المساءلة على المسرح: لقاء مع المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة

قرابة 1000 صوت اجتمعت في عمّان في لقاء عام حول القانون الدولي، ومسؤولية الشركات، وفلسطين ترسيخ العدالة، والأدلة القانونية، والحشد المدني، ومستقبل المساءلة حوار حول القصص الكامنة وراء التقارير وإطلاق كتاب عندما ينام العالم كتجربة معاشة وتوثيق للذاكرة الجمعية عقد مركز النهضة الاستراتيجي التابع للنهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) لقاء مع فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. وحضر اللقاء الذي عقد في إطار برنامج القضية الفلسطينية في مركز النهضة الاستراتيجي، ما يقارب 1000 مشارك ومشاركة، من بينهم صاحبات السمو الملكي الأميرة بسمة بنت طلال، والأميرة غيداء، والأميرة دينا مرعد، إلى جانب أعضاء في مجلسي النواب والأعيان، ووزراء سابقين، ودبلوماسيين، وأكاديميين، وقادة وممثلي منظمات المجتمع المدني، وممثلين عن الشباب، وأعضاء من المجتمع الدولي. وشارك في الحوار المحامي الدولي ورئيس تحرير الكتاب السنوي للقانون الدولي الفلسطيني الدكتور أنيس القاسم، وأدارت الجلسة المحامية سمر محارب، المديرة التنفيذية لجمعية النهضة العربية للديمقراطية والتنمية، فيما قدمت الأمسية المحامية ماري نزال البطاينة، الناشطة في مجال العدالة والمحامية ورائدة الأعمال ذات الأثر المجتمعي. أكدت المحامية ماري نزال البطاينة في افتتاح الأمسية، أهمية ترجمة التحليل القانوني إلى عمل جماعي ومشاركة عامة، قائلة: “تدور هذه الأمسية حول فهم اللحظة التي نعيشها، وكيف يمكن تحويل العمل القانوني القائم على المبادئ إلى خطوات عملية ذات معنى نحو المساءلة” وتكريماً للقيادة القائمة على المبادئ، شددت المحامية سمر محارب خلال إدارتها للحوار على أن هذا اللقاء جاء أيضاً تقديراً للقيادة الملتزمة في مجال حقوق الإنسان الدولية، حيث قالت “نجتمع هذا المساء ليس فقط للاستماع، بل لتكريم فرانشيسكا ألبانيز، صوت الشجاعة والنزاهة الذي يذكرنا بأن القانون الدولي يجب أن يظل مرتكزاً إلى العدالة والكرامة الإنسانية.” كما أكدت محارب أن الفعالية تأتي في إطار جهود النهضة العربية (أرض) بتوفير مساحات جامعة يلتقي فيها البحث القانوني بالحوار السياساتي والمشاركة المدنية. وفي تسليط الضوء على مسؤولية الاقتصاد في النزاعات المعاصرة، قدّم الدكتور أنيس القاسم أحدث تقارير ألبانيزي، متناولاً أهمية إسهامها في النقاش القانوني الدولي المعاصر، قائلاً: “تقف فرانشيسكا ألبانيزي بين أبرز المدافعين المعاصرين عن الكرامة والسلام والعدالة. وتقدم تقاريرها تحليلاً قانونياً رصيناً ووقائع موثقة ستظل أساسية لجهود المساءلة الدولية مشيراً إلى الدور المحوري للتوثيق القانوني المستقل في دعم الإجراءات القضائية والحفاظ على السجل التاريخي. حيث يتناول تقرير ألبانيز من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية العلاقة بين الأنظمة الاقتصادية وحالات الاحتلال والنزاع، مثيراً نقاشات مهمة حول مسؤولية الشركات والالتزامات القانونية الدولية. ولفتت ألبانيز إلى أن النزاعات الحديثة باتت تعمل بشكل متزايد ضمن هياكل اقتصادية وتكنولوجية عالمية مترابطة، تُشكّل واقعاً يتجاوز الأطر السياسية التقليدية. وخلال مداخلتها، أعادت فرانشيسكا ألبانيز التأكيد على الأساس القانوني لولايتها الأممية قائلة: “يتمثل دوري في توثيق ورصد انتهاكات القانون الدولي، لا أكثر ولا أقل.” كما تناولت المخاوف الإقليمية المرتبطة بالسرديات السياسية التوسعية الإسرائيلية، محذّرة من تفسير التطورات الراهنة من منظور جغرافي بحت، حيث قالت: “إذا نظرنا إلى الأمر باعتباره مجرد توسع إقليمي، فإننا نسيء فهمه. إنه مشروع هيمنة لا يتطلب بالضرورة وجود قوات على الأرض” وقد وضعت ملاحظات ألبانيز القضية الفلسطينية ضمن تحولات أوسع تؤثر في الحوكمة والتكنولوجيا وموازين القوة في النظام الدولي المعاصر. وشهدت الأمسية كذلك إطلاق كتاب ألبانيز عندما ينام العالم في الأردن، والذي كُتب بالتوازي مع عملها في إعداد تقارير الأمم المتحدة. ويتجاوز الكتاب الطابع القانوني التقني ليعرض فلسطين من خلال لقاءات إنسانية تسلط الضوء على التجارب المعيشة الكامنة خلف المصطلحات القانونية. وحول هدف الكتاب، أوضحت ألبانيز: “أردت أن أروي كيف توصلت إلى فهم فلسطين، ليس فقط من خلال القانون، بل من خلال الناس وقصصهم.” وقد تُرجم الكتاب إلى ثماني عشرة لغة، ما يعكس تزايد الاهتمام الدولي بالمقاربات التي تربط بين القانون الدولي والتجربة الإنسانية والذاكرة الجماعية. واختُتمت الفعالية بتوقيع عام للكتاب بحضور مشاركين من الأوساط الدبلوماسية والأكاديمية والمجتمع المدني. وفي ختام الحوار، أعربت صاحبة السمو الملكي الأميرة بسمة بنت طلال عن تقديرها لألبانيز على التزامها الراسخ بتعزيز المساءلة القانونية الدولية وإعلاء الأصوات أصحاب المبادئ الساعية إلى تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية. كما تتقدم النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بخالص الشكر إلى حكومة المملكة الأردنية الهاشمية على دعمها المستمر في تمكين الحوارات البنّاءة وتوفير المساحات التي تجمع الخبرات الدولية والمجتمع المدني والمشاركة العامة حول القضايا ذات الأهمية الإقليمية والدولية. كما أعربت المنظمة كذلك عن تقديرها لـ فندق لاندمارك عمّان، والشركاء، وجميع المشاركين الذين أسهموا في إنجاح هذا اللقاء.
