محمد عبد الله دراز والظاهرة الدينية

السيد ولد اباه

محمد عبد الله دراز فقيه أزهري بارز، درس في فرنسا بعد استكمال العلوم الشرعية، وتوفي سنة 1958. ترك دراز بعد رحيله ثلاثة كتب أساسية في الدراسات القرآنية الحديثة، هي: أطروحته الرئيسية في السوربون، وقد صدرت بالعربية بعنوان «دستور الأخلاق في القرآن الكريم»، وأطروحته الفرعية في الجامعة نفسها «مدخل إلى القرآن الكريم: عرض تاريخي وتحليل مقارن»، وكتاب «النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن الكريم» (صدر سنة 1957، وإن كانت صيغته الأولى تعود إلى سنة 1933).

وإذا استثنينا كتاب «دستور الأخلاق في القرآن الكريم»، الذي يقدم فيه تأويلًا أخلاقيًا للنص المقدس من منظور كانطي غير مسبوق، فإن الكتابين الأخيرين يصدران عن فكرة الإعجاز البياني التي تناولها الأقدمون، لكن من منظور جديد، نتيجة لاطلاع دراز الواسع على الكتابات الاستشراقية في عصره.

ما كان يهم دراز هو تبيين ثلاث حقائق كبرى، هي: صدقية الرسالة من حيث الدليل الساطع على البعثة النبوية، والدفاع عن الأطروحة الإسلامية التقليدية حول تدوين القرآن الكريم وكتابته، وإبراز صلاحية الوحي المنزل للعصر الحاضر من منطلق تأويلي راهن.

لقد كان دراز على اطلاع كامل على الكتابات الإثنوغرافية حول الظاهرة الدينية، وهي في مجملها تصدر عن منهج تطوري تاريخي يربط المعتقدات بالسياقات الاجتماعية والعقليات «المتوحشة» أو «البدائية». وقد رفض هذا المنهج الذي كان مهيمنًا وقتها على الدراسات الدينية، مبينًا عجزه عن فهم الحالة الإسلامية والظاهرة القرآنية.

كما كان له إلمام جيد بالمباحث الاستشراقية في عصره، وأهمها آنذاك كتاب «تاريخ القرآن» للمستشرق الألماني تيودور نولدكه، الصادر عام 1860، وكتاب «مذاهب التفسير الإسلامي» للمستشرق المجري إغناتس جولدتسيهر، الصادر سنة 1920. وقد مهد الكتابان لدراسات الاستشراق القرآني، وخلّفا جدلًا واسعًا في الحقل الإسلامي المعاصر.

بيد أن دراز، الذي درس في الجامعات الغربية وأتقن المناهج التأويلية الحديثة، كان واعيًا بضرورة تقديم رؤية جديدة للسردية الإسلامية التقليدية، مع الحفاظ على جوهرها وثوابتها. ومن هنا خصوصية أعماله التي خصصها للدراسات القرآنية وتميزها.

المنهج الذي يعتمده دراز هو، حسب قوله، «الدراسة التحليلية الموضوعية للبناء القرآني»، أي النظر إليه بصفته نسقًا دلاليًا مكتملًا من الأفكار والمعتقدات والأحكام التكليفية، تجسد رؤية الإسلام للعالم ورسالته للإنسانية.

في هذا الباب، يؤكد دراز أن رسالة القرآن الأساسية هي «العودة إلى الوحدة الدينية الأصلية التي يستجيب لها ويعتز بها ذوو النفوس السامية. ويكفي أن يرتفع صوت باسم هذه الوحدة المقدسة حتى تنفتح له قلوبهم المتلهفة».

ما يعنيه دراز بهذه العبارات، فيما وراء التذكير بتتابع وترابط الرسالات الإلهية التي خُتمت بالإسلام، هو الكشف عن المضمون الروحي الثابت في الوعي الديني عمومًا، بحيث يكون الإسلام هو التعبير العميق والأسمى عن هذا الوعي.

