علم الكلام الحنبلي: إعادة استكشاف
السيد ولد أباه
عُرف عن الحنابلة الأوائل عزوفهم عن علم الكلام ورفضهم التأويل العقلي في العقائد. ولا شك أن جورج مقدسي كان مصيبًا في ملاحظته أن الحنبلية تختص بكونها، في آن واحد، مذهبًا فقهيًا يركز على السنة وأقوال السلف والإجماع، وطريقةً في الاعتقاد تتجاوز حيز التصنيف الفقهي.
فأغلب من دافع عن طريقة إثبات الصفات دون تأويل هم علماء الشافعية الذين عزف أوائلهم عن الطريقة المعتزلية والأشعرية في علم الكلام.
لن نخوض في مذهب أحمد بن حنبل (توفي سنة 241 هـ)، الذي نُسبت إليه «رسالة في الرد على الجهمية والزنادقة»، يشكك بعض الباحثين المعاصرين في صحتها، وإن كانت، بلا شك، تعكس أجواء الصراع الحاد بين ابن حنبل ونفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة.
ومن الواضح أن الكتب الحنبلية الأولى لا تتجاوز جمع السنن والمسائل الشرعية بالرجوع إلى عدد من أئمة الشرع والدين، من أمثال مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وإسحاق بن راهويه. وينظر إلى هؤلاء على أنهم يرفضون التأويل العقلي للصفات، في الوقت الذي يرفضون فيه التشبيه والتجسيم، ويدعون إلى الرجوع إلى النصوص في أمور الاعتقاد.
وفي هذه المرحلة لا نجد أعمالًا نسقية في مجال الكلاميات التي حاربها الحنابلة بشدة.
وفي منتصف القرن الرابع الهجري بلور عالم حنبلي متميز، هو ابن بطة العكبري (توفي سنة 387 هـ)، أول عرض مفصل للعقيدة الحنبلية التقليدية في كتابه «الإبانة الكبرى»، التي هاجم فيها الطريقة المعتزلية والكلابية في تأويل الصفات، ودعا إلى التمسك بطريق السلف في الاعتقاد وفي مسائل الإيمان والقدر، وحذر من البدع ومن الاشتغال بعلم الكلام.
وكان كتاب العكبري على منوال اتجاه سائد في الدراسات العقدية من منظور أثري تقليدي، ومن أمثلته: ابن خزيمة النيسابوري الشافعي (توفي سنة 311 هـ) في كتابه «التوحيد»، وابن قتيبة الدينوري (توفي سنة 276 هـ) – الحنفي على الغالب – في كتابه «تأويل مختلف الحديث».
والنهج المهيمن على هذا الاتجاه هو الدفاع عن المنطلقات العقدية الرئيسية لأهل الحديث من إثبات للصفات، ورفض للكلاميات، والتقيد بالنص ومسلك السلف، ولكن مع استخدام أساليب الجدل الكلامي في الرد على خصوم من تسموا بأهل السنة والجماعة.
بيد أن هذا الاتجاه لم يعد قادرًا على أداء وظيفته الأصلية بعد تطور علم الكلام الاعتزالي في المرحلة الجبائية، وعلم الكلام الأشعري الكلاسيكي، خصوصًا بعد دخول جل كبار العلماء الشافعيين في المدرسة الأشعرية.
وهكذا تشكلت بواكير علم الكلام الحنبلي مع أبي يعلى الفراء (توفي سنة 458 هـ) في كتابه الرئيس «المعتمد في أصول الدين»، الذي سلك فيه الطريقة المعتزلية والأشعرية المألوفة، وأبي الوفاء ابن عقيل (توفي سنة 513 هـ)، وفق ما وصلنا من كتبه، مثل بعض مصنفه «الفنون». وقد توسع في المفاهيم والأدلة الكلامية إلى حد تبرؤ أهل مذهبه منه.
وإذا كان أبو يعلى وابن عقيل قد أسسا الخط الكلامي في المذهب الحنبلي، وتأثرا بوضوح ببعض آراء المتكلمين السابقين، فإنهما حافظا، إجمالًا، على المنطلقات الأساسية في التقليد العقدي الأثري، مع بعض المراجعات النظرية التي اقتضاها الجدل مع الفرق الأخرى.
وقد انعكس هذا الموقف في ثلاث مقاربات كبرى: إعادة تعريف مرجعية العقل في المعرفة الدينية، وإدخال مستوى من التأويل على الصفات الإلهية، وإعادة بناء نظرية الأفعال والقدر.
وبخصوص مرجعية العقل، نلاحظ أن أبا يعلى وابن عقيل قبلا بدور أساسي للعقل في العلم والمعرفة بما لا يتعارض مع سلطة النص، بل ذهبا مذهب المعتزلة وبعض الأشعرية في أن العقل قادر على التوصل بنفسه إلى وجود الخالق وبعض صفاته، ومعرفة الحسن والقبيح، دون ما يترتب عليهما من أحكام شرعية، وإن كان ملزمًا بالاستناد إلى النقل في مضامين الاعتقاد التفصيلية.
وهكذا تكون وظيفة العقل حجاجية ودفاعية وبرهانية، ولكن مع التقيد بسقف التنزيل وأحكام الشرع.
لقد وافق أبو يعلى المتكلمين في وجوب «النظر العقلي على المكلف للوصول إلى معرفة الله»، وقال ابن عقيل بوضوح إن «العقل أصل في معرفة الله»، وهي العبارات نفسها التي نجدها عند الباقلاني والجويني.
وبخصوص موضوع الصفات، نلاحظ أن أبا يعلى يكرر الموقف الحنبلي التقليدي في إثبات الصفات الخبرية ورفض تأويلها المجازي، كما يكرر أنها زائدة على الذات، لكنه يوظف في الدفاع عن هذه النظرية المقولات الكلامية الكلاسيكية غير المألوفة في العقائد الأثرية.
في حين نرى أن ابن عقيل يذهب أبعد من ذلك في التأويل، خصوصًا في فهم الصفات الخبرية بما يقتضي دفع التجسيم والتشبيه والمماثلة مع الخلق.