تفعيل محلية إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي في المنطقة العربية: حماية العقد الاجتماعي قبل حماية الميزانية

في مختلف أنحاء المنطقة العربية، بات إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي يُقدَّم بصورة متزايدة باعتباره حتمية تقنية. فالتغيرات الديموغرافية، والضغوط المالية، ومخاوف استدامة الدين العام، وتقلبات أسواق العمل، تُطرح بوصفها تحديات عالمية تتطلب حلولاً معيارية موحّدة. وعليه، يجري رفع سن التقاعد، وتمديد فترات الاشتراك، وإعادة احتساب نسب الاستبدال، وتوسيع استراتيجيات الاستثمار. وهكذا أصبحت لغة الإصلاح اكتوارية، بينما اتخذت نبرته طابعاً إدارياً. فالضمان الاجتماعي أكثر من مجرد معادلة اكتوارية، حيث يعد التعبير المؤسسي عن العقد الاجتماعي. فهو يحدد كيفية توزيع المجتمعات للمخاطر بين الأجيال، وكيفية حماية الأجور المؤجلة، وضمان الكرامة في مرحلة الشيخوخة. وعندما يتحول الإصلاح أساساً إلى تمرين مالي، خصوصاً في اقتصادات تتسم بارتفاع العمل غير المنظم، والنزوح، وهشاشة أسواق العمل، فإن النتيجة قد تكون اختلالاً هيكلياً بدلاً من تحقيق الاستدامة. وعليه، فإن المنطقة العربية تحتاج بالفعل إلى إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى تفعيل محلية هذا الإصلاح. قوالب الإصلاح العالمية وافتراضاتها منذ تسعينيات القرن الماضي، تشكّلت إصلاحات أنظمة التقاعد عالمياً ضمن أطر روّجت لها المؤسسات المالية الدولية، ولا سيما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقد قدّم تقرير البنك الدولي لعام 1994 «تجنب أزمة الشيخوخة» نموذج التقاعد متعدد الركائز، الذي يجمع بين الأنظمة العامة الإلزامية والمكونات الممولة الخاصة. ومع مرور الوقت، استقر خطاب الإصلاح حول التعديلات البارامترية، وضبط الأوضاع المالية، واستراتيجيات الاستثمار الممول، والتنويع عبر أسواق رأس المال. وقد قُدمت هذه المقاربات باعتبارها «أفضل الممارسات» — سليمة تقنياً، ومجربة عالمياً، وعقلانية اقتصادياً. إلا أن التجارب اللاحقة كشفت تعقيدات كبيرة. فقد قامت عدة دول اعتمدت الخصخصة الجزئية أو الكاملة، مثل الأرجنتين والمجر وبولندا، بالتراجع عن هذه الإصلاحات أو تعديلها نتيجة ارتفاع تكاليف الانتقال، والأعباء الإدارية، وفجوات التغطية. وفي بعض الحالات، تجاوزت تكاليف التمويل الانتقالي نسبة 1–2% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، دون أن تؤدي الركائز الممولة تلقائياً إلى توسيع التغطية للعاملين في الاقتصاد غير المنظم، بينما قلّصت الرسوم الإدارية العوائد المتوقعة. وعليه، فالدروس المستفادة لا تشير إلى عدم ضرورة الإصلاح، بل إلى أن النماذج تحمل افتراضات ضمنية. فهذه النماذج تفترض وجود تشغيل رسمي مرتفع، ومسارات اشتراك متواصلة تمتد 30–35 عاماً، واستقراراً في الإبلاغ عن الأجور، وأسواق رأس مال عميقة، ومؤسسات تنظيمية قوية — وهي شروط لا تتحقق في العديد من الاقتصادات العربية. العمل غير المنظم والإقصاء الهيكلي تقدّر منظمة العمل الدولية أن نحو 60% من القوى العاملة عالمياً تعمل ضمن الاقتصاد غير المنظم. وفي أجزاء من المنطقة العربية، تتراوح نسب العمل غير المنظم بين 30% وأكثر من 70% بحسب الدولة والقطاع. كما تبقى معدلات مشاركة النساء الاقتصادية من الأدنى عالمياً، وغالباً ما تقل عن 25%، في ظل أنماط عمل تتأثر بأعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر والانخراط المتقطع في سوق العمل. ويصل معدل بطالة الشباب في كثير من الدول إلى 20–30% أو أكثر، بينما يشكل اللاجئون والنازحون جزءاً مهماً من النظم العمالية في عدة بلدان. إن بنية تقاعدية قائمة على العمل الرسمي المتواصل تستبعد ضمناً: العمال الموسميين والعرضيين المشاريع متناهية الصغر غير المنظمة العمال المهاجرين واللاجئين النساء ذوات المسارات المهنية المتقطعة وعندما يُرفع سن التقاعد في أنظمة تعاني أصلاً من انخفاض كثافة الاشتراك، فقد تتحسن الاستدامة الاكتوارية نظرياً، بينما تتراجع التغطية الفعلية عملياً. لذلك، فإن الإصلاح دون تكيّف هيكلي قد يؤدي إلى تكريس الإقصاء، بينما يتطلب تفعيل المحلية الاعتراف بواقع أسواق العمل الهجينة بدلاً من تصميم الأنظمة وفق نموذج سوق عمل رسمي مثالي. الضبط المالي ومساحة الحماية الاجتماعية غالباً ما تجري إصلاحات التقاعد في الاقتصادات النامية ضمن برامج أوسع للاستقرار الاقتصادي الكلي. وتشير مراجعات لبرامج مدعومة من صندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة إلى أن الحيز المالي تقلّص في معظم الحالات رغم وجود ما يسمى «حدود الإنفاق الاجتماعي الدنيا»، والتي غالباً ما تعمل كسقوف دنيا لا كأطر توسعية. وتشمل الإصلاحات الشائعة رفع سن التقاعد، وتمديد فترات الاشتراك، وتشديد شروط الاستحقاق. ورغم أن هذه الإجراءات قد تعزز المؤشرات الاكتوارية، فإن تطبيقها في سياقات تتسم بالهشاشة التشغيلية والنزوح وضعف خلق فرص العمل قد يؤدي إلى تقليص إمكانية الوصول الفعلية. إن استدامة الضمان الاجتماعي ضرورة، لكن استراتيجيات الاستدامة لا يمكن فصلها عن بنية سوق العمل. وتفعيل المحلية لا يعني رفض المسؤولية المالية، بل الإقرار بأن المؤشرات المالية والتماسك