السودان: بين الوعود والواقع

بقلم جولي هارناك، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي

بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع النزاع، يواجه السودان أزمة إنسانية كارثية تتجلى في اتساع رقعة المجاعة وتراجع قدرة الاستجابة الإنسانية الدولية. وعلى الرغم من المؤتمرات رفيعة المستوى التي أسفرت عن تعهدات مالية كبيرة، فإنها غالبًا ما افتقرت إلى آليات تنفيذ حقيقية، فيما ظل الفاعلون السودانيون المحليون وفرق الاستجابة الطارئة مستبعدين إلى حد كبير من مسارات السلام وصنع القرار. وبينما يناقش القادة الدوليون مستقبل السودان في قاعات المؤتمرات الأوروبية، يواصل شريان الحياة الحقيقي داخل البلاد النزيف بصمت.

بالنسبة لملايين السودانيين، لا يُعد التضامن المجتمعي خيارًا، بل هو وسيلة البقاء الوحيدة المتاحة. فمع انهيار مؤسسات الدولة وعدم وصول المساعدات الدولية إلى خطوط المواجهة، لم يعد أمام المجتمعات المحلية سوى الاعتماد على بعضها البعض لمواجهة الآثار المدمرة للحرب والنزوح والفقر المدقع.

وفي ظل هذا المشهد من الإهمال المنهجي، تحولت المطابخ الجماعية من تقليد اجتماعي وثقافي إلى وسيلة إنقاذ أساسية. وتُعرف هذه المطابخ في السودان باسم «التكايا»، ويُديرها متطوعون ومتطوعات، غالبًا دون أي دعم خارجي. واليوم، أصبحت التكايا خط الدفاع الأخير الذي يفصل بين الحياة والمجاعة. وكما يقول محمد سليمان هلال: «لولا هذه المطابخ المجتمعية، لما كانت الحياة ممكنة». وهو واحد من ملايين السودانيين الذين يعتمدون عليها يوميًا.

إلا أن هذا الشريان الحيوي يواجه خطر الانقطاع. فمنذ بداية عام 2026، أجبر النقص الحاد في التمويل ما يقارب نصف التكايا على إغلاق أبوابها نهائيًا، فيما تصل نسبة الإغلاق في شمال دارفور إلى نحو 57 بالمئة. ولا يعود ذلك إلى نقص التمويل فحسب، بل أيضًا إلى تعثر منظومة المساعدات الدولية وارتفاع أسعار المواد الغذائية. فقد أشار تقرير صادر عن منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء، ونقص الوقود، واستمرار القصف، وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، دفعت هذه الشبكات إلى حافة الانهيار. ومع تراجع التمويل، أُغلقت مئات التكايا، بينما اضطرت التكايا التي ما تزال تعمل إلى تقليص خدماتها من ثلاث وجبات يوميًا إلى وجبة واحدة فقط، أو التوقف عن العمل لأيام متتالية.

وبالنسبة للأسر السودانية التي تعيش تحت وطأة ثلاث سنوات من الحرب والفقر والمجاعة، فإن إغلاق هذه المطابخ لا يعني فقدان وجبة ساخنة فحسب، بل خسارة أحد آخر أشكال التضامن الإنساني المتبقية. كما تعكس هذه الانقطاعات في الخدمات حجم الأزمة الإنسانية الأشمل، والتي يصعب أحيانًا استيعاب أبعادها من خلال الأرقام وحدها: إذ يحتاج نحو 33.7 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية، بينما تعرض 11.5 مليون شخص للنزوح القسري، من بينهم 6.7 مليون نازح داخل البلاد. وقد تم تأكيد وقوع المجاعة رسميًا في الفاشر وكادقلي. وتُقدّر الأمم المتحدة، من خلال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، أن الاحتياجات التمويلية للاستجابة الإنسانية في السودان بلغت 2.9 مليار دولار أمريكي في عام 2026، إلا أن 16 بالمئة فقط من هذا التمويل كان قد تم توفيره بحلول أوائل شهر أيار. ورغم أن الأرقام قد تُفقدنا أحيانًا القدرة على إدراك حجم المأساة، فإن الأزمة تصبح أكثر وضوحًا حين نستمع إلى شهادات من يعيشون تفاصيلها يوميًا.

