤه دون محاسبة القطاع الخاص، بما في ذلك المديرين التنفيذيين لتلك الشركات. ويقر القانون الدولي بدرجات متفاوتة من المسؤولية – تتطلب جميعها التحقيق والمساءلة – لا سيما في هذه الحالة التي تهدد حق شعب بأكمله في تقرير المصير ووجوده ذاته. إن هذه المحاسبة خطوة أساسية لإنهاء الإبادة الجماعية وتفكيك المنظومة العالمية التي سمحت باستمرارها. وفي مداخلتها الافتتاحية، أوضحت المقررة الخاصة أن التقرير يتناول الكيانات والشركات في قطاعات متنوعة، مثل: شركات تصنيع الأسلحة، شركات التكنولوجيا، شركات البناء والتشييد، الصناعات الاستخراجية والخدمية، البنوك، صناديق التقاعد، شركات التأمين، الجامعات، والجمعيات الخيرية. تسهم هذه الجهات في تمكين إنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير، واستمرار الانتهاكات الهيكلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك الاحتلال، والضم، وجرائم الفصل العنصري، والإبادة الجماعية، إلى جانب سلسلة طويلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مثل التمييز، التدمير الممنهج، التهجير القسري، النهب، القتل خارج إطار القانون، والتجويع. أعقب استعراض التقرير نقاش مهم بين المشاركين والمقررة الخاصة، حيث أثنى العديد من الحضور على التقرير، وطلبوا توضيحات إضافية، وشددوا على أهمية الاستفادة من التقرير كإطار ومنصة للعمل الجماعي من أجل إنهاء الإبادة الجماعية الجارية، والفصل العنصري، والاحتلال، والجرائم المرافقة لها، وذلك بالاستناد إلى الزخم القائم لحركة التضامن العالمية المتنامية والداعمة لفلسطين والشعب الفلسطيني. يمكن الاطلاع على النص الكامل للتقرير من خلال الرابط التالي: https://www.ohchr.org/en/documents/country-reports/ahrc5923-economy-occupation-economy-genocide-report-special-rapporteur
الحروب تولِّد اللاجئين: المنطقة على شفا نزوح جماعي جديد
بيان صادر عن ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفا) في اليوم العالمي للاجئين

يحلّ اليوم العالمي للاجئين هذا العام في لحظة خطيرة تشهد تصعيدًا غير مسبوق ومخاطر متزايدة. فالمنطقة تقف على حافة صراع كارثي جديد بين إيران وإسرائيل، يهدد بحدوث موجات نزوح جماعي تفوق كل ما شهدناه من قبل. لم تعد طبول الحرب تدوي في غزة ولبنان وسوريا وحدها، بل باتت تهز أركان الدول المجاورة وحتى الدول البعيدة. ومع كل صاروخ يُطلق، وكل حدود تخترقها آلات العنف، تتزايد أعداد اللاجئين بلا هوادة. فالحروب هي التي تصنع اللاجئين، ونحن اليوم نقف على أعتاب أزمة إنسانية قد تغيّر وجه هذا العالم. وعليه، يطلق ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ) نداءً عاجلًا للحراك والعمل. ففي ظل اشتعال الصراعات وتفاقمها في مختلف أنحاء المنطقة العربية، تتزايد أعداد النازحين قسرًا، ليس بسبب القصف والرصاص فحسب، بل أيضًا نتيجة لانهيار الحلول السياسية، وانهيار منظومات الحماية الدولية، وعجز القوى