عمال توصيل الطعام في الأردن وشهادة الخلو من الأمراض: قراءة في الإطار القانوني والإجرائي

بقلم أ. رامي قويدر، المستشار القانوني في منظمة النهضة (أرض)

في بيان صحفي حديث، أكدت المؤسسة العامة للغذاء والدواء ضرورة حصول العاملين في مجال توصيل الطعام على شهادات صحية تثبت خلوهم من الأمراض، وأوضحت أنها تنفذ حملات رقابية بالتنسيق مع هيئة تنظيم قطاع الاتصالات لمتابعة التزام العاملين بهذا الشرط، كما خاطبت الهيئة لتعميم هذا الالتزام على جميع الجهات العاملة في قطاع توصيل الطعام.

ولا يُعد هذا الإعلان استحداثاً لالتزام جديد، بقدر ما يمثل تفعيلًا وتأكيدًا لتطبيق التزام قانوني قائم بموجب التشريعات الأردنية الناظمة لسلامة الغذاء، والتي تُلزم كل من يتعامل مباشرة مع الغذاء – تحضيراً أو نقلاً أو تسليماً – بالحصول على شهادة صحية سارية المفعول. ويُصنّف سائقو توصيل الطعام قانوناً ضمن هذه الفئة، باعتبارهم يتولون الحلقة الأخيرة من سلسلة تداول الغذاء قبل وصوله إلى المستهلك.

الأساس القانوني للالتزام

يستند هذا الشرط إلى أحكام كل من قانون الغذاء رقم (30) لسنة 2015 وقانون الصحة العامة رقم (47) لسنة 2008 والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاهما، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: تعريف تداول الغذاء يشمل النقل والتسليم

تنص المادة (2) من قانون الغذاء على أن تداول الغذاء يشمل مراحل إنتاج الغذاء أو تصنيعه أو تحضيره أو معالجته أو تعبئته أو تغليفه أو تجهيزه أو نقله أو حيازته أو تخزينه أو توزيعه أو عرضه للبيع أو بيعه.

وبناءً على هذا التعريف، يدخل سائق التوصيل ضمن فئة “متداولي الغذاء”، لأنه يتولى مرحلتي النقل والتسليم تحديداً، الأمر الذي يبرر سريان الاشتراطات الصحية المقررة على متداولي الغذاء عليه.

ثانياً: صلاحية التفتيش على العاملين

تنص المادة (4) من قانون الغذاء على أن من مهام المؤسسة العامة للغذاء والدواء التفتيش على أي مكان يتم فيه تداول الغذاء وعلى العاملين فيه. وتشكل هذه المادة الأساس القانوني المباشر للحملات الرقابية التي تنفذها المؤسسة للتحقق من التزام عمال التوصيل بالحصول على الشهادة الصحية.

ثالثاً: استبعاد العامل المصاب

تنص المادة (17/أ) من قانون الغذاء على إلزام المنشأة الغذائية بتسمية مسؤول يتولى، ضمن مهامه، استبعاد أي عامل مصاب بمرض أو إصابة قد تؤثر على سلامة الغذاء.

ويُعد هذا النص من أهم الأسس القانونية التي تبرر اشتراط الحصول على شهادة صحية، باعتبارها وسيلة للتحقق المسبق والمستمر من خلو العامل من الأمراض التي قد تؤثر في سلامة الغذاء.

رابعاً: الإحالة إلى قانون الصحة العامة

تنص المادة (33/ب) من قانون الغذاء على استمرار سريان الأنظمة الصادرة بمقتضى قانون الصحة العامة والمتعلقة بالغذاء إلى حين إلغائها أو استبدالها.

وعليه، فإن آلية إصدار الشهادة الصحية وتفاصيلها الإجرائية، بما في ذلك الفحوصات المطلوبة ومدد الصلاحية وإجراءات التجديد، لا ينظمها قانون الغذاء بصورة تفصيلية، وإنما تُنظم بموجب التشريعات الصادرة استناداً إلى قانون الصحة العامة رقم (47) لسنة 2008، ولا سيما الأحكام المتعلقة بالأمراض السارية والوقاية منها ومكافحتها.

الخلاصة القانونية

يضع قانون الغذاء رقم (30) لسنة 2015 الإطار العام للالتزام، من خلال إدراج عامل التوصيل ضمن مفهوم متداولي الغذاء ومنح المؤسسة العامة للغذاء والدواء صلاحيات الرقابة والتفتيش والمساءلة.

أما قانون الصحة العامة رقم (47) لسنة 2008 والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، فيمثل المصدر التشريعي المنظم لآلية إصدار شهادة الخلو من الأمراض وتفاصيلها الإجرائية.

ومن ثم، فإن مطالبة شركات ومنصات التوصيل بالتحقق من حيازة سائقيها لهذه الشهادة لا يُعد مجرد توجيه إداري، وإنما التزاماً تنظيمياً وقانونياً يترتب على مخالفته المساءلة.

من يشملهم هذا الالتزام؟

يشمل الالتزام جميع الأشخاص الذين يعملون بصورة مباشرة في نقل الطعام وتسليمه للمستهلكين، سواء كانوا يعملون لدى مطاعم أو محال بيع الأغذية أو المطابخ الإنتاجية أو من خلال منصات وتطبيقات التوصيل الرقمية، بغض النظر عن طبيعة العلاقة التعاقدية، سواء كانوا موظفين دائمين أو عاملين مستقلين.