بدأت الحرب الأهلية في نيسان 2023، ومنذ ذلك الحين تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. ووفقًا للجنة الإنقاذ الدولية، قد تكون أكبر أزمة إنسانية شهدها العالم على الإطلاق. وتتزايد التقارير التي توثق العنف الجنسي الممنهج واستعباد النساء والفتيات في الفاشر ومناطق أخرى، ومع ذلك لم تتم محاسبة أي جهة مسؤولة عن هذه الجرائم حتى الآن.

ويعمل الفاعلون الإنسانيون المحليون في السودان في ظل واقع من الترهيب الممنهج، حيث بات إنقاذ الأرواح يُعامل وكأنه عمل يستوجب العقاب. ويتعرض هؤلاء للعنف من طرفي النزاع، بينما يواصل الكثير منهم عملهم دون أجور، ودون حماية قانونية أو اعتراف مؤسسي. وقد تعرضت المكاتب الإنسانية المحلية في مختلف أنحاء البلاد للنهب والتدمير بشكل ممنهج، ما اضطر شبكات كاملة من المتطوعين إلى الفرار حفاظًا على حياتهم. وقد وثقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وبعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أنماطًا مروعة من الاعتقالات التعسفية والتعذيب وعمليات الإعدام خارج نطاق القانون التي استهدفت العاملين في المجال الإنساني، والكوادر الطبية، والمدافعين عن حقوق الإنسان. وتمثل هذه الانتهاكات خرقًا مباشرًا للقانون الإنساني الدولي، وتُرتكب في ظل إفلات شبه كامل من العقاب.

في هذا الواقع المأساوي، اضطر المجتمع المدني السوداني إلى ملء الفراغ الذي خلّفه تقاعس الاستجابة الدولية وانهيار مؤسسات الدولة. فقد أصبحت التكايا وغرف الاستجابة الطارئة (ERRs)، وهي شبكة مجتمعية لا مركزية تضم أكثر من 26 ألف متطوع ومتطوعة في الأحياء السكنية، العمود الفقري للصمود والبقاء في السودان الذي مزقته الحرب. فقد تدخلت هذه المبادرات لسد الفراغ الإنساني عندما انهارت مؤسسات الدولة، وعندما اضطرت وكالات الإغاثة الدولية إلى الإجلاء أو أصبحت عاجزة بسبب القيود البيروقراطية والظروف الأمنية. ومع ذلك، فإن نضالها من أجل إبقاء أحيائها ومجتمعاتها على قيد الحياة يواجه تهديدًا يوميًا.

مؤتمر برلين

في نيسان 2026، وبمناسبة مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، اجتمعت في برلين 55 دولة، إلى جانب منظمات إقليمية ووكالات تابعة للأمم المتحدة و38 منظمة غير حكومية دولية وسودانية. واستضاف المؤتمر كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي. وأسفر عن تعهدات بلغت نحو 1.5 مليار يورو، من بينها أكثر من 812 مليون يورو تعهد بها الاتحاد الأوروبي.

وبعد أسابيع قليلة، اعتمد المشاركون ما عُرف بـ«مبادئ برلين»، وهي وثيقة ترفض الحل العسكري، وتدعو إلى وقف إنساني لإطلاق النار، وإنهاء الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وتؤكد أن مستقبل السودان السياسي يجب أن يُصاغ من قبل السودانيين أنفسهم عبر عملية شاملة.

وعلى الورق، تبدو هذه المبادئ مطالب قوية وواضحة. أما على أرض الواقع، فهي تفتقر إلى آليات تضمن تنفيذها: فلم يُعلن حتى الآن أي وقف لإطلاق النار، وما زالت الهجمات بالطائرات المسيّرة مستمرة في الخرطوم وأم درمان، كما لم يتوقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة رغم الالتزامات المعلنة.

من غاب عن الطاولة ومن يملك القرار

كرّس مؤتمر برلين مرة أخرى إشكالية جوهرية تتمثل في استمرار تفاوض الأطراف الخارجية بشأن مستقبل السودان، بينما يبقى السودانيون أنفسهم على هامش هذه النقاشات.

تقول المستشارة التنموية السودانية أناب محمد في حديثها لموقع «ميدل إيست آي» في تشرين الثاني 2025:
«غالبًا ما يُناقَش السودان بوصفه حالة للدراسة وليس مجتمعًا حيًا. يُتحدث عنا، لكن لا يُتحاور معنا».