الكبرى عن تحقيق العدالة. من القصف المتواصل على غزة إلى تفكك السودان، ومن جبهات الحرب في اليمن وسوريا إلى الضغوط المتصاعدة في لبنان والأردن، تقف المنطقة عند نقطة الانفجار. فالمجتمعات التي حملت على عاتقها عبء حماية اللاجئين لسنوات طويلة، رغم شحّ الموارد وتراجع الدعم، تُطالب اليوم بأن تستعد لموجة جديدة من النزوح قد تكون الأكبر حتى الآن. إن ما نشهده من عنف ليس تصعيدًا عابرًا، بل هو نتيجة عقود من الإفلات من العقاب، واستغلال الصراعات لتحقيق مصالح سياسية، والاستهانة بأرواح البشر. لقد صار استهداف المدنيين، فعسكرة الحصار، والإبادة البطيئة لشعوب بأكملها، كما نرى بوضوح في غزة، أمرًا معتادًا، بينما تغيب المساءلة تمامًا. ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، فإن اندلاع حرب إقليمية جديدة قد يطلق موجات نزوح هائلة تنهك الدول الهشة، وتزعزع استقرار المجتمعات، وتمتد آثارها إلى حوض المتوسط وما بعده. فلنكن واضحين لم يكتف المجتمع الدولي بعدم الاستجابة، بل ساهم في خلق الظروف التي تدفع إلى النزوح. فاللاجئون ليسوا نتيجة عرضية للحروب، بل هم الوجه الإنساني لفشل الدبلوماسية، والتجاهل المتكرر للتحذيرات، والتخلي عن مساعي السلام. ورغم هذا الواقع القاتم، ما زالت المجتمعات المحلية ( من عائلات وجيران ومدارس وعيادات) تتحمل عبء صون كرامة اللاجئين وتوفير الحماية لهم. إن تضامنها بطولي، ولكنه ليس بلا حدود. فلا يمكن أن تكون بديلاً عن التحرك الدولي، ولا يجوز تركها وحدها لمواجهة نتائج حروب لم تشعلها، وأزمات لم تتسبب بها. يدعو ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ) المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل وحاسم: أوقفوا الحروب، احموا المدنيين، أوقفوا النزوح القسري، وادعموا المجتمعات المضيفة بما تحتاج إليه من موارد وأدوات ودعم سياسي، ليس فقط لتجاوز الأزمة القادمة، بل لبناء مستقبل عادل وشامل. ويتطلب ذلك استثمارًا حقيقيًا في البنى التحتية، والحماية القانونية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، كما يتطلب إنهاء الاحتلال والإقصاء والعنف، وهي الجذور الحقيقية للنزوح. في هذا اليوم العالمي للاجئين، لا مجال للكلمات المحايدة. فهذا ليس وقت التأمل، بل وقت دق ناقوس الخطر. إن خطر اندلاع حرب إقليمية جديدة وما قد ينجم عنها من موجات نزوح تمتد من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا وأوروبا، خطر حقيقي وقريب. نناشد الحكومات، والمؤسسات الدولية، والمجتمع المدني، وكل الأفراد المعنيين: تحركوا الآن، وارفعوا أصواتكم، واستثمروا في السلام لا في المساعدات وحدها، وانظروا إلى النزوح ليس كعارض من أعراض الحروب والصراعات، بل كإنذار حقيقي لما هو أسوء. فاللاجئون ليسوا أزمات تُدار، بل أرواح يجب حمايتها. وهذه الحماية تبدأ بالإرادة السياسية. إن مستقبل شعوب المنطقة، ومستقبل إنسانيتنا المشتركة، مرهون بما نختار أن نفعله الآن.
