علم الكلام الجديد: محمد عبده ورسالة التوحي

السيد ولد أباه

المفكر الموريتاني وعضو مجلس الأمناء

بعد «الرد على الدهريين»، يمثل كتاب «رسالة التوحيد» للإمام محمد عبده أهم عمل تأسيسي لعلم الكلام الجديد. والرسالة من أعمال محمد عبده الأخيرة بعد رجوعه إلى مصر، وهي في أصلها دروس ألقاها الإمام في منفاه البيروتي سنتي ١٨٨٥ و١٨٨٦، وإن كان الكتاب في نسخته المنشورة أكثر اكتمالًا ونضجًا.

السؤال المطروح هنا هو: لماذا اختار محمد عبده عبارة «علم التوحيد» بديلًا عن ألفاظ أخرى مستخدمة على نطاق واسع في المباحث التراثية، مثل علم الكلام، وعلم الاعتقاد، والإلهيات؟

في مقدمة كتابه، يعتمد محمد عبده تعريفًا تراثيًا مألوفًا لعلم التوحيد، من حيث كونه: «يبحث عن وجود الله، وما يثبت له من صفاته، وما يجب أن يُنفى عنه، وعن الرسل، لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن يُنسب إليهم، وما يمتنع أن يلتحق بهم.»

لا فرق، إذن، بين علم التوحيد لدى محمد عبده وعلم الكلام التقليدي من حيث الموضوع، الذي هو الذات والصفات والأفعال والنبوة، لكن هذا التعريف يغطي، في الواقع، على الغرض الحقيقي من مشروع محمد عبده، الذي يتمثل في نقل المباحث العقدية من الاقتناعات الذاتية في الأمور الإلهية إلى موضوع الدين في مقاصده الكونية، وغاياته العملية، ورؤيته للعالم.

ما كان يهم المتكلمين في العصور الكلاسيكية الوسيطة هو كيف يمكن صياغة عقيدة توحيد ملائمة للنصوص الشرعية، تحافظ على تنزيه الله في سماته المطلقة المغايرة للخلق، مع الحفاظ على فاعلية الصفات الإلهية وحقيقتها في العالم، بما ولّد مقاربات متمايزة في بلوغ هذا الهدف المشترك.

كان الإمام محمد عبده واعيًا بالمأزق النظري الذي واجه المتكلمين في مسعاهم لصياغة تأويل عقلاني لمسألة الصفات الإلهية؛ ولذا بدا في رسالته أقرب إلى المذهب السلفي الذي يرفض إعمال التأويل العقلي في الإلهيات، وإن كان أقرب إلى طريق الفلاسفة، من أمثال ابن رشد، في نبذ الكلاميات، لا من حيث جرأتها العقلية، بل من حيث أدواتها التصورية والمنهجية التي تشوش على عقائد العامة، دون أن تصل إلى الممارسة البرهانية الدقيقة.

ولا بد من التنبيه هنا إلى أن العقل، بالنسبة لمحمد عبده، ليس هو الغريزة الأخلاقية الفطرية أو أداة النظر الجدلية والتمييزية (كما لدى القدماء)، بل هو الفكر الذاتي المتناسب مع الواقع الموضوعي، وله أثره العملي في الممارسة الاجتماعية العامة.

ومن الواضح أن هذا التصور، على غموضه وعموميته، يرجع إلى العصور الحديثة، ويحيل إلى المقاربة الرياضية التجريبية لدى ديكارت، كما يحيل إلى النظريات الاجتماعية التنويرية التي أثرت بقوة في مشروع محمد عبده الإصلاحي.

ومن هنا ندرك أن محمد عبده لم يتخلَّ عن الإشكالات الكلامية التقليدية، من قبيل علاقة الذات بالصفات، وخلق الأفعال، والتحسين العقلي… لأسباب عقدية (ومن ثم لا نرى من الجدوى الإشارة إلى أنه يقترب من الفكر الاعتزالي على حساب المواقف الأشعرية)، بل إنه أراد أن يتجاوز كليًا العقل الكلامي الكلاسيكي في مسلماته ومنطلقاته المنهجية، باعتبارها عبئًا على رسالة الدين الحاضرة في النهوض والتجديد والتحديث.

