من المساعدة إلى الفرصة: ما الذي تحتاجه النساء فعلاً للمشاركة في اقتصاد الأردن؟

في الأردن، تتعلم النساء، يتخرجن من الجامعات، يمتلكن المهارات والطموح، ويحاولن دخول سوق العمل. ومع ذلك، ما تزال الغالبية العظمى منهن خارجه، وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

فبحسب نظام معلومات سوق العمل الأردني، لم تتجاوز المشاركة الاقتصادية للمرأة في الأردن عام 2025 14.8%، بينما بلغت نسبة النساء غير النشيطات اقتصادياً 85.2%. أما البطالة بين الأردنيات، فقد وصلت في الربع الأخير من العام نفسه إلى 34.8%، مقارنة بـ 17.2% بين الأردنيين الذكور.

 

والأكثر لفتاً للنظر أن المشكلة لا تبدو مرتبطة بالتعليم وحده؛ حيث تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة للربع الثالث من 2025

أن 50.6% من قوة العمل النسائية تحمل درجة البكالوريوس فأعلى.

 

إذن، السؤال ما الذي يمنع النساء المؤهلات أصلاً من الدخول إلى سوق العمل والاستمرار فيه؟

هذا السؤال كان في صلب رؤى عضوات شبكة نساء النهضة حول الواقع الاقتصادي للنساء في الأردن وما يجب أن يتغير.

 

جهود كثيرة… لكن هل تصنع فرقاً حقيقياً؟

 

رسالة المشاركات في استبيان الرأي الذي أعدته منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) كانت واضحة: هناك جهود وبرامج ومبادرات، لكنها لا تزال أقل من حجم المشكلة.

فقد رأت 93.8% من المشاركات أن الاستجابة الحالية للتحديات الاقتصادية التي تواجه النساء محدودة أو غير كافية. ورأت نصف المشاركات أن الجهود تسير في الاتجاه الصحيح، ولكن ببطء، بينما قالت 43.8% إنهن لا يلمسن تغيراً حقيقياً.

المشكلة أيضاً ليست في عدد البرامج فقط، وإنما في ترابطها. فقد اعتبرت 68.8% أن التنسيق بين الجهات المعنية غير كافٍ أو غير كافٍ إطلاقاً.

فالمرأة قد تحصل على تدريب، ولكن ماذا بعد التدريب إذا لم تجد فرصة عمل؟ وقد تجد وظيفة، لكن ماذا لو كان راتبها لا يغطي تكلفة النقل ورعاية أطفالها؟ وقد تبدأ مشروعاً صغيراً، ولكن كيف يستمر إذا لم تستطع الوصول إلى التمويل أو السوق؟

لهذا ترى 87.5% من المشاركات أن تحسين الوضع الاقتصادي للنساء مسؤولية مشتركة، تقود فيها الحكومة السياسات، ويشارك فيها المجتمع المدني والقطاع الخاص والجهات الأخرى.

 

النساء لا يطلبن مساعدة مؤقتة… بل فرصة للاستمرار

 

من أكثر الرسائل وضوحاً في آراء المشاركات أن النساء يحتجن إلى ما هو أبعد من البرامج قصيرة الأجل. المطلوب هو القدرة على تحقيق دخل مستدام والاستقلال اقتصادياً.

ولهذا جاءت فرص العمل اللائق والمستدام، ودعم المشاريع وريادة الأعمال، وتحسين الأجور وظروف العمل، والحماية الاجتماعية، وخدمات رعاية الأطفال بأسعار مناسبة، في مقدمة الأولويات.

فالرعاية، على سبيل المثال، ليست قضية عائلية منفصلة عن الاقتصاد. عندما لا تجد الأم مكاناً آمناً وميسور التكلفة لأطفالها، تصبح قدرتها على قبول وظيفة أو الاستمرار فيها محدودة مهما كانت مؤهلاتها.

ولهذا فإن التوسع المخطط له في الأردن في خدمات رعاية الأطفال، بما يشمل إنشاء 700 مرفق جديد وتوفير نحو 1,000 فرصة عمل، يمثل خطوة مهمة إذا ارتبط فعلياً باحتياجات النساء العاملات. والأمر نفسه ينطبق على النقل الآمن والميسر، والأجور، والعقود، والتأمين والحقوق العمالية.

 

وليست كل النساء في الموقع نفسه

من الخطأ أيضاً التعامل مع النساء باعتبارهن فئة واحدة لها الاحتياجات نفسها.

فقد وضعت المشاركات النساء المعيلات لأسرهن في مقدمة الفئات الأكثر تأثراً بالتحديات الاقتصادية بنسبة 93.75%، تليهن النساء ذوات الإعاقة بنسبة 68.8%، ثم العاملات في القطاع غير المنظم بنسبة 56.25%. كما أشارت نصف المشاركات إلى الباحثات عن عمل والعاملات بأجور منخفضة أو في وظائف غير مستقرة.

وهذا يعني أن برنامجاً واحداً للجميع لن يكون كافياً.

إذ أن المرأة المعيلة لأسرتها لها احتياجات مختلفة عن خريجة تبحث عن أول وظيفة، والعاملة في القطاع غير المنظم تواجه تحديات تختلف عن صاحبة مشروع صغير أو امرأة ذات إعاقة تحاول الوصول إلى سوق العمل.