نداء عاجل إلى العالم لإيقاف حروب إسرائيل المتهورة وضمان المساءلة عن جرائمها
بيان صادر عن منظمة النهضة العربية (أرض)

نطالب المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف الحملة الإسرائيلية المستمرة من التجويع والإبادة في غزة إضافة إلى عدوان دولة الاحتلال الإسرائيلي غير المبرر على إيران، واتخاذ جميع التدابير اللازمة على نحو فردي أو جماعي، بما يتماشى مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لضمان امتثال دولة الاحتلال لالتزاماتها الدولية. وسّعت دولة الاحتلال الإسرائيلي من حملاتها العسكرية الجارية ضد قطاع غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، واليمن على نطاق واسع، فشنت هجومًا غير مبرر على إيران يوم الجمعة الماضي، بما يمثل عملًا عدوانيًا وانتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة. ولا يضيف هذا الهجوم فقط “ساحة حرب” سادسة تتسبب في دمار الشعب الإيراني وموت أفراده على نحو لا مثيل له، بل إنه أيضًا محاولة صرف انتباه عن الإبادة الجماعية المستمرة التي تُرتكب بحق السكان الفلسطينيين في غزة، والتصعيد المتزايد في الهجمات الإسرائيلية على الضفة الغربية. قبل ساعات فقط من شنّ الهجوم الإسرائيلي على إيران في 12 حزيران/يونيو، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم A/ES-10/L.34 بأغلبية ساحقة، إذ صوّتت 149 دولة لصالحه، و12 ضده، وامتنعت 19 منها عن التصويت. يحمل القرار عنوان “حماية المدنيين والتمسك بالالتزامات القانونية والإنسانية“، ويكرّر المطالب السابقة بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار، ويطالب بالإفراج غير المشروط لا عن الرهائن المحتجزين لدى حماس وجماعات أخرى فقط، بل أيضًا عن “المحتجزين تعسفًا”، في إشارة إلى الآلاف الذين تحتجزهم دولة الاحتلال الإسرائيلي دون توجيه اتهامات إليهم. كما يدين القرار بشدة “أي استخدام لتجويع المدنيين كأسلوب في القتال واللجوء بطرق غير شرعية إلى منع إيصال المساعدات الإنسانية”. كما يشدد على نحو حاسم على “ضرورة المساءلة بغية ضمان احترام إسرائيل التزاماتها بموجب القانون الدولي، ويهيب بقاطبة الدول الأعضاء في هذا الصدد أن تتخذ، فرديًا وجماعيًا، جميع التدابير اللازمة، طبقُا لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وضمان امتثال إسرائيل للالتزامات الواقعة على كاهلها.” وعلى الرغم من أن هذا القرار غير ملزم قانونيًا، تستند هذه الدعوة إلى المساءلة إلى قواعد آمرة في القانون الدولي تمثل التزامات ملزمة لجميع الدول الأعضاء. وباستثناء المجر التي صوتت ضد القرار، والتشيك ورومانيا وسلوفاكيا التي امتنعت عن التصويت، صوّتت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لصالح القرار، في إشارة إلى أقوى التزام أوروبي حتى الآن بمساءلة دولة الاحتلال الإسرائيلي عن الجرائم الفظيعة التي ترتكبتها بحق الشعب الفلسطيني. في هذا السياق، تُعدّ البيانات التي صدرت عن قادة العديد من هذه الدول الأوروبية نفسها والتي تدعم العدوان الإسرائيلي غير المبرر على الجمهورية الإيرانية وفي انتهاك فاضح لميثاق الأمم المتحدة، أمرًا يناقض على نحو صارخ موقفها المذكور آنفًا، ولا يفتقر فقط إلى الأسس القانونية والأخلاقية، بل يشكل خطرًا حقيقيًا، إذ قد يشجّع دول أخرى على الانخراط في الحرب، وهو أمر يُقال إنه قيد النظر حاليًا.
