علم الكلام المعتزلي: قراءة فلسفية جديدة

لقد كرس الفيلسوف الألماني المعروف هيغل الرؤية التي تزعم أن علم الكلام الإسلامي نشأ مع المعتزلة، وأصبح تراث هذه المدرسة محور الجدل الكلامي اللاحق. هذا التصور، الذي يعود إلى الفيلسوف اليهودي ابن ميمون، له أصول في كتب الفرق التي كتب أغلبها متكلمون سنة، نظروا إلى الاعتزال بوصفه بدعة رد عليها الأشاعرة ودحضوها.

ليس من همنا الدخول في هذا الجدل؛ فمن البديهي أن إطار النقاش الكلامي تحدد قبل ظهور المعتزلة، وقد ساهمت فيه التيارات القدرية والجهمية بنصيب وافر.

وليس من همنا الدخول في النقاش الواسع حول أصل تسمية المعتزلة وعلاقتهم بما يعدونه جيلهم المؤسس، وهو أساسًا واصل بن عطاء (توفي سنة 131هـ) وعمرو بن عبيد (توفي سنة 144هـ). فمن البديهي أن الرجلين كانا في حلقة الحسن البصري، ولا بد أنهما اشتغلا بالجدل الكلامي حول القدر والعدل ومنزلة مرتكب الكبيرة، وإن لم تكن لهما أنساق كلامية مكتملة. وسواء كانت لفظة الاعتزال من الابتعاد عن الصراع السياسي ونبذ الفتن (كما هو رأي مادلونغ وجوزيف فان أس ومونتغمري وات)، أو من الزهد والعزوف عن مباهج الحياة (كما رأى جولدتسيهر ورجحت سارة سترومسا)، فإن الفكرة الأساسية التي قامت عليها المدرسة هي مقولة «المنزلة بين المنزلتين»، التي يبدو أنها كانت الاهتمام الأول لمؤسسي المذهب.

وبالنظر إلى المنهجية التي نتبعها في ضبط أفكار المتكلمين المعتزلة من المنظور الفلسفي، نرى أن الوجوه الفكرية الأبرز التي صاغت النسق النظري الاعتزالي هي: أبو الهذيل العلاف (توفي سنة 235هـ)، وإبراهيم النظام (توفي سنة 231هـ)، ومعمر بن عباد السلمي (توفي سنة 220هـ)، والثلاثة من رموز الاعتزال الكلاسيكي.

وفي مرحلة النضج والصياغات التقنية الدقيقة، نشير إلى زعيم مدرسة البصرة أبو علي الجبائي (توفي سنة 303هـ)، وأبو القاسم الكعبي البلخي (توفي سنة 319هـ)، الذي خلف الخياط (توفي سنة 300هـ) على رئاسة مدرسة بغداد.

وفي المرحلة المتأخرة تبلور اتجاهان في التيار الاعتزالي: الاتجاه الأنطولوجي لدى أبي هاشم الجبائي (توفي سنة 321هـ)، وقد انتقل تأثيره إلى مدرسة الري بزعامة القاضي عبد الجبار (توفي سنة 415هـ)، والاتجاه التحليلي لدى أبي الحسين البصري (توفي سنة 436هـ)، وقد أثر بقوة في الأشعرية المتأخرة.

ومع أن المعتزلة، منذ مرحلة التقنين الفعلي على يد أبي الهذيل العلاف، متفقون في الأصول الخمسة، إلا أنهم شديدو الاختلاف في تفصيلات المذهب، إلى حد رد بعضهم على بعض، وربما وصل الأمر إلى التكفير المتبادل فيما بينهم.

وعلى عكس المقاربة التي ترجع النقاشات الكلامية الاعتزالية في الصفات والطبيعيات والأخلاق إلى جذور مسيحية (ولفسون)، أو أحيانًا إلى اعتبارات فلسفية يونانية أو معتقدات مانوية (فان أس)، فإننا نعتقد أن هذه النقاشات صدرت عن خلفيات إسلامية محضة، وإن كانت وظفت الموروث الفلسفي اللاهوتي أحيانًا في ضبط المفاهيم والمصطلحات المستخدمة.

أهم هذه الإشكالات تدور، حسب رأينا، حول الأسئلة الثلاثة المحورية التالية:

كيف يمكن للمعرفة العقلية أن تستوعب المعتقدات الإلهية التي تنقل بالنص والسماع، بما يختلف جذريًا عن السؤال الفلسفي اليوناني المتعلق بثنائية الوهم والعلم في علاقتها بالرأي السائد والبرهان اليقيني؟

كيف يمكن التوفيق بين لاهوت التعالي والمغايرة ولاهوت الفاعلية والقرب في بنية عقدية تقوم على التوحيد المطلق، بما يختلف جذريًا عن لاهوت التثليث المسيحي وجدال الصفات المرتبط به؟

كيف يمكن التوفيق بين لاهوت القدرة ولاهوت العدل، بما يكفل سلطة الله المطلقة على الطبيعة والبشر ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، بما يختلف جوهريًا عن الضروراتية الطبيعية اليونانية وعن عقيدة القدر المسيحي الذي يقيد القدرة الإلهية بالعلل الطبيعية؟

إن هذه الإشكاليات هي التي أدت إلى صياغة النقاشات الاعتزالية الحيوية في الموضوعات الإبستمولوجية (نظرية العلم والمعرفة)، والطبيعية (نظرية الحركة)، وفي الإلهيات (نظرية الصفات والأحوال)، وفي الأخلاقيات (نظرية التكليف والصلاح)، وفي السياسة (نظرية الإمامة).