 

التمكين الحقيقي يبدأ عندما نرى هذه الاختلافات ونصمم الحلول بناءً عليها.

 

الاقتصاد الرقمي يفتح باباً… لكنه لا يضمن الدخول

فقد رأت 62.5% من المشاركات أن هناك أيضاً فرصة جديدة لا ينبغي تجاهلها، تتمثل بالتحول الرقمي الذي ساهم، إلى حد ما، بصورة إيجابية في تمكين النساء اقتصادياً.

لكن امتلاك هاتف أو استخدام الإنترنت لا يعني تلقائياً الوصول إلى الاقتصاد الرقمي. ما تحتاجه النساء هو مهارات رقمية مرتبطة بفرص حقيقية، وإمكانية الوصول إلى التجارة والتسويق الإلكتروني، والمنصات والأسواق والتمويل الرقمي.

إذا تحقق ذلك، يمكن للتكنولوجيا أن تساعد بعض النساء على تجاوز عوائق المكان والتنقل والوصول إلى الأسواق. أما إذا لم تتوفر المهارات والفرص والموارد بالتساوي، فقد تتحول التكنولوجيا نفسها إلى فجوة جديدة.

 

لا لتصميم الحلول للنساء من دون النساء

ربما تكون هذه واحدة من أهم الرسائل التي طرحتها المشاركات.

فالنساء لا يحتجن فقط إلى برامج مصممة من أجلهن، بل إلى أن يكنّ شريكات في تصميم هذه البرامج والسياسات منذ البداية.

هن الأقرب إلى معرفة العقبات اليومية: تكلفة المواصلات، مسؤوليات الرعاية، ضعف الأجور، صعوبة التمويل، ظروف العمل، أو عدم توافق بعض التدريبات مع الوظائف الموجودة فعلياً. لذلك، تقترح المشاركات من نساء النهضة الانتقال من التعامل مع النساء كمستفيدات إلى التعامل معهن كشريكات في تحديد المشكلة، وتصميم الحل، ومتابعة التنفيذ، وتقييم النتائج.

كما أن ذلك يتطلب بيانات أفضل حول النساء الأكثر احتياجاً، حتى تذهب الموارد إلى المكان الذي يمكن أن تحدث فيه الفرق الأكبر.

 

من برامج متفرقة إلى منظومة حقيقية للتمكين

 

لا يحتاج الأردن بالضرورة إلى مزيد من المبادرات المنفصلة بقدر حاجته إلى ربط ما هو موجود ضمن رؤية واحدة.

فرصة العمل ترتبط بالأجر. والأجر يرتبط بالنقل والرعاية. والمشروع الصغير يحتاج إلى تمويل وسوق. والتدريب يجب أن يقود إلى فرصة حقيقية. والعمل يحتاج إلى حماية اجتماعية وحقوق تضمن الاستمرار.

لهذا تقترح أصوات نساء النهضة مجموعة مترابطة من الأولويات: عمل لائق ومستدام، حماية اجتماعية أقوى، دعم المشاريع النسوية والوصول إلى التمويل والأسواق، أجور وظروف عمل أفضل، رعاية أطفال ونقل أكثر ملاءمة، ومهارات رقمية مرتبطة بسوق العمل، مع اهتمام أكبر بالنساء الأكثر عرضة للهشاشة.

وفي النهاية، ربما يكون المعيار الأبسط لنجاح أي برنامج اقتصادي موجّه للنساء هو السؤال:

 

ماذا حدث للمرأة بعد انتهاء البرنامج؟

 

هل وجدت عملاً؟

هل استطاعت الاستمرار فيه؟

هل أصبح لديها دخل أكثر استقراراً؟

هل وصلت إلى سوق أو تمويل؟

وهل أصبحت أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها الاقتصادية؟

إذا لم تتغير هذه الأمور، فإننا نكون قد قدمنا استجابة، لكننا لم نصل بعد إلى التمكين.

 

فالانتقال الذي تحتاجه النساء اليوم ليس مجرد انتقال من برنامج إلى برنامج آخر، بل من المساعدة المؤقتة إلى فرص حقيقية ومستدامة للعمل والاستقلال والمشاركة في صنع المستقبل الاقتصادي.

عن شبكة نساء النهضة

تعمل  شبكة نساء النهضة تحت مظلة منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، وتجمع نساءً من قطاعات وخبرات مختلفة بهدف تعزيز دورهن القيادي، وتبادل الخبرات، وفتح مساحات للحوار والعمل المشترك.

وفي هذا السياق، استطلعت الشبكة آراء عضواتها حول الأوضاع الاقتصادية واحتياجات النساء في الأردن، بهدف الاستماع إلى تجاربهن وتحويلها إلى أولويات للحوار والمناصرة والعمل في المرحلة المقبلة.

وتقدم نتائج الاستطلاع مؤشرات نوعية مهمة حول رؤى المشاركات وأولوياتهن، ولا يُقصد بها أن تكون تمثيلاً إحصائياً لجميع النساء في الأردن أو لجميع عضوات الشبكة.