خطاب الكراهية ضد المرأة: بين النظرية والتطبيق

في ضوء اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية، الذي يُحتفل به في 18 يونيو/حزيران من كل عام، يغدو من الضروري في عصرنا هذا، ومع تزايد سهولة الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، إدراك الآثار الضارة التي يخلفها هذا الخطاب على الفئات الضعيفة في المجتمع، إذ غالبًا ما يستهدف خطاب الكراهية الخصائص المتأصلة في فئات معينة سعيًا إلى ضمان إقصائها عن المجال العام. وتُعرّف “استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية” خطاب الكراهية على أنه: “أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين، أو الانتماء الإثني، أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو النوع الاجتماعي أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية”. [1] تتعرض النساء جراء كونهن هدفًا رئيسيًا لخطاب الإقصاء باستمرار إلى قصف خطاب الكراهية الذي يستهدف مظهرهن وقدراتهن العقلية ومشاركتهن، إضافة إلى مجرد وجودهن ذاته في كثير من الأحيان، وذلك بدءًا بالفيلسوفة هيباتيا، إلى حرق النساء على الخازوق، وحتى خطاب الكراهية العنيف ضد النساء الذي يحظى بأقل قدر من الاهتمام على منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية[2]. وليس ثمة مثيل لخطاب الكراهية المعادي للنساء؛ إذ اتخذ أشكالًا ومظاهر متعددة عبر التاريخ، الأمر الذي يُصعّب تحديد الأساس المنطقي الدقيق المسؤول عن إخضاع النساء، والتقليل من شأنهن على الدوام وحملات التشهير التي يشنها الرجال ضدهن. إن الوجود في مجتمع أبوي يعني أن هذا الشكل من العنف أصبح أمرًا طبيعيًا ومعتادًا إلى حد أن أي محاولة لتحديه أو مقاومته باتت تُقابل بمزيد من الكراهية وصل إلى حد وصف هذه المحاولات بالتخريبية أو التدميرية. ومع ذلك، ثمة نقطة خلاف فيما يتصل بمدى ذاتية خطاب الكراهية؛ فما الذي يشكل هذا الخطاب في ضوء الطبيعة الفضفاضة والواسعة النطاق لهذا المفهوم؟ التنظير لخطاب الكراهية فرّق الباحث ريتشاردسون-سيلف (2018)[3] بين خطاب القمع وخطاب الكراهية؛ فبالنسبة له، ليس كل خطاب قمعي خطاب كراهية، ولكنّ كل خطاب كراهية قمعي بالضرورة. ومع ذلك، غالبًا ما تُقوّض خطورة قمع خطاب الكراهية، إذ يتذرع الناس بحجة “حرية التعبير” لتبرير هذا الخطاب. لذلك، يُعتقد أن خطاب الكراهية يؤدي إلى أفعال معينة مثل الصمت، والتشويه، والازدراء، والإذلال، والترهيب، والتحريض على العنف، والتمييز، والتشهير، والإهانة، والاضطهاد، والتهديد، وما شابه ذلك. وبالتالي، إذا ما مارس أي شكل من أشكال التعبير أيًا مما سبق، واستهدف فئة مضطهدة تاريخيًا، فإن مقاضاة مثل هذا الفعل لا تُعدّ اعتداءً على “حرية التعبير”، بل بروتوكولًا يُقصد به حماية الفئات الضعيفة من جرائم الكراهية. ولتسهيل تحديد خطاب الكراهية في الأردن، ألغت الحكومة الأردنية قانون الجرائم الإلكترونية القديم (2015) ووضعت قانون جرائم إلكترونية جديدًا ومتطورًا بدلًا منه (2023) يُطبّق تدابير إضافية لمكافحة الجرائم الإلكترونية. وعلى الرغم من التحسينات الكبيرة فيه، فإن القانون الجديد، وإن كان وقائيًا، لا يُعرّف خطاب الكراهية بوضوح، ولا يُحدّد الخط الفاصل بينه وبين