وهكذا، بعد أن عرض محمد عبده مسار علم الكلام في فرقه ونقاشاته الأساسية، خلص إلى أن الإسلام «أمر بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون، وما يمكن النفوذ إليه من دقائقه، تحصيلًا لليقين بما هدانا إليه، ونهانا عن التقليد بما حكى عن أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم.»

من الواضح أن محمد عبده يستخدم مفاهيم علم الكلام الفلسفي المتأخر، مثل ثنائية الإمكان والوجوب السينوية وما تقوم عليه من إلهيات، إلا أنه يؤكد بوضوح استحالة الحسم العقلي في الأمور الإلهية، ومن ثم يجب التركيز على المنافع الدنيوية، والسنن الكونية، وقوانين التاريخ، التي اعتبر أنها جوهر التفكير الإسلامي.

في «رسالة التوحيد»، يتعرض الإمام محمد عبده لمختلف الموضوعات الكلامية، لكن من منظور جديد، يسير دومًا في اتجاه عقلاني تنويري، من خلال التأكيد على ضرورة نبذ التقليد، والاستخدام الجريء الحر للفكر، وفي هذا يستلهم لبّ التنوير الفلسفي كما صاغه كانط في نقديته المشهورة.

في كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»، الصادر عام ١٩٦٨، يحمل المفكر المغربي عبد الله العروي بشدة على «سلفية» الإمام محمد عبده، معتبرًا أن المنهج الاجتهادي التجديدي، الذي يرى في التقليد الإسلامي الجواب القبلي على المطالب التحديثية الراهنة، يقود إلى أفق مسدود، باعتباره يلخص الحداثة في منجزاتها التقنية والمؤسسية، دون دفع الثمن الفكري والمجتمعي الباهظ لعملية التحول التاريخي للمجتمع الإسلامي.

لا يختلف تقويم هشام جعيط ومحمد أركون عن هذه الملاحظة، بيد أن الخلفية التي يصدر عنها هؤلاء تكمن في التنويرية القطائعية على الطريقة الفرنسية، التي كانت استثناءً في السياق الأوروبي.

ومن الجلي أن الإمام محمد عبده كان أقرب، في نزعته الإصلاحية، إلى التنويرية الاسكتلندية التي ركزت على مطلب الإصلاح السياسي في إطار استمرارية التقليد التاريخي الإنجليزي، وإلى التنويرية الألمانية التي رفعت شعار الإصلاح الديني وترجمة المضامين اللاهوتية في المعجم العقلاني القيمي العمومي.

كثيرًا ما تُربط إصلاحية محمد عبده بالسلفية الراديكالية التي برزت في أعمال الشيخ رشيد رضا ومن تلاه من كتاب الأيديولوجيات الاحتجاجية، إلا أن هذه الإصلاحية كانت أيضًا مرجعية للأفكار الحداثية لجيل كامل من المفكرين الليبراليين، من أمثال أحمد لطفي السيد، ومصطفى عبد الرازق، وقاسم أمين، وطه حسين.

وخلاصة الأمر أن مشروع محمد عبده في «رسالة التوحيد» يندرج في أفق التأويلية الإصلاحية التنويرية الحداثية، في توجهها إلى إعادة صياغة مباحث العقيدة من حيث هي عناصر من رؤية كاملة للعالم، لها محدداتها ومقتضياتها الراهنة.

وبهذا المعنى، نستنتج أن «رسالة التوحيد» تؤسس، مثل كتاب «الرد على الدهريين»، للنهج الجديد في علم الكلام، رغم توظيفها للمعجم الكلامي الكلاسيكي.