الاجتماعي مترابطان. صناديق التقاعد كأدوات تنموية: الفرصة والمخاطر تمثل صناديق التقاعد في العديد من الدول العربية من أكبر المستثمرين المؤسسيين المحليين، إذ تمتلك حصصاً كبيرة من السندات السيادية وتشارك في قطاعات استراتيجية مثل البنية التحتية والعقارات والمصارف والطاقة. وعالمياً، تحتفظ صناديق التقاعد في عدة دول متوسطة الدخل بأكثر من 40–50% من أصولها في أدوات الدين الحكومي. وفي السياقات الهشة أو المثقلة بالديون، قد تتحول احتياطيات التقاعد تدريجياً إلى بدائل للإيرادات العامة أو أدوات لتمويل التنمية الوطنية. الاستثمار ضروري للاستدامة، لكن وفق تسلسل واضح للأولويات: الحماية أولاً، ثم الاستدامة، ثم الاستثمار. فعندما تُستخدم احتياطيات التقاعد لتغطية العجز المالي أو تمويل مشاريع موجهة سياسياً أو التعويض عن تراجع المساعدات، تتغير الهوية المؤسسية للنظام. فهذه الأصول تمثل اشتراكات العمال وأجورهم المؤجلة، وليست سيولة حكومية، ولا صندوق ثروة سيادي، ولا بنكاً تنموياً، وبالتأكيد ليست أداة استقرار مالي قصيرة الأجل. ويتطلب تفعيل المحلية ضمانات هيكلية تشمل: تحصين الاحتياطيات قانونياً تفويضات استثمار شفافة قائمة على الحيطة قيوداً على اقتراض الحكومات من أصول التقاعد رقابة اكتوارية مستقلةفغياب وضوح الحوكمة يجعل حتى الأنظمة السليمة تقنياً عرضة للتسييس. معضلة الاستهداف شهد الخطاب العالمي خلال العقدين الماضيين تحولاً من توسيع الرفاه الشامل نحو شبكات أمان موجهة. وقد توسعت برامج المساعدات المشروطة وسجلات الاستهداف الرقمية في العديد من الدول النامية. ورغم أن الأنظمة الموجهة قد تخفض التكاليف المالية قصيرة الأجل، فقد وثّقت تقييمات دولية أخطاء إقصاء كبيرة فيها، حيث تقع الأعباء الإدارية غالباً على العاملين في الاقتصاد غير المنظم، وتؤدي الأنظمة المصممة لتقليل التسرب أحياناً إلى تقليل الوصول نفسه. في المقابل، تميل النماذج الشاملة أو شبه الشاملة، رغم ارتفاع كلفتها الأولية، إلى بناء ثقافة امتثال وثقة اجتماعية أقوى بمرور الوقت. وفي مجتمعات عربية تعاني من فجوات ثقة وهشاشة سوق العمل، تصبح الشرعية عاملاً مركزياً في الاستدامة، لا متغيراً ثانوياً. النزوح والتنقل ونظم العمل الهجينة تستضيف عدة دول عربية أعداداً كبيرة من اللاجئين، بينما ينتقل العمال باستمرار بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي، وبين الاستقرار والهشاشة، وعبر الحدود الوطنية. إن تصميم أنظمة الضمان الاجتماعي كما لو أن أسواق العمل تشبه أنماط التنظيم المستقرة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يتجاهل هذه الحقيقة. ويتطلب تفعيل المحلية: الاعتراف المرن بفترات الاشتراك آليات قابلية نقل الحقوق ترتيبات مؤسسية تعكس تنقل العمالة وإلا فإن الإصلاح يعزز التجزئة بدلاً من الحماية. الفروقات الاجتماعية بين الجنسين والحياد الهيكلي غالباً ما يُقدَّم توحيد أو
لماذا قد يكون خيار التقاعد عند 55 منطقياً لبعض النساء: نحو مقاربة عادلة قائمة على دورة الحياة والكرامة الاقتصادية

في النقاشات العامة حول أنظمة التقاعد في المنطقة العربية، غالباً ما يتم تناول الموضوع من زاوية الاستدامة المالية فقط: عجز الصناديق، ارتفاع متوسط العمر، وضغط النفقات العامة. غير أن هذا الإطار، على أهميته، يغفل سؤالاً أكثر عمقاً يرتبط بالعدالة الاجتماعية بين الجنسين: هل أن تصميم أنظمة التقاعد الحالية يعكس فعلاً واقع حياة النساء ومساراتهن المهنية والاجتماعية؟ إن طرح خيار التقاعد عند سن 55 للنساء لا ينبغي أن يُفهم كدعوة للانسحاب من سوق العمل، بل كمقاربة تعترف بالاختلاف البنيوي في مسارات الحياة بين الرجال والنساء، وبالتراكم غير المرئي للأعباء التي تتحملها النساء عبر العقود. لذلك تشير الأدبيات البحثية في الصحة المهنية وعلم الاجتماع الاقتصادي وسياسات الحماية الاجتماعية إلى أن جعل التقاعد عند سن 55 (أو التقاعد المرن ابتداءً من هذا العمر) خياراً متاحاً للنساء وليس قاعدة إلزامية—يمكن أن يكون جزءاً من تصميمٍ أكثر عدالة وحساسية لمساراتهن الحياتية. ويستند هذا الطرح إلى مجموعة من الاعتبارات المتداخلة: اعتبار صحي–نفسي: تخفيف الضغط المزمن والإرهاق التراكمي بعد عقود من الجمع بين العمل المدفوع وأدوار الرعاية غير المدفوعة، بما ينعكس على جودة الحياة والوقاية الصحية في مرحلة منتصف العمر. اعتبار اقتصادي–مهني: فتح المجال لانتقال من “وظيفة بدوام كامل” إلى أشكال عمل أكثر مرونة وإنتاجية مناسبة للمرحلة (استشارات، عمل مجتمعي، ريادة صغيرة)، بدل الخروج المفاجئ من المجال العام. اعتبار أسري–رعائي: دعم القدرة على تقديم الرعاية للأبوين المسنين أو أفراد الأسرة الذين تتزايد احتياجاتهم في هذه المرحلة، دون أن تتحول الرعاية إلى عبء غير مُعترف به سياسياً أو اقتصادياً اعتبارات سوق العمل: الإسهام في إعادة توزيع الفرص داخل أسواق تعاني من بطالة شبابية مرتفعة، عبر حلول تدريجية (تقاعد جزئي/تقليل ساعات) بدلاً من مفاضلة صفرية بين الأجيال. ولفهم هذه الاعتبارات ضمن إطار تفسيري متماسك، تستند الأدبيات إلى عدة مقاربات نظرية تساعد على قراءة “التقاعد المبكر” بوصفه انتقالاً في دورة الحياة وليس “انسحاباً” من الإنتاجية. ومن أبرزها: أولاً: منظور دورة الحياة – قراءة في التراكم غير المرئي تؤكد نظرية دورة الحياة (Life Course Theory) أن القرارات الكبرى في منتصف العمر ليست معزولة عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي سبقها. فالمرأة في المنطقة العربية غالباً ما تبدأ حياتها المهنية في ظل توقعات أسرية مرتفعة، ثم تدخل مرحلة الأمومة والرعاية، دون أن يُعاد توزيع الأدوار داخل الأسرة بشكل عادل. وتُظهر بيانات منظمة العمل الدولية أن النساء يقمن بثلاثة أضعاف العمل غير المدفوع مقارنة بالرجال، ويشمل ذلك رعاية الأطفال، والوالدين المسنين، وإدارة شؤون المنزل. هذا العمل غير المرئي لا يُحتسب في حسابات الناتج المحلي، ولا في احتساب سنوات الخدمة التقاعدية، لكنه يستنزف رأس المال الصحي والنفسي للمرأة. وعند الوصول إلى منتصف الخمسينيات، لا تكون المرأة قد أمضت “30 عاماً من العمل” فقط، بل 30 عاماً من العمل المزدوج. ثانياً: الصحة في منتصف العمر – بُعد مُغفل في السياسات العامة تتزامن سن 55 تقريباً مع مرحلة انتقالية بيولوجية مهمة في حياة المرأة، وهي مرحلة ما قبل وبعد انقطاع الطمث. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذه المرحلة قد ترتبط بارتفاع معدلات القلق واضطرابات النوم، وزيادة مخاطر أمراض القلب في ظل الضغط المزمن. كما توضح الدراسات في الصحة المهنية أن التعرض طويل الأمد للضغط المرتبط بالعمل يزيد من احتمالية الإرهاق (Burnout) والاكتئاب، خصوصاً لدى النساء اللواتي يتحملن أعباء رعائية إضافية. ومن ثم، فإن تخفيف الضغط المهني في هذه المرحلة قد لا يكون ترفاً، بل استثماراً في الصحة العامة، وإسهاماً في تقليل كلفة العلاج والرعاية الصحية لاحقاً. ثالثاً: إعادة تعريف الإنتاجية – من الوظيفة إلى الرسالة توضح نظرية الانتقائية الاجتماعية–العاطفية (Laura Carstensen) أن الأفراد مع تقدمهم في العمر يعيدون ترتيب أولوياتهم من التركيز على الإنجاز المؤسسي طويل المدى إلى التركيز على المعنى والعلاقات وجودة الحياة. ولا يعني هذا التحول انخفاض الإنتاجية، بل يشير إلى تغير في شكلها ومساراتها. فكثير من النساء في هذه المرحلة ينتقلن إلى أدوار استشارية، تطوعية، أو مجتمعية، أو يؤسسن مبادرات صغيرة قائمة على الخبرة المتراكمة. وبالتالي، فإن التقاعد عند 55 لا ينبغي أن يُفهم كخروج من المجال العام، بل كتحول في طبيعة المشاركة الاجتماعية والاقتصادية. رابعاً: العدالة الاجتماعية بين الجنسين وأنظمة الضمان الاجتماعي أنظمة التقاعد في معظم الدول العربية صُممت تاريخياً على نموذج “المعيل الذكر”، حيث يُفترض أن المسار المهني مستمر وخالٍ من الانقطاعات. غير أن مسار النساء غالباً ما يتضمن فترات انقطاع بسبب الأمومة أو الرعاية. ونتيجة لذلك، تحصل كثير من النساء على معاشات أقل، رغم مساهمتهن المجتمعية الأكبر. ومن منظور العدالة الاجتماعية بين الجنسين، يصبح من المشروع التفكير في سياسات تعترف بهذه الفجوة البنيوية، مثل: احتساب فترات الرعاية ضمن سنوات الخدمة. • إتاحة تقاعد مرن دون عقوبات قاسية. • توفير برامج انتقال مهني بعد سن 55. خامساً: البعد الاقتصادي الكلي – بين الاستدامة والمرونة لا يمكن تجاهل البعد المالي. فصناديق الضمان الاجتماعي في عدد من الدول العربية تواجه تحديات استدامة حقيقية. غير أن الحل لا يكمن في رفع سن التقاعد بشكل موحد دون مراعاة الفوارق بين الجنسين. والنهج الأكثر توازناً يتمثل في: اعتماد نماذج تقاعد تدريجي (Partial Retirement). • السماح بخفض ساعات العمل قبل التقاعد الكامل. • تقديم حوافز للادخار التقاعدي الطوعي للنساء منذ سن مبكرة. وبهذه الطريقة، يمكن الجمع بين حماية الاستدامة المالية واحترام خصوصية المسار النسوي في سوق العمل. سادساً: من الحماية إلى التمكين إن جوهر النقاش لا يتعلق بإعفاء النساء من العمل، بل بتمكينهن من اختيار توقيت وشكل انتقالهن من العمل الرسمي إلى مرحلة أكثر مرونة. فـالسياسات المراعية للفروقات بين الجنسين لا تعني تمييزاً إيجابياً عاطفياً، بل تصحيحاً لاختلالات تاريخية في تصميم النظم الاقتصادية. وعندما تمنح الدولة المرأة خيار التقاعد عند 55 ضمن إطار آمن ومستدام، فهي لا تقلل من قيمتها الإنتاجية، بل تعترف بأن الكرامة الاقتصادية تشمل الحق في إدارة الزمن الشخصي بعد عقود من العطاء المركّب. وعليه، فإن التقاعد المبكر للنساء عند سن 55 ليس وصفة جاهزة، ولا ينبغي فرضه كنموذج عام. لكنه يستحق أن يُناقش بوصفه خياراً سياسياً مشروعاً ضمن حزمة إصلاحات أوسع تعزز العدالة الاجتماعية بين الجنسين، والصحة العامة، والاستقرار الأسري. السؤال الحقيقي ليس: “هل يجب أن تتقاعد المرأة مبكراً؟” بل: “هل صُممت أنظمتنا الاقتصادية أصلاً لتأخذ في الاعتبار مسار حياتها كما هو، لا كما نتخيله؟” التحديات في السياق العربي ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية في بعض الدول. فجوة الأجور بين الجنسين. هشاشة أو غياب خطط ادخار تقاعدية كافية للنساء. ضغط اجتماعي يربط قيمة المرأة باستمرارها في العطاء. توصيات سياساتية للحكومات العربية اعتماد نماذج تقاعد مرنة (Flexible Retirement) تسمح بخيارات تقاعد تدريجي بين 55–60 عاماً مع تخفيض نسبي في المعاش بدلاً من منع التقاعد المبكر بالكامل.