حرية التعبير. ضمن هذ القانون، فإن المواد الأقرب إلى تعريف خطاب الكراهية هي المواد رقم 15 و16 و17[4]، التي تُجرّم التشهير، والقذف، واغتيال الشخصية، والكراهية، وتبرير العنف، وإثارة النعرات الطائفية أو الفتنة، وازدراء الأديان. ومع ذلك، لم يُعرّف القانون أيًا من هذه المصطلحات صراحة، ولم يُشر أيٌّ منها إلى التمييز على أساس الجنس أو الفروقات بين الجنسين. خطاب الكراهية ضد المرأة عندما يتعلق الأمر بخطاب الكراهية ضد المرأة، فثمة معايير تُحدّد مكونات هذا الخطاب. يُصوّر بعض الباحثين[5] هذا التصنيف من خلال التمييز بين الخطاب المتحيز جنسيًا والخطاب المُعادي للنساء، واعتبار الأخير خطاب كراهية قمعيًا، كما يجادلون بأن الطبيعة المُتداخلة للخطاب المُعادي للنساء تؤدي إلى إنشاء تصنيف متعسف لهن بناءً على مدى توافقهن مع النظام الأبوي؛ فكلما ازداد توافق المرأة معه، كانت أفضل، والعكس صحيح. لا يؤدي هذا إلى تحويل النساء إلى مجرد عميلات سلبيات للنظام الأبوي فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى قيام النساء أنفسهن باستغلال هذا النظام[6] لإثبات “صلاحهن” وخلق المزيد من الانقسام بينهن. ولتوضيح الحجة المذكورة أعلاه، ستتناول هذه المدونة مشاركة المرأة في السياسة مثالًا. فالسياسة، التي تُعتبر مجالًا ذكوريًا اجتماعيًا، تقبل مشاركة المرأة فيها على مضض ضمن عدة شروط، أهمها عدم تحدي وضع النظام السياسي الراهن مع التمسك بمبادئه القمعية، بما في ذلك ما هو أبوي منه. لذا، إذا أرادت المرأة لا دخول الساحة السياسية فقط، بل الحفاظ على مكانتها فيها، فلا يمكنها الخوض في مواضيع استفزازية أو مثيرة للجدل بما يشمل موضوع القمع الأبوي المنهجي، والذي يُوصف للمفارقة بهذه الطريقة جراء القمع الأبوي المنهجي ذاته. وبالتالي، يُترجم هذا التصنيف التعسفي إلى امرأة “صالحة” للسياسة وامرأة غير صالحة، وذلك بحسب مستوى توافقها مع النظام الأبوي. ويترسخ هذا المفهوم ببطء ثابت في الوعي الجماعي، إذ تتعرض المزيد من النساء اللواتي يحاولن “زعزعة” الوضع الراهن لوابل من خطاب الكراهية المتجذر في كراهية النساء، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى أن تتجنب النساء السياسة تمامًا، وهو ما يُعتبر، بطريقة غير مباشرة، إسكاتًا لهن. يزداد خطاب الكراهية حدةً عندما تكون المرأة في دائرة الضوء، سواءً أكانت سياسية[7] أم صحفية[8] أم ناشطة[9] أم شخصية عامة[10]. فعلى سبيل المثال لا الحصر، من بين سلسلة حملات الكراهية ضد المرأة، ووفقًا لتقرير صادر عن معهد الحوار الاستراتيجي، واجهت العديد من المرشحات الأردنيات خطابًا واسع النطاق معاديًا للنساء عزز المعايير المجتمعية الضارة، وتجاوزت العديد من التعليقات عبر الإنترنت الموجهة إلى المرشحات التشكيك في كفاءتهن إلى كونها مضايقات تستهدفهن بالذات[11]. كشفت دراسة أخرى أجراها معهد تضامن النساء العالمي[12] عن أبعاد العنف الانتخابي الرقمي ضد المرشحات في الانتخابات البرلمانية الأردنية لعام 2024، والذي امتد إلى التشهير بهن وقولبتهن والسخرية منهن، وغيرها من الأفعال. ويرى المعهد أن هذا النوع من العنف يُضعف ثقة الناخبين بالمرشحة، ما يُضعف تاليًا مشاركتها المستقلة في السياسة. وقد ثبتت صحة هذا