ما الذي حققته المؤتمرات السابقة بشأن السودان في باريس عام 2024 ولندن عام 2025؟ وإذا كانت نتائجها محدودة أو شبه معدومة، فلماذا يستمر تكرار النموذج ذاته للمرة الثالثة؟

تكمن خلف هذه الأسئلة معضلة بنيوية أعمق؛ إذ غالبًا ما تهيمن على مفاوضات السلام جهات ونخب تتمتع بحضور دولي، لكنها بعيدة عن واقع المجتمعات التي تعيش الحرب يوميًا. وفي المقابل، لا تحظى الجهات السودانية المحلية، مثل المجموعات النسائية، والمبادرات الشبابية، وغرف الاستجابة الطارئة التي تؤمّن فعليًا الخدمات الإنسانية الأساسية، إلا بقدر محدود من الدعم المباشر، كما تُستبعد إلى حد كبير من العمليات السياسية.

لا سلام دون الشعب السوداني

هذه هي جوهر الأزمة التي لم ينجح مؤتمر برلين في معالجتها: فالمشكلة لا تكمن في غياب التصريحات أو البيانات، بل في غياب الإرادة الحقيقية لدى الأطراف الخارجية لممارسة ضغط جاد على القوى المتحاربة. فشبكات تجارة الذهب، وإمدادات السلاح، والمصالح الاقتصادية، تربط قوى إقليمية بالحرب السودانية بطريقة لا يمكن تفكيكها عبر بيانات دبلوماسية أو تعهدات سياسية فقط.

ويقول عالم السياسة السوداني الواثق كمير في صحيفة «سودان تريبيون» في نيسان 2026:
«لن يأتي السلام الحقيقي في السودان من مؤتمرات موسمية، بل من عملية سودانية جادة وشاملة وذات قوة سياسية، تجد فيها الجهات الخارجية دورها في التيسير والدعم، لا أن تتخيل قدرتها على صناعة السلام نيابة عن أصحابه الحقيقيين».

ثلاثة مطالب تنبثق من قراءة الواقع

بينما نحيي اليوم العالمي للاجئين في شهر حزيران، علينا أن نواجه حقيقة مؤلمة: إن كارثة النزوح في السودان ليست كارثة حتمية، بل نتيجة مباشرة لفشل سياسي اختار المجتمع الدولي الاستمرار في التساهل معه. فالكلمات والوعود الصادرة من العواصم البعيدة لن تنقذ حيًا آخر، ولن توقف موجات النزوح التاريخية لملايين الأشخاص عبر الحدود.

وإذا كانت القوى الدولية التي اجتمعت في برلين جادة في الانتقال من التعاطف الرمزي إلى البحث عن حلول حقيقية، فعليها أن توائم سياساتها مع احتياجات الشعب السوداني وحقه في تقرير مستقبله. ويتطلب تحقيق سلام مستدام تجاوز البيانات الدبلوماسية نحو خطوات عملية، تبدأ بثلاث أولويات أساسية:

أولًا: ممارسة ضغط مستمر على الجهات الخارجية الداعمة للنزاع.
فما دامت الأطراف المتحاربة تحصل دون عوائق على الأسلحة والطائرات المسيّرة والتمويل الخارجي، فلن تنهي التصريحات السياسية الحرب. وينبغي أن تتحول دعوات «مبادئ برلين» إلى إنهاء الدعم الخارجي إلى ضغوط دبلوماسية فعلية واتفاقات قابلة للمتابعة والقياس.

ثانيًا: توفير تمويل مباشر ومرن للبنى المحلية.
تشكل غرف الاستجابة الطارئة وشبكات التكايا البنية الإنسانية الفعلية التي يعتمد عليها السودانيون اليوم، وهي بحاجة إلى تمويل مباشر ومرن، بدلًا من المرور عبر قنوات دولية معقدة ومتطلبات إدارية لا تتناسب مع واقع مناطق النزاع.

ثالثًا: إشراك حقيقي لا مشاركة شكلية.
يجب أن يكون للجهات الفاعلة في المجتمع المدني السوداني، وخاصة النساء والشباب والنازحين وممثلي المناطق المهمشة، دور متساوٍ في عمليات السلام وصنع القرار، لأن السلام المستدام لا يمكن أن يُصاغ للسودانيين دون أن يكونوا شركاء في صياغته.