أخذ مؤرخو علم الكلام المحدثون بنظرية الشهرستاني في كتابه *«الملل والنحل»* بإرجاع التقليد الكلامي السني إلى ثلاثة أعلام سبقوا أبا الحسن الأشعري، هم: عبد الله بن سعيد بن كلاب (توفي سنة 240هـ)، والحارث بن أسد المحاسبي (توفي سنة 243هـ)، وأبو العباس أحمد بن إبراهيم القلانسي (توفي سنة 317هـ؟).
فمع منتصف القرن الثاني الهجري برز بوضوح تيار من خارج مدرسة الاعتزال يتبنى المقاربات الكلامية في مقابل النزعة الأثرية الغالبة على أهل الحديث في رفضهم التأويل العقلاني لأمور الاعتقاد. وقد يكون لهذا التوجه الجديد علاقة بتحولين معرفيين مهمين، هما: الجدل الفقهي بين أهل الرأي وأهل النص في سياق *تقنين* كتب الحديث واستيعاب الآراء العقدية الحنفية في صلب مدونة الاعتقاد السنية، وبروز نزعة زهدية لها أدبياتها النظرية المتعلقة بالعقل والنفس والعلاقة التعبدية والأخلاقية بالله وكتابه.
ليس من همنا البحث في مسارات الرجال الثلاثة وعلاقتهم بمن جاء بعدهم، ومن الواضح أن ابن كلاب هو أكثرهم تأثيراً في الكلام السني اللاحق، إلى حد أن التصنيفات المتأخرة تعتبره المؤسس الفعلي للتقليد الأشعري (كما عند ابن تيمية مثلاً). أما المحاسبي، فكان تأثيره أكبر في الأدبيات الصوفية، وهو أمر مبرر بالنظر إلى طبيعة كتبه التي وصلتنا، وقد قدم رضوان السيد أوفى الدراسات حول حياته وفكره. في حين لا تتوفر معلومات كثيرة عن القلانسي باستثناء فقرات مهمة في كتابي *«أصول الدين»* و*«الفرق بين الفرق»* للبغدادي. وقد نشر الباحث اللبناني زياد أبو عقل مقالات عنه، كما خصص له المستشرق الفرنسي دانيال جيماريه دراسة وافية منشورة سنة 1989.
لا يدخل في اهتمامنا الحالي التعرض للأفكار التفصيلية في المذاهب الكلامية السنية المتقدمة في المعرفة والصفات والطبيعيات والإلهيات والأخلاقيات، وإنما ضبط الإطار الفلسفي لهذه المواقف العقدية، على الرغم من التباسها وعدم نضجها. وعلى العموم، لا يمكن قراءة هذه المواقف بمعزل عن الإشكاليات التي بلورها المعتزلة ومن احتك بهم من الشيعة الإمامية والزيدية، وأهم هذه الإشكاليات هي:
* ما طرحته نظرية اتحاد الذات والصفات الاعتزالية من أسئلة جوهرية تتعلق بتغاير الصفات (أي ترادف دلالاتها ما دامت هي عين الذات)، وتأويل الصفات الخبرية المذكورة في النص، وهي إجمالاً تنسب إلى الله أسماءً وأوصافاً قد توهم التشبيه والتجسيم.
* ما طرحته معضلة المنزلة الوجودية للقرآن، الذي هو من جهة كلام الله باتفاق الأمة، لكنه خطاب موجه للناس في سياق ظرفي محدد وبحسب أساليب التعبير المألوفة في اللغة.
* ما طرحته معضلة الجمع بين مبدأ اختصاص الله بالخلق والفعل وحقيقة التكليف الشرعي الذي يقتضي حرية الاختيار واستطاعة الفعل.
ما يتفق فيه المتكلمون السنة الأوائل هو ثلاثة منطلقات أساسية، هي: إثبات الصفات باعتبارها معاني حقيقية قائمة في الذات الإلهية، واعتبار القرآن كلام الله الذاتي، والقول بأحادية الفاعل الذي هو الله وحده.
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن الاتفاق في هذه المبادئ الثلاثة لا ينفي الاختلاف الواسع في صياغاتها النظرية، إلى حد التعارض في التفاصيل والجزئيات. كما أن خروج هؤلاء الأعلام عن التقليد الكلامي الكلاسيكي لا يعني أنهم لم يستخدموا مصطلحاته الأساسية ولم يتبنوا أحياناً بعض الأفكار والآراء السابقة عليهم.
بخصوص الصفات، لا بد من الملاحظة أن الشهرستاني يطلق على هذا الجيل من المتكلمين السنة عبارة *«الصفاتية»، ويسميهم الأشعري *«أهل الإثبات»**، والعبارتان تفيدان الإقرار بحقيقة الصفات كمعانٍ قائمة بالذات. إلا أن الثلاثة يختلفون في طريقتهم في تصور هذا الإثبات؛ فاعتبر ابن كلاب أن «الصفات معانٍ قائمة بالموصوف»، ومن ثم ميز بين الوصف والصفة، واعتبر صفات الله أزلية دائمة. إلا أنه رأى أنها، وإن لم تكن عين الذات، فليست غيرها، وهو الموقف الذي اعتمده الأشاعرة لاحقاً. لكن جوزيف فان أس يرجع أصوله إلى المعتزلي أبي الهذيل العلاف في تصوره لعلاقة الصفات فيما بينها (حلاً لمشكل التغاير). وقد اعتمد المتكلم الإمامي هشام بن الحكم (توفي سنة 179هـ أو 199هـ) الصيغة ذاتها بخصوص الصفات عموماً في علاقتها بالذات.