الرأي، إذ لم تنجح أي مرشحة في منافسة القوائم الانتخابية المفتوحة، ولم تنجح 25 امرأة ممن ترشحن خارج نظام الكوتا. ولا تخلو حياة الصحفيات من خطاب الكراهية، إذ أفادت شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات في الأردن أن 55% من الصحفيات اللواتي شملهن الاستطلاع أفدن بمواجهتهن شكلاً من أشكال العنف عبر الإنترنت مرة واحدة على الأقل في حياتهن المهنية، بما في ذلك خطاب الكراهية والتشهير[13]. الخاتمة يُعدّ خطاب الكراهية مشكلة بنيوية لا يُمكن النظر إليها بمعزل عن غيرها، ومع تزايد إمكانية الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، وصعود الذكاء الاصطناعي المُولّد الذي يُتيح للأشخاص تزييف، أو اختلاق أو حتى إنشاء أي صورة أو مقطع فيديو واستغلالها في حملات التشهير، فإننا في حاجة إلى البدء في النظر إلى خطاب الكراهية والعنف عبر الإنترنت باعتبارها قضايا متجذرة في نسيج المجتمع ينبغي استخلاصها والقضاء عليها. [1]
عندما أصبحت غزة ساحة اختبار للإغاثة بلا مبادئ إنسانية

في 27 أيار/مايو 2025، أطلقت “مؤسسة غزة الإنسانية” أول عملية توزيع إغاثات واسعة النطاق، وتجاوز ما تبع ذلك أسوأ مخاوفنا حتى: فوضى عارمة، وصور مدنيين يركضون بلا هدف واضح في بحث يائس عن الطعام على مشارف معبر رفح، وإطلاق نيران الرشاشات في الهواء تحذيرًا من الاقتراب، استشهد ما لا يقل عن ثلاثة فلسطينيين وجُرح 48 آخرون خلال الفوضى الدائرة، كما انهار النظام. ليس ثمة تنسيق هادف، ولا عملية إغاثة تحافظ على كرامة المستفيدين، ولا أمان لمتلقي المساعدات، وبدلًا من الاسهام في استعادة الظروف الإنسانية، عمّقت هذه العملية أزمة غيابها. غير أن هذا لم يكن مجرد فشل لوجستي فحسب، بل تجسيدًا لرؤية مُخزية وخطيرة للغاية، رؤية سبق أن دقّ خبراء العمل الإنساني، ومسؤولو الأمم المتحدة والفاعلون في المجتمع المدني ناقوس الخطر بشأنها. ومع ذلك، فقد استمر نموذج مؤسسة غزة الإنسانية، بدعم سياسي ومالي، وتجاهل متعمد للتحذيرات، وصمت متواطئ من المجتمع الدولي. إن مؤسسة غزة الإنسانية جزء من استراتيجية أوسع، وهي استراتيجية تضع جهاز تحكم عسكري مخصخص في محل الأنظمة الإنسانية متعددة الأطراف والقائمة على الحقوق. ولا تتجذر هذه المساعدة في مبادئ الحياد أو النزاهة أو الاستقلال، إنما هي إغاثة أعيد تصميمها لتلائم قيود الحصار، يديرها متعاقدون من القطاع الخاص، وتحرسها شركات أمنية، أما تنسيقها فيجري بتوجيهات من القوة المحتلة. لم تكن المشاهد المأساوية التي تكشفت في أيار/مايو غير متوقعة، بل كانت وقائع كارثة جرى التنبؤ بها قبلًا. في الواقع، وخلال عطلة نهاية الأسبوع التي سبقت هذا الاستهزاء بالعمل الإنساني، نشرت العديد من وسائل الإعلام الدولية الكبرى تحقيقات معمقة تؤكد أن مؤسسة غزة الإنسانية عبارة عن عملية مُخطط لها بعناية يقودها استراتيجيون عسكريون ومصالح تجارية في إسرائيل والولايات المتحدة، دون أي مغزى إنساني حقيقي. لم يتعرض وصول المساعدات الإنسانية للانهيار فحسب، بل أُعيدت هندسته، وجرى تسليعه واستغلاله. وما زاد الطين بلة، نشر صورًا على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت أن بعض المواد الغذائية الموزعة في غزة كانت من إنتاج شركة “سوغات“، وهي