في الجانب الإبستمولوجي، نرى أن المعتزلة، وإن اتفقوا في عمومهم على أن العلم هو معرفة الشيء على ما هو عليه (أي خصائصه الواقعية الموضوعية)، كما أنهم اتفقوا على أولوية النظر العقلي على الاعتقاد، واعتبروا أن العقل قادر على معرفة الله وضبط الحسن والقبيح دون الرجوع إلى الشرع (أي الخير الموضوعي المجرد)، إلا أنهم اختلفوا في طبيعة المعرفة العقلية نفسها من حيث الأدوات والمقومات. يمكن هنا أن نميز بين من دمج الحدس في مصادر المعرفة العقلية (النظام)، ومن نبه إلى الجانب التحليلي الدلالي في بناء العلم العقلاني (معمر)، ومن ركز على الجانب الطبيعي التجريبي في المعرفة (الجاحظ)، ومن حاول نقل المعرفة العقلية إلى الإبستمولوجيا المنطقية النقدية (أبو الحسين البصري).

وفي الطبيعيات، عالج المتكلمون المعتزلة المعضلات النظرية التي تطرحها فكرة الكون المتناهي مكانًا وزمانًا على موضوع الحركة الذي هو مدار الفيزياء، كما قال أرسطو. وفي هذا السياق تبلورت أربع نظريات كبرى هي: نظرية «الأعراض» أو «الأبعاض» التي بلورها ضرار بن عمرو (توفي سنة 200هـ)، الذي يثير انتماؤه الاعتزالي أسئلة دقيقة، ونظرية «الجوهر الفرد» أو «الجزء الذي لا يتجزأ» التي أخذ بها جل المعتزلة والأشاعرة من بعد، ونظرية «الطفرة» لدى النظام، و«نظرية الطبائع» التي اشتهر بها الجاحظ والكعبي. ولا يمكن معالجة هذه النظريات بمنأى عن الإسهامات الكبرى في مجالات البلاغة والرياضيات والفلك، بما نجده في أعمال مؤرخ العلم الشهير رشدي راشد ونجله الفيلسوف مروان راشد.

بخصوص الإلهيات، كان الإشكال الكبير الذي طرح على المتكلمين المعتزلة هو: كيف يمكن الحفاظ على مقتضى التوحيد من حيث الصفات دون تعطيل قدرة الله في العالم؟ بما تجلى في ثلاث نظريات كبرى، هي: نظرية اتحاد الذات والصفات لدى أبي الهذيل (وقد تكون لها أصول جهمية)، ونظرية المعاني لدى معمر، التي حاولت تجاوز مأزق «تغاير الصفات» من خلال تحليل دلالاتها الداخلية، ونظرية «الأحوال» لدى أبي هاشم، التي نرى أنها دشنت المنعطف الأنطولوجي في علم الكلام الاعتزالي. لقد اتفق المعتزلة على مبدأ عدم الفصل بين الذات والصفات، لكنهم قدموا صياغات متمايزة لهذا المبدأ العقدي الثابت.

وفي مجال الأخلاقيات، كان المنطلق هو الدفاع عن العدل الإلهي وما يترتب عليه من نفي القبح والشر عن الأفعال الإلهية، بما جر إلى أسئلة معقدة حول خلق الأفعال في الواقع الإنساني ومعنى العناية الإلهية بالعالم. ولئن كان المعتزلة اتفقوا على أن الإنسان مسؤول عن أفعاله وأن الله لا يخلق الشر والقبح، إلا أنهم ميزوا بين الفعل المادي المنجز، الذي هو فعل بشري، والاستطاعة الأصلية التي يخلقها الله. ولقد اختلفوا في دلالة الأصلح من حيث ثنائية الخلق الإلهي والفعل الإنساني، فذهب بعضهم، مثل أبي الهذيل العلاف، إلى أن القول بالعدل الإلهي يقتضي تأكيد فكرة الأصلح، بينما اكتفى البعض الآخر بالمصلحة والحكمة دون إكراه خارجي (مثل بشر بن المعتمر وأبي علي الجبائي)، وفرق إبراهيم النظام بين الفهم البشري للأصلح، الذي هو من مقتضيات العدالة الإلهية، واستحالة معرفة مضمون الأصلح بالنسبة إلى المراد الإلهي.

وفي المجال السياسي، رغم أننا نختلف كليًا مع المقاربة السياسية الإيديولوجية للاعتزال (كما نراها بقوة لدى مونتغمري وات)، يظهر لنا أن أئمة الاعتزال (باستثناء الأصم) يقولون إن الإمامة واجبة عقلًا ومدارها العدل. وبغض النظر عن الدلالات التي يمكن أن تمنح لقرب عدد من شيوخ الاعتزال من البلاط العباسي، سواء خلال العصر البرمكي (حلقة يحيى بن خالد البرمكي) أو خلال محنة خلق القرآن في عهد المأمون، فإن عقيدة الاعتزال مبنية على الإقرار بشرعية الدولة المتحكمة واعتزال الفتنة.