متطلبات استخراج الشهادة الصحية

للحصول على الشهادة الصحية، يتوجب على العامل:

  • تقديم طلب لدى المركز الصحي أو المديرية الصحية التابعة لمكان إقامته أو عمله من خلال النموذج المخصص لذلك.
  • إبراز وثيقة إثبات الشخصية.
  • الخضوع للفحوص الطبية اللازمة للتأكد من خلوه من الأمراض المعدية أو الجلدية أو التنفسية أو الطفيلية التي قد تنتقل من خلال التعامل مع الغذاء.

وبعد ظهور النتائج وإثبات خلو المتقدم من الأمراض، تصدر الشهادة الصحية معتمدة ومختومة من الجهة المختصة.

وفي أمانة عمان الكبرى، تتولى دائرة الرقابة الصحية والمهنية إصدار هذه الشهادة تحت مسمى “شهادة خلو أمراض”، حيث أصبح تقديم الطلب إلكترونياً بالكامل من خلال بوابة الأمانة، بعد تعبئة البيانات وتحميل الوثائق المطلوبة، ومنها الصورة الشخصية والفحص الطبي السابق – إن وجد – وتصريح العمل لغير الأردنيين.

ويُحال الطلب إلى المركز الصحي المختص لإجراء الفحوصات اللازمة في حال عدم إجرائها مسبقاً، ثم تستوفى الرسوم إلكترونياً قبل إصدار الشهادة. ويُلغى الطلب تلقائياً إذا لم تستكمل الإجراءات خلال أسبوعين من تاريخ تقديمه.

وعند صدور نتيجة الفحص، يتلقى مقدم الطلب رسالة نصية تمكنه من استخراج الشهادة وفق الإجراءات المعتمدة.

أما في البلديات الأخرى، فتختلف الإجراءات تبعاً للبلدية والخدمات الإلكترونية المتاحة لديها؛ إذ توفر بعض البلديات الخدمة إلكترونياً، بينما يتعين في حالات أخرى مراجعة مديرية الصحة المختصة لإجراء الفحوصات واستكمال الإجراءات.

مدة الصلاحية والتجديد

الشهادة الصحية ليست دائمة، وإنما تصدر لمدة محددة تختلف بحسب طبيعة النشاط والفئة المهنية، ويتوجب تجديدها قبل انتهاء صلاحيتها لضمان استمرار ممارسة العمل بصورة قانونية.

وتقع مسؤولية متابعة صلاحية الشهادة على العامل نفسه وعلى الجهة أو المنصة التي يعمل من خلالها، إذ إن تشغيل عامل يحمل شهادة منتهية الصلاحية قد يرتب مسؤولية قانونية على الطرفين.

المسؤولية والمخالفات

تنفذ المؤسسة العامة للغذاء والدواء حملات رقابية ميدانية بالتنسيق مع الجهات المختصة للتحقق من التزام العاملين بهذا الشرط.

ويُعد عدم حيازة الشهادة الصحية أو العمل بشهادة منتهية الصلاحية مخالفة قد تستوجب اتخاذ إجراءات قانونية تشمل الإنذار أو الغرامة أو وقف العامل عن ممارسة النشاط، بحسب طبيعة المخالفة وتكرارها.

كما أن التنسيق القائم بين المؤسسة وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات يفتح المجال لمساءلة منصات وتطبيقات التوصيل نفسها في حال عدم إلزام سائقيها باستيفاء هذا الشرط، بما يجعل الالتزام مسؤولية مشتركة بين العامل والمنصة المشغلة.

تعزيز الوعي والالتزام القانوني

في إطار دورها في تعزيز الوعي القانوني ونشر المعرفة بالحقوق والالتزامات، تسعى منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) إلى توضيح الجوانب القانونية والإجرائية المرتبطة بشهادة الخلو من الأمراض، باعتبارها مسألة تمس شريحة واسعة من العاملين الأردنيين في قطاع توصيل الطعام وأصحاب العمل على حد سواء.

ويؤكد هذا التوضيح أن الالتزام بالحصول على الشهادة الصحية وإجراءاتها لا يشكل عبئاً أو تعقيداً إضافياً، بل يمثل إجراءً وقائياً بسيطاً يهدف إلى حماية الصحة العامة وسلامة الغذاء. كما أن الامتثال لهذه المتطلبات يساعد عمال التوصيل وأصحاب المطاعم والشركات والمنصات الرقمية على تجنب الغرامات والتبعات القانونية التي قد تنشأ عن عدم الالتزام بالتشريعات النافذة.

خاتمة

لا تُعد الشهادة الصحية لعمال توصيل الطعام إجراءً شكلياً أو متطلباً إدارياً فحسب، بل تمثل ضمانة قانونية أساسية لحماية الصحة العامة وسلامة الغذاء وصون حقوق المستهلك.

ومن ثم، فإن التزام العاملين في هذا القطاع، وكذلك الشركات والمنصات المشغلة لهم، بالحصول على هذه الشهادة وتجديدها بصورة دورية يشكل ضرورة قانونية ومهنية تسهم في تعزيز منظومة السلامة الغذائية والحد من المخاطر الصحية.

ملاحظة: قد تختلف الرسوم ومدد الصلاحية وبعض الإجراءات التفصيلية بين المديريات الصحية والجهات المعتمدة، لذلك يُنصح بمراجعة الجهة الصحية المختصة أو المؤسسة العامة للغذاء والدواء للحصول على أحدث المعلومات والتعليمات الرسمية.