شركة رائدة تتفاخر بعقودها مع الجيش الإسرائيلي. كما أفاد الصحفيون بتوزيع كميات ضئيلة من الطعام على الناس، بالكاد كانت تكفي العائلة الواحدة لأكثر من يومين. إن فكرة حصول الفلسطينيين المحاصرين، والنازحين، والمقصوفين، على حصص غذائية مصدرها شركة متأصلة في آليات الاحتلال ذاته، هي فكرة أكثر من ساخرة. كما أن الحصص الموزعة تُشير إلى أن هذا الأمر ليس بالإغاثة الإنسانية، بل إنه تقنين قسري وتبعية تُنفذ وراء ستار المساعدات. ليست مؤسسة غزة الإنسانية جهة فاعلة إنسانية محايدة، بل أداة جيوسياسية مُغلفة بلغة مُحببة للمانحين حول “الكفاءة” و”الابتكار”. كانت هذه المساعدات تتعلق بإدارة البقاء على قيد الحياة تحت المراقبة. وبذلك، سخرت هذه المؤسسة من عقود من الجهود المبذولة لبناء نظام إنساني يهدف إلى حماية العالم من أسوأ ما في الإنسانية. هذا ليس خطأً فرديًا، بل هو انهيار منهجي، سمح به صمت وتواطؤ من كان يفترض بهم أن يكونوا أكثر وعيًا. لقد أدانت الأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا القيودَ الإسرائيليةَ على وصول المساعدات الإنسانية. لذا، فليس فحوى السؤال الآن ما الذي حدث في 27 أيار/مايو فقط، بل مفاده كيف وصلنا إلى هذا الوضع، وإلى أي مدى نحن على استعدادٍ للتغاضي عن هذا؟ هل سيواصل المجتمع الدولي التطبيع مع حصار غزة، ومع نظام يُحوّل المساعدات الإنسانية إلى نموذجٍ تجاري، والأزمات إلى سوقٍ للإذلال والنفوذ والربح؟ تتطلب هذه اللحظة أكثر من مجرد الندم على “الدروس المستفادة”، إذ تتطلب المحاسبة، أي استعادة جماعية جريئة للعمل الإنساني بوصفه عملًا أخلاقيًا وسياسيًا.
النكبة لم تنتهِ أبدًا: التاريخ يعيد نفسه، والعدالة غائبة، والعالم صامت
بيان صادر عن منظمة النهضة العربية (أرض)

في أحلك لحظات تاريخنا، نُحيي ذكرى النكبة ونكرّم ضحاياها –ولا نعني بذلك من سقطوا في عام 1948 فحسب، بل كل من قضى جراء استمرار النكبة حتى يومنا هذا، أي بسبب الإبادة الجماعية في غزة وحتى الفظائع المرتكبة في الضفة الغربية ولبنان. وفيما نُحيي صمود الناجين من النكبة في غزة، والقدس، والضفة الغربية، وفي كل مكان، بمن فيهم ملايين اللاجئين الفلسطينيين وعشرات الآلاف من الأسرى في السجون الإسرائيلية، نوجّه تحية تقدير أيضًا لـثلاثين ألف موظف في الأونروا -غالبيتهم من الفلسطينيين- وإلى جميع العاملين في المجال الإنساني ممن خاطروا بحياتهم لخدمة أبناء شعبهم وسط أقسى الظروف. كما نتضامن مع كل من يقف إلى جانب فلسطين حول العالم، وهم الذين يعانون اليوم من ملاحقتهم لمجرد أنهم اختاروا التصريح بالحقائق ورفض الإبادة، ومواصلة النضال من أجل العدالة والحرية. تحل ذكرى النكبة هذا العام، وهي مرور 77 عامًا على تطهير فلسطين عرقيًا، وأهل غزة يواجهون مجاعة حقيقية، يعاني فيها الأطفال دون سن الثانية، والأمهات المرضعات، من سوء التغذية. أما المستشفيات، فخلت من وحدات الدم، واستنفدت الوكالات الإنسانية مخزونها من المؤن والمساعدات، بينما تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى تفكيك نظام توزيع المساعدات التابع للأمم المتحدة. وعلى صعيد آخر، بدأ عدد الوفيات الناتجة عن الجوع في الارتفاع، ويُتوقع أن تتفاقم على نحو خطير في حال استمرار هذه