دراسة حالة لمنظمة النهضة (أرض) في الأردن
يتأثر التمويل الدولي بصورة متزايدة بتحولات الأولويات السياسية، وتعدد الأزمات العالمية، والضغوط المتنامية على موازنات الجهات المانحة. وغالباً ما تتدفق الموارد سريعاً عندما تحظى أزمة ما باهتمام دولي واسع، ما يتيح للمنظمات الإنسانية والتنموية توسيع برامجها واستقطاب الكفاءات وتقديم مزيد من الخدمات الأساسية. لكن هذا التمويل قد يتراجع بصورة مفاجئة عندما ينتقل الاهتمام إلى أزمات أخرى، حتى وإن استمرت احتياجات المجتمعات المتأثرة أو ازدادت حدة. وفي هذه الحالات، تجد المنظمات المحلية نفسها أمام مسؤولية مواصلة الاستجابة وخدمة مجتمعاتها بموارد أقل ودعم مؤسسي محدود.
تتناول هذه الدراسة، الصادرة عن مركز النهضة الاستراتيجي، الذراع البحثية والفكرية لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، أثر تقلبات المساعدات الدولية في استدامة المنظمات المحلية العاملة في سياقات الأزمات الممتدة. ومن خلال التركيز على الأردن وتتبع المسار المؤسسي لمنظمة النهضة (أرض)، ترصد الدراسة دورة بدأت بالتوسع السريع خلال أزمة اللجوء السوري، ثم انتقلت إلى مراحل من ترسيخ القدرات المؤسسية، وانكماش التمويل، وإعادة تصميم الخدمات، والتكيف الاستراتيجي. ويستند التحليل إلى مراجعة اتجاهات التمويل الإنساني وتقارير القطاع، إلى جانب مقابلات مع ممثلين عن منظمات محلية ودولية، وجهات مانحة، وموظفين في النهضة (أرض).
وتبيّن تجربة النهضة (أرض) أهمية الاستثمار في الأنظمة الداخلية، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير قدرات العاملين، وبناء علاقات طويلة الأمد مع المجتمعات المحلية، بوصفها عوامل أساسية لتعزيز قدرة المؤسسات على الاستمرار في فترات عدم اليقين. لكنها تكشف، في الوقت نفسه، أن الصمود المؤسسي ليس بلا حدود، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره أمراً مضموناً. فتراجع التمويل يترتب عليه انخفاض في نطاق الخدمات، وفقدان الوظائف والخبرات المؤسسية، وإغلاق بعض المكاتب، وازدياد الضغوط على الفرق المتبقية، في وقت لا تتراجع فيه احتياجات المجتمعات بالمعدل نفسه.
وتذهب الدراسة إلى أن تقلبات المساعدات لا ترتبط بحجم الموارد المتاحة فحسب، بل بكيفية توزيع مخاطر هذا التقلب داخل منظومة العمل الإنساني والتنموي. ففي حين تستطيع بعض الجهات الدولية تقليص عملياتها أو إعادة توجيه مواردها أو مغادرة البلد، تبقى المنظمات المحلية راسخة في مجتمعاتها، وتواصل التعامل مع الاحتياجات غير الملباة وتداعيات انقطاع الخدمات وتراجع ثقة المجتمعات.
ومن هنا، تؤكد الدراسة أن تفعيل محلية العمل الإنساني لا يمكن أن يقتصر على نقل مسؤوليات التنفيذ إلى الجهات المحلية، بل يتطلب تمويلاً مباشراً ومرناً ومتعدد السنوات، واستثماراً حقيقياً في القدرات المؤسسية، وخططاً مسؤولة للانتقال وإنهاء التمويل، وشراكات أكثر إنصافاً تعترف بالمنظمات المحلية بوصفها شريكاً استراتيجياً وصانعاً للقرار، لا مجرد جهة منفذة.
واستناداً إلى الدروس المستخلصة من تجربة النهضة (أرض)، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات الموجهة إلى الجهات المانحة والمنظمات الدولية والمنظمات المحلية، بهدف تعزيز الاستدامة المؤسسية وبناء منظومة مساعدات أكثر عدالة ومسؤولية، وقادرة على حماية استمرارية الخدمات والحفاظ على الثقة التي بنتها الجهات المحلية مع مجتمعاتها على مدى سنوات.
التقرير باللغة الانجليزية