ومع أن المحاسبي يقر بوضوح بالصفات الإلهية من حيث هي معانٍ حقيقية وليست مجرد أسماء أو استعارات، إلا أنه لا يخرج عن المعجم القرآني في فهم هذه الصفات، ولا يقدم نظرية دقيقة في علاقة الذات بالصفات.
أما القلانسي، فيستخدم بوضوح أطروحة «الصفات ليست عين الذات ولا غيرها»، لكنه يصوغ هذه النظرية من خلال تصوره للمشابهة والمغايرة، بالقول إن الذات شيء والصفة شيء، وإن لم يكونا شيئين منفصلين؛ فالتمايز لا يعني الانفصال، على عكس المبادئ المنطقية التقليدية.
ومن الجلي أن موضوع خلق القرآن، الذي كان خلفية المحنة الكبرى التي عرفها المجتمع الإسلامي في العصر العباسي، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع الصفات، باعتبار أن النص المنزل هو كلام الله بالإجماع، لكن السؤال القائم هو: هل هو كلام الله الذاتي أم أثر فعله الخلقي؟
ولقد أجمع المتكلمون السنة الأوائل على أن القرآن هو كلام الله وليس مخلوقاً، وبذلك وافقوا أحمد بن حنبل (توفي سنة 241هـ) وأهل الحديث. ففي حين أكد المحاسبي أن كلام الله صفة ذاتية أزلية وأن القرآن ليس حادثاً في الزمان، فإنه، على عكس ابن كلاب والقلانسي، لا يميز بين الكلام النفسي والكلام اللفظي، أي بين الصفة الأزلية وتنزيل النص.
أما ابن كلاب، فاعتبر الكلام صفة ملازمة لله، لكنه فرق بين المعاني والأصوات والحروف التي تتجسد في العبارات والرسوم والقراءات اللفظية، وهي مدار أوجه الخطاب من أمر ونهي ووعد ووعيد. ومن هنا جاء التمييز الدقيق بين كلام الله والقرآن، متحاشياً الجدل حول الخلق، ومفضلاً العبارة القرآنية *«التنزيل»* التي تعني الإفهام والإعلام. وفي هذا الرأي أيضاً، يرى فان أس أن ابن كلاب يتبع هشام بن الحكم.
أما القلانسي، فيقدم رؤية نظرية معمقة للكلام، يعرفه فيها بأنه «المسموع المفهوم من غير أمارات الوضع»، بما يفضي إلى التمييز بين الأصوات اللغوية والعلامات التواضعية غير التعبيرية مثل صوت الطبل والمزمار والرعد. والخلاصة التي يصل إليها هنا هي التفريق بين كلام الله الذاتي، الذي هو صفة أزلية لا ترتبط بالوظيفة التواصلية مع البشر (الأمر والتحريم والوعد والوعيد والاستفهام وغيرها). لكنه يرفض نظرية «المحاكاة» لدى بعض المعتزلة، وبصفة خاصة الجبائيين، أي القول إن الكلام الملفوظ والمكتوب مجرد محاكاة لكلام الله، فلا تشابه بين الكلام الإلهي والكلام البشري.
بخصوص نظرية خلق الأفعال، يتفق الثلاثة على أن الله ينفرد بالقدرة والفعل، على عكس أطروحة المعتزلة في خلق الأفعال، لكنهم يختلفون في تفصيلات النظرية. فقد ميز المحاسبي بين الاستطاعة الأخلاقية التي هي شرط التكليف والمحاسبة، والقدرة الوجودية، أي خلق الفعل الذي هو من اختصاص الله وحده، فلم يصل إلى التعقيدات النظرية التي وضعتها نظرية الكسب الأشعرية لاحقاً.
أما القلانسي، فقد بلور مقومات الأطروحة الأشعرية في نفي استقلالية القدرة الإنسانية، والقول بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله. كما أنه، مع إثباته لله خلق الفعل، أخذ بمذهب النجارية في اعتبار أن الإنسان هو الفاعل على الحقيقة، بما يمهد لأطروحة الكسب من منظور أنطولوجي خاص (إمكانية حصول الأعراض على جهات)، فالفعل الإنساني مخلوق من جهة ومكتسب من جهة أخرى، والكسب هو استطاعة الفعل.
ما نخلص إليه هو أن هذه الأطروحات، على أهميتها وتأثيرها اللاحق، تفتقد الصياغة النسقية والفنية المكتملة، وهو ما سيتحقق في الفكر الأشعري اللاحق.