لقاء مع فرانشيسكا ألبانيز

يتقدم مركز النهضة الاستراتيجي في منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، وبالتعاون مع فندق اللاندمارك، بدعوتكم لحضور اللقاء الحواري مع فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. يتحدث في اللقاء: الدكتور أنيس القاسم، محامٍ دولي وعضو الشبكة الدولية للقضية الفلسطينية، ورئيس تحرير حولية فلسطين للقانون الدولي تدير اللقاء: الأستاذة سمر محارب، المديرة التنفيذية لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) تقديم: الأستاذة ماري نزال البطاينة، ناشطة في مجال العدالة، محامية، ورائدة أعمال معنية بإحداث أثر مستدام للمشاركة والحضور يرجى التسجيل على الرابط (اضغط هنا) والحضور قبل الفعالية بنصف ساعة واحضار رسالة التسجيل
المرأة والفتاة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في العالم العربي

مدونة بقلم باولا نوغيرا متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي في عام 2013، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يشجّع على تحقيق التنمية المتكافئة للنساء والفتيات في مجالات التكنولوجيا والعلوم والابتكار. وفي هذا العام، سيركّز اليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، الذي يُحتفل به في 11 شباط/فبراير، على دور الذكاء الاصطناعي في العلوم وعلى الإسهام المحوري للنساء، بالإضافة إلى تسليط الضوء على المخاطر والتهديدات المترتبة على إقصائهن عن هذا المجال. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن النساء ما زلن ممثلات تمثيلًا ناقصًا في العديد من القطاعات، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى بعض الأعراف الاجتماعية السلبية وأوجه عدم المساواة البنيوية التي حدّت تاريخيًا من وصولهن إلى التعليم والموارد والفرص المهنية. وعلى الرغم من تزايد أعداد النساء اللواتي يتجهن إلى دراسة تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المنطقة العربية، فإن هذا النمو لا ينعكس بعد على سوق العمل. ويعزو الباحثون هذا التفاوت إلى عدة عوامل، من بينها التوقعات المجتمعية التي تملي على النساء إعطاء الأولوية لمسؤوليات الأسرة. وغالبًا ما تجد النساء أنفسهن في أدوار تتماشى مع القوالب النمطية التقليدية للجندر. وبعد الزواج، يُقدَّر أنهن يقضين نحو 17 ساعة أسبوعيًا في الأعمال المنزلية، وهو ما قد يعيق بشكل كبير وصولهن إلى وظائف في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. كما تميل العديد من النساء إلى العمل في المجال الأكاديمي لما يوفره من مرونة مقارنة بالقطاع الخاص. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تتم ترقية الرجال إلى المناصب العليا بسرعة أكبر وبرواتب أعلى، ويعود ذلك جزئيًا أيضًا إلى أنهم عادةً ما يأخذون إجازات أبوة أقصر. إضافة إلى ذلك، يخلق التمييز الاجتماعي واسع الانتشار عوائق كبيرة أمام دخول النساء إلى سوق العمل في هذه المجالات، التي لطالما نُظر إليها باعتبارها مجالًا ذكوريًا. ويتجلّى هذا التحيّز في معدلات نشر الأبحاث، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الرجال ينشرون ما بين 11% و51% أكثر من النساء. ومع ذلك، أصبحت النساء يحققن حضورًا متزايدًا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بما في ذلك تلك التي كانت تُعدّ سابقًا حكرًا على الرجال. وقد شهدت فرص التعليم العالي للنساء نموًا ملحوظًا، مع ارتفاع تمثيلهن في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الجامعات عبر المنطقة. ويُشار إلى العالم العربي باعتباره من المناطق التي تضم أحد أعلى نسب النساء في مسارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات عالميًا، كما أفادت تقارير بأن ما يصل إلى 57% من خريجي هذه التخصصات في الدول العربية هنّ من النساء. وقد يكون لتوفر الموارد الطبيعية الغنية في المنطقة، مثل المعادن والموارد الهيدروكربونية، دور في تعزيز الاهتمام بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، نظرًا لارتباط هذه القطاعات بتخصصات علمية وهندسية واسعة. ويمكن أيضًا تفسير هذا التحول بجهود متواصلة تبذلها المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني لتوسيع مشاركة النساء في مختلف القطاعات، إضافة إلى إصرار النساء أنفسهن على تحدي الأدوار التقليدية ومتابعة اهتماماتهن الشخصية في مساراتهن الأكاديمية والمهنية. وتُجسّد شخصيات بارزة مثل زها حديد، من العراق، التي تُعدّ من أبرز المعماريين عالميًا، وريم حمدان من الأردن التي تشغل منصبًا قياديًا في قطاع توزيع الكهرباء، نماذج النجاح الذي يمكن للنساء تحقيقه في هذه المجالات. ومع ذلك، لا يزال ضعف تمثيل النساء في سوق العمل ضمن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مصدر قلق ملح، لا سيما مع تصاعد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي قد تؤدي إلى إحلال الوظائف، وهو ما قد يؤثر على النساء بشكل غير متكافئ. ويحذّر تقرير صادر عن منتدى الاستراتيجيات الأردني من أنه في حين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق فرصًا جديدة، فإنه يحمل أيضًا مخاطر على رأس المال البشري، خصوصًا بالنسبة للنساء العاملات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مما قد يزيد من هشاشتهن في سوق العمل المتغير. كما تقوم منظمات المجتمع المدني على تنفيذ مشاريع تهدف إلى دعم تنمية المرأة وتعزيز أدوارها القيادية، ومن أبرزها منظمة النهضة العربية (أرض) ومن بين مبادراتها مشروع “نداء التغيير“، الذي أُطلق عام 2025، ويهدف إلى تمكين الفتيات والشبكات القاعدية من المناصرة من أجل تعليم شامل وتحويلي. وقد أطلقت المبادرة بالفعل أربع (4) مبادرات لتعزيز التعليم الشامل في عمّان والمفرق، إلى جانب أنشطة أخرى. كما يسعى مشروع “الاستثمار في المستقبل 2“ إلى استكشاف كيفية دعم الذكاء الاصطناعي للتعليم في الأردن ليصبح أكثر شمولًا وجودةً، مع التركيز على العدالة، وإمكانية الوصول، والاستخدام الأخلاقي. كما يعمل على تقييم أثر الذكاء الاصطناعي وتحديد مخاطره وصياغة استراتيجيات ملائمة لدمجه في المدارس. ومع المضي قدماً، من الضروري الاستمرار في معالجة هذه القضايا من خلال مكافحة التمييز الاجتماعي، وتحدّي التوقعات المجتمعية السلبية المحيطة بأدوار المرأة ضمن السياقات الأسرية والأكاديمية والمهنية. وبينما نحتفل باليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لا بد من الاعتراف بالخطوات المهمة التي تحققت، وفي الوقت نفسه الإقرار بأن هناك الكثير مما لا يزال يتطلب العمل. فمن خلال تعزيز بيئة شاملة للنساء في هذه المجالات، لا نمكّن النساء على المستوى الفردي فحسب، بل نُثري أيضًا مجالات العلوم والتكنولوجيا بتنوع الخبرات والرؤى والأفكار، مما يقود إلى حلول مبتكرة وتقدّم علمي يعود بالنفع على المجتمع بأسره، ويسهم في بناء مستقبل أكثر عدالة وإنصافًا للجميع.
قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
د. أيمن زهري خبير السكان ودراسات الهجرة، عضو في ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ) حين نتأمل خريطة الأحياء الشعبية في القاهرة، يميل التفسير السائد إلى ردّ نشأتها إلى الفقر أو الهجرة الريفية الحضرية أو الضغط الديموغرافي، غير أن بعض الأحياء لا يمكن فهمها بهذا الاختزال؛ فهي لم تولد من الهامش الاجتماعي وحده، بل من هامش آخر أقل وضوحًا: الهامش الوظيفي للدولة نفسها. من بين هذه الحالات اللافتة قصة الهجانة السودانيين الذين استقروا في عين شمس، في واحدة من أكثر الحكايات دلالة على العلاقة المركبة بين المؤسسة العسكرية والهجرة والاستقرار الحضري. الهجانة كانوا وحدات عسكرية شبه نظامية اعتمدت على ركوب الجمال، وأُنيطت بها مهام تأمين الحدود وحراسة الطرق الصحراوية وحفظ الأمن في المناطق النائية. شكّل الجنود السودانيون العمود الفقري لهذه القوات، استنادًا إلى خبراتهم البيئية وقدرتهم على التكيف مع الصحراء، وإلى تاريخ طويل من انخراط السودانيين في الجيش المصري. خلال العقود الأولى من القرن العشرين، كانت هذه الوحدات جزءًا أساسيًا من أدوات الدولة في بسط نفوذها خارج المدن، في زمن لم تكن فيه البيروقراطية المدنية قد اكتملت بعد. في مطلع القرن العشرين، لم تكن عين شمس حيًا سكنيًا كثيفًا كما نعرفه اليوم، بل منطقة طرفية شبه صحراوية على هامش القاهرة. هذا الموقع جعلها ملائمة لإقامة المعسكرات العسكرية، بعيدًا عن الكتل السكنية، وقريبة في الوقت نفسه من مسارات التحرك الصحراوي، هناك أقامت الدولة معسكرات للهجانة بوصفها تمركزًا وظيفيًا مؤقتًا، لا مشروعًا عمرانيًا دائمًا. غير أن المدينة، بطبيعتها، لا تلتزم دائمًا بما هو مؤقت. تبدأ المفارقة مع نهاية الخدمة العسكرية، فبين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تقلصت أهمية وحدات الهجانة مع تغيّر أنماط الضبط الحدودي وتطوّر وسائل النقل، وانتهت مهام بعض المعسكرات، دون أن تصاحب ذلك سياسات واضحة لإعادة الجنود إلى موطنهم الأصلي. وجد كثير من الجنود السودانيين أنفسهم في وضع ملتبس: لا هم جنود عاملون، ولا هم عائدون، ولا توجد آلية رسمية لإدماجهم أو إعادة توطينهم. في هذه اللحظة بدأ التحول الصامت؛ المعسكر يتحول إلى مسكن، والإقامة المؤقتة تصبح دائمة، والجندي يتحول إلى عامل مدني، دون إعلان أو قرار إداري. خلال العقود التالية من القرن العشرين، تزوج بعض الهجانة من مصريات أو من سودانيات مقيمات في القاهرة، وظهرت شبكات قرابة وعمل، واتسعت المساحات السكنية حول المعسكرات السابقة. شيئًا فشيئًا تشكل تجمع سكني غير رسمي، عُرف شعبيًا باسم «الهجانة». لم ينشأ هذا الحي وفق مخطط عمراني، ولم يُعترف به إداريًا في بداياته، لكنه ترسخ على الأرض بفعل التراكم البشري، واستمر بفعل الضرورة. احتفظ الحي، خاصة في مراحله الأولى، ببعض الملامح الثقافية السودانية؛ في الملامح الجسدية، وفي بعض العادات الاجتماعية، وفي الموسيقى والاحتفالات، وفي لهجة هجينة تجمع بين السودانية والمصرية، غير أن هذه الخصوصية لم تتحول إلى اعتراف مؤسسي، بل بقيت حاضرة بوصفها «اختلافًا» داخل الهامش. لم يُنظر إلى سكان الحي كمجموعة لها تاريخ محدد، بل كجزء من العشوائيات، مجردين من سياقهم الاجتماعي والعسكري. تكشف قصة الهجانة في عين شمس عن حقيقة كثيرًا ما تُغفل في النقاش العام: الدولة ليست دائمًا ضحية العشوائيات، بل قد تكون أحد صانعيها، فحين تستخدم الدولة قوة بشرية لفترة طويلة، ثم تتخلى عنها دون تصور لما بعد الخدمة، فإنها تترك فراغًا لا يسدّه إلا الاستقرار غير الرسمي. في هذه الحالة لا يكون الحي نتاج تمرد على الدولة، بل نتيجة مباشرة لإهمالها. توضّح القصة مسارًا مختلفًا للهجرة والاستقرار، فالهجانة لم يأتوا إلى القاهرة بحثًا عن العمل، بل جاءوا عبر المؤسسة العسكرية. الجندية هنا ليست وظيفة فقط، بل قناة لإعادة التوطين، حتى وإن لم تُصمَّم على هذا النحو. هذا النمط من الهجرة يختلف عن الهجرة الريفية الحضرية التقليدية؛ فهو بدأ بوضع قانوني واضح، واستمر بإقامة طويلة، وانتهى بوضع قانوني واجتماعي ملتبس. تبدو هذه القصة