«الفكرة الدينية» هي إذن من ثوابت الثقافة الإنسانية، وأساسها هو التوحيد الذي يُعد موقفًا وجوديًا لا ينغلق في دين بذاته. والغيب ليس تعطيلًا للعقل، بل هو في صميم الموقف العلمي الصحيح:

«فالتفسير الديني للكون، بعيدًا عن أن يوصف بالكسل الذهني، يتخطى الإدراك العلمي ويسمو عليه؛ لأنه يوافق الفكرة العلمية، بل ويتجاوزها إلى ما لا نهاية. فعندما يقف العلم عند تقدير وملاحظة الأسباب المتتالية ومراحلها الوسيطة، فإن النظرة الميتافيزيقية لا تقف عند هذا الحد، ولا تجد رضاها وإشباعها إلا بالصعود إلى بداية البدايات التي تفسر كل شيء، ولا يستطيع شيء أن يفسرها تفسيرًا كاملًا. فالمتناهي يحتل ركنًا صغيرًا من اللامتناهي».

في هذا القول رد ضمني على أطروحة الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت في كتابه «دروس في الفلسفة الوضعية»، الصادر سنة 1842، وقد ميّز فيه بين ثلاث حالات مرّ بها تطور العقل البشري، هي: «الحالة اللاهوتية»، و«الحالة الميتافيزيقية»، و«الحالة الوضعية» (العلمية).

ومن المعروف أن هنري برغسون قد رد على هذه النظرية في كتابه «الفكر والحركة»، الصادر سنة 1934، مبينًا حدود العقل التجريبي في فهم الظواهر الشعورية والرمزية التي تُدرك بالحدس والاستبطان.

لا يكتفي إذن دراز بالدفاع عن أصالة الرسالة الروحية الإسلامية وصدقيتها بالأدلة النقلية التراثية، بل يستخدم أدوات الفلسفة والعلوم الإنسانية في عصره من أجل فهم الظاهرة الدينية والبناء القرآني وتفسيرهما.

في هذا الباب، يكتسي منهج «التأويل الأخلاقي» للقرآن الكريم دلالة خاصة، باعتباره يسمح بالخروج من السياج العقدي الغيبي لتقديم الرسالة في أبعادها الإنسانية الكونية. إنه يستخدم هنا مفهوم «العقل العملي» لدى كانط، مبينًا أن من أدلة صدقية الرسالة وصلاحيتها الدائمة المسلكيات المترتبة عليها، من «التحلي بالفضائل الخلقية، سواء في السلوك الشخصي أو في المعاملة مع الغير».

الأخلاق هنا ليست محصورة في التكليفات التعبدية، بل هي ما ينبع من «البصيرة الأخلاقية الغريزية». ومن ثم، فإن الأحكام الشرعية إنما تؤسس إلزامات معيارية على مسلكيات وضوابط عقلية طبيعية، نجدها في كل الديانات السماوية.

في كتابه «النبأ العظيم»، يدشن محمد عبد الله دراز طريقة التفسير البياني الحديث للقرآن الكريم، التي عُرف بها لاحقًا أمين الخولي وعائشة بنت الشاطئ. وهي طريقة تختلف عن التفسير البلاغي القديم (كما لدى عبد القاهر الجرجاني)، بإدماج التحليل الأسلوبي والنفسي والاجتماعي في صلب المسلك التفسيري، بما يعني النظر إلى النص من حيث هو وحدة موضوعية مترابطة.

نخلص من هذا العرض إلى أن محمد عبد الله دراز كان سبّاقًا إلى تطوير الدراسات القرآنية الحديثة، من خلال أدوات التفسير الأخلاقي الذي طبقه على النص المقدس، ومن خلال المنهج الأسلوبي البياني الحديث.

لكن أعماله، التي كتبها في مرحلة شبابه قبل رحيله المبكر، لم يتم تعميقها ولا تطويرها، فظلت الدراسات القرآنية متأرجحة بين المنهج الكلاسيكي التراثي والكتابات الاستشراقية التي وصلت شأوًا بعيدًا في الخط النقدي الراديكالي (كما في أعمال المراجعين الجدد).