الظروف. ليست هذه المجاعة قضاءً وقدرًا، وإنما هي نتيجة مباشرة عن حصار تفرضه دولة الاحتلال الإسرائيلي، يمنع من خلاله دخول الغذاء والماء والوقود والدواء والكهرباء، وذلك منذ قرارها الأحادي بإنهاء وقف إطلاق النار مع حماس في 2 آذار/مارس 2025. يستخدم الاحتلال التجويع كسلاح حرب، مستندًا في فعله هذا إلى تواطؤ معظم القادة السياسيين في الغرب وصمتهم، في تحدٍ واضح وصريح لقرارات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. وما هذه المجاعة المصطنعة إلا جزءٌ من حرب إبادة تشنها إسرائيل على غزة منذ 19 شهرًا، أدّت إلى مقتل أكثر من 53 ألف فلسطيني، فيما ما يزال الكثير من الأشخاص تحت الأنقاض، كما أُصيب عشرات الآلاف من السكان، ودُمّر معظم القطاع من مساكن وبنية تحتية، وفرضت عليه الحرب ظروفًا حياتية تهدّد ما تبقّى من سكانه. وفي الضفة الغربية، تصاعدت وتيرة العنف العسكري وعنف المستوطنين على نحو لا مثيل له قبلًا، ما أدى إلى موجة تهجير قسري جديدة. في تصعيد خطير آخر، قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي تولي السيطرة الكاملة على تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، والتي تشكل نحو 60% من الأراضي المحتلة وتضم الغالبية العظمى من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، فيما يمثل خطوة خطيرة نحو الضم الفعلي للمنطقة، ويُعد تهديدًا مباشرًا لما تبقى من فرص لإقامة دولة فلسطينية، ويُعمّق المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي على حساب أصحاب الأرض الأصليين. منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شكّلت الهجمات الإسرائيلية على الأونروا عنصرًا أساسيًا في هذه الحرب، وصحيح أن دولة الاحتلال الإسرائيلي سمحت في بداية احتلالها الأراضي الفلسطينية للوكالة بمواصلة عملها، إلا أن العلاقة بينهما بقيت مشوبة بالتوتر على الدوام. ومع تصاعد الهجمات الإسرائيلية على الأونروا بالتدريج، فمن الظاهر أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتّبع سياسة واضحة تهدف منها إلى تفكيكها بالكامل-ولا ينحصر هذا المسعى بالأراضي الفلسطينية المحتلة، بل ينطبق على كل أماكن عمل الوكالة. وتستند دولة الاحتلال الإسرائيلي في أفعالها هذه إلى مبررات مفادها اتهامات كاذبة تتعلق بـ”التحريض” أو “الإرهاب”، بينما الهدف الفعلي من ذلك هو طمس قضية اللاجئين الفلسطينيين، وذلك ضمن مشروعها الاستيطاني الاستعماري. كما يمثل القانون الجديد الذي أقرّه الكنيست مؤخرًا تصعيدًا خطيرًا، ومن المتوقع أن تكون له تبعات قانونية وسياسية وإنسانية ومالية جسيمة، على الرغم من مواصلة الأونروا عملها حتى الآن. تهدد هذه الهجمات التي تحظى بدعم من حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة، وجود الوكالة ذاتها، وتهدد معها حقّ ملايين اللاجئين في الوصول إلى التعليم والصحة والحصول على المساعدة اللازمة. ندعو العالم إلى كسر الصمت. وندعو كل صاحب ضمير إلى أن يفعل ما بوسعه: سواء أكان ذلك بالكلمة، أو الاحتجاج، أو رفع الوعي، أو الملاحقة القانونية، أو الضغط السياسي، أو حتى بمجرد مشاركة شهادة على ما يحدث. معًا يمكننا إيقاف هذه النكبة المستمرة، بجميع أشكالها، ومعًا نستطيع أن نُحدث فرقًا.