مهمة اليوم لأن كثيرًا من النقاشات حول الأحياء الشعبية تتعامل معها بوصفها مشكلة راهنة فقط، وتفصلها عن جذورها، بينما تكشف حالة الهجانة أن بعض الأحياء هي أرشيف حي لقرارات قديمة، وأن فهم الحاضر العمراني يتطلب العودة إلى التاريخ الاجتماعي للدولة نفسها، فالمكان ليس مجرد عمران، بل تراكم لسياسات ووظائف وحيوات انتهت أدوارها الرسمية وبقي أثرها الإنساني. قصة الهجانة السودانيين في عين شمس ليست مجرد حكاية حي، بل تذكير بأن المدينة لا تُبنى فقط بالخرائط والقرارات، بل أيضًا بالجنود الذين انتهت خدمتهم ولم تنتهِ حياتهم، وبالدولة التي عرفت كيف تستخدمهم، لكنها لم تعرف كيف تعيد إدماجهم. ربما يدفع هذا المقال القصير أحد طلاب الدراسات العليا في تخصصات علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا او التاريخ أو العلوم السياسية أو ربما التخطيط العمراني لدراسة أكثر عمقاً لهذا الموضوع الهام الذي لم يلق الاهتمام الكافي من الدراسة الأكاديمية الرصينة.
تطوّر التعليم الشامل في العصر الرقمي في الأردن

بقلم: أبيغيل هاربر، متدربة في مركز النهضة الإستراتيجي يحمل موضوع اليوم العالمي للتعليم لهذا العام، الذي يُحتفل به سنويًا في 24 كانون الثاني/يناير، عنوان: قوة الشباب في المشاركة في صناعة التعليم. وفي الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي إلى تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، المتمثل في «ضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة»، يشكّل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من نصف سكان العالم. وباعتبارهم المستفيدين الرئيسيين من أنظمة التعليم يصبح من الضروري إشراك الشباب بشكل فعلي في رسم مستقبل التعليم. وتزداد أهمية ذلك في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والأنظمة العالمية. كان موضوع اليوم العالمي للتعليم في العام الماضي هو “الذكاء الاصطناعي والتعليم: الفاعلية الإنسانية في عالم مؤتمت“. وبعد مرور عام، لا يزال المجتمع الدولي يشهد تغيرات تكنولوجية متسارعة تطرح أسئلة ملحّة حول غاية التعليم، وإمكانية الوصول إليه، وجودته. يوفّر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة فرصًا لا يمكن تفويتها لتعزيز أنظمة التعليم، إلا أن استعمالها يجب أن يتم بحذر، مع ضمان وجود أطر تنظيمية وحمايات واضحة. في الأردن، تشير الاستثمارات الأخيرة في قطاع التعليم إلى تنامٍ في الزخم نحو التحول الرقمي. وتحدّد الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي وخطة التنفيذ 2026–2028 توجهات الحكومة لتعزيز البرامج التعليمية، بما يزوّد الأجيال القادمة بالمهارات اللازمة للتميّز في العصر الرقمي. في المقابل، لا يزال النظام التعليمي الأردني يواجه تحديات كبيرة، من بينها ارتفاع معدلات التسرب المدرسي المرتبطة بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية، واعتماد أساليب تدريس تقليدية، وضعف البنية التحتية. كما أسهم النمو الحضري السريع واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين في زيادة الضغط على الموارد المحدودة أصلًا. وتؤثر هذه التحديات بشكل غير متكافئ على الفتيات والأطفال اللاجئين، الذين يواجهون عوائق إضافية مثل الزواج المبكر والعنف وانعدام الأمن. وعند استخدامه بشكل مسؤول، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في التخفيف من بعض هذه الضغوط. في كانون الأول/ديسمبر 2025، أطلقت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) مبادرة: الاستثمار في المستقبل: بناء أنظمة تعليمية مستدامة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم الأردني واستندت المبادرة إلى دراسة جدوى شاملة أُجريت بالتعاون مع الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور ووزارة التربية والتعليم، وتهدف إلى دعم دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بشكل مستدام وشامل ومراعي للسياق المحلي. وتؤكد زينب الخليل، مديرة البرامج في المنظمة “أن الاستثمار في التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي هو في جوهره استثمار في الإنسان. فعندما يتم تمكين الشابات والشبان من التفاعل النقدي مع التكنولوجيا، يصبحون شركاء فاعلين في صناعة أنظمة تعليمية شاملة ومنصفة ومهيّأة للمستقبل”. إلى جانب المبادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تواصل المنظمة الاستثمار في برامج تعليمية شاملة تقودها فئة الشباب. وتشجّع هذه المشاريع الشباب على تطوير مهاراتهم، بما يؤهلهم لدخول سوق عمل رقمي يزداد تعقيدًا. وقد أُطلقت مبادرة نداء للتغيير في كانون الأول/ديسمبر 2025 لتعزيز التعليم الشامل للفتيات. وتهدف المبادرة إلى دعم نظام تعليمي منصف ومتاح للجميع في محافظتي عمّان والمفرق، من خلال جمع الطلبة والمعلمين على طاولة واحدة لمناقشة التحديات الميدانية واقتراح حلول تشاركية تسهم في تحسين جودة التعليم في المحافظتين. كما تشجّع الفتيات على أن يكنّ قوة دافعة للتغيير، وقائدات ملهمات قادرات على المساهمة في بناء مستقبل تعليمي أكثر شمولًا للجميع. وبالمثل، تناول مشروع بحثي أُنجز عام 2024 دور التعليم والتدريب التقني والمهني (TVET) للشباب في الأردن. إذ تزوّد برامج التدريب التقني والمهتني الأردنيين واللاجئين بمهارات عملية وشخصية تدعم الاندماج في سوق العمل وتعزّز الاعتماد على الذات. وبالنسبة للاجئين على وجه الخصوص، يساهم الوصول إلى هذه البرامج في تقليل أخطار الاستغلال من خلال فتح مسارات نحو الاستقلال الاقتصادي. وتؤكد نتائج البحث أهمية الاستثمار في أنظمة تعليم وتدريب مهني عالية الجودة تخدم اللاجئين والمجتمعات المستضيفة على حد سواء، بما يعزّز القوى العاملة ويسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام. في جميع هذه المبادرات الشبابية، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية مع تغلغله في مختلف جوانب الحياة اليومية. إلا أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يخلو من مخاطر. إذ تحذّر اليونسكو من أن التطورات التكنولوجية السريعة سبقت النقاشات السياسية والأطر التنظيمية. ولا يقتصر هذا الأمر على الذكاء الاصطناعي في التعليم، بل يشمل جميع مجالات الحياة التي تتزايد فيها أهمية التكنولوجيا. وقد تناولت دراسة حالة حديثة أعدّتها منظمة النهضة (أرض) من خلال مركزها الإستراتيجي كيفية استخدام العنف ضد الفتيات والنساء والمُيسّر تكنولوجيّا (TFGBV) كآلية للإقصاء الديمقراطي، من خلال إبعاد النساء عن الفضاءات العامة الرقمية. وتُظهر هذه الدراسة كيف يمكن أن يؤدي الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية إلى إلحاق الضرر، بدلًا من تحقيق المنفعة، بالأفراد الأكثر هشاشة. ويُعدّ التحيّز ضد النساء والفتيات في الذكاء الاصطناعي مصدر قلق بالغ. فعندما تعيد نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) إنتاج الصور النمطية القائمة، فإنها تخاطر بتعزيز التمييز ضد النساء والفتيات. وتقول زينيا ديل فيار، مديرة البيانات والتكنولوجيا والابتكار في Data-Pop Alliance “غالبًا ما تعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تتعلّم من بيانات مليئة بالصور النمطية، تحيّزات جندرية وتعزّزها. ويمكن أن تحدّ هذه التحيّزات من الفرص والتنوّع، لا سيما في مجالات مثل اتخاذ القرار، والتوظيف، والموافقة على القروض، والأحكام القانونية”. كما تعكس العديد من نماذج اللغة الكبيرة تحيّزًا غربيًا واضحًا. فالتاريخ الطويل لتركّز أبحاث الذكاء الاصطناعي وابتكاره في الدول الغربية أدّى إلى هيمنة البيانات باللغة الإنجليزية، والمنشورات الأكاديمية، والأطر التكنولوجية الغربية. ونتيجة لذلك، تفشل العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي في عكس تنوّع الثقافات والتجارب المعيشة حول العالم، ما يعزّز افتراضات ضارة ويعمّق أوجه عدم المساواة القائمة. فعلى سبيل المثال، قد تتمكّن أداة ذكاء اصطناعي من التعرّف بدقة على مراجع ثقافية غربية، لكنها تعجز عن الاستجابة بشكل هادف لأسئلة متجذّرة في تقاليد محلية أو سياقات غير غربية، ما يعكس محدودية وعيها الثقافي العالمي. ويمتد هذا التحدي ليتعدى الجانب الثقافي وليشمل الجانب اللغوي. فاللغة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة الثقافية والهوية والانتماء المجتمعي، إلا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تفشل في تمثيل هذا التنوع. فمعظم أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المساعدات الافتراضية وروبوتات الدردشة، تعمل بعدد محدود من اللغات واسعة الانتشار، بينما يتم تجاهل اللهجات الإقليمية واللغات الأقل انتشارًا، ما يحدّ من الوصول ويزيد من تهميش الفئات المهمّشة أصلًا. من الواضح إذًا أنه من دون أساس أخلاقي واضح، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في تعميق أوجه عدم المساواة بطرق متعددة. لذلك، يجب أن يُوجَّه استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، أولًا وقبل كل شيء، بمبادئ الشمول والعدالة والفاعلية الإنسانية. ويتطلّب التصدي لهذه التحديات حلولًا منهجية وإنسانية في آن واحد. فمن جهة، يجب تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة تقلّل من التحيّز. ومن جهة أخرى، ينبغي تزويد الطلبة والمعلمين بالمهارات اللازمة للتعامل النقدي مع هذه التقنيات. وتؤكد ديل فيار: “للحد من التحيّز بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي، من الضروري أن تكون البيانات المستخدمة في تدريب
النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) تدين هدم الاحتلال الإسرائيلي لمقر الأونروا في القدس وتحذر من تقويض عمل الوكالة

تعرب النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)عن إدانتها لقيام سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهدم مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس، وتبدي قلقها البالغ إزاء التداعيات الخطيرة لهذا الإجراء، لا سيما في ظل الأزمة المالية غير المسبوقة التي تضطر الوكالة إلى تقليص عملياتها وخدماتها الأساسية. وقد شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في هدم مقر الأونروا في القدس بعد أيام قليلة من إعلان قيادة الوكالة أنها، وبسبب الأزمة المالية الحادة التي تواجهها، اضطرت إلى تقليص أيام عمل مدارسها وعياداتها إلى أربعة أيام أسبوعيًا، في محاولة لتفادي انهيار الوكالة وضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الحيوية المقدمة للاجئين الفلسطينيين. وفي 20 كانون الثاني/يناير 2026، بلغت الحملة الإسرائيلية الممنهجة ضد الأونروا مستوى جديدًا من التحدي العلني للقانون الدولي، حين بدأت الحكومة الإسرائيلية بهدم مقر الوكالة في القدس. ويُذكر أن هذا المجمع، الذي استأجرته الأونروا من حكومة المملكة الأردنية الهاشمية منذ عام 1952، كان يضم مكاتب الوكالة التي أدارت من خلالها عملياتها في الضفة الغربية، إضافة إلى مستودعات رئيسية، ومرافق تخزين مبرد، وورش صيانة للمركبات، ومحطة وقود. ويجري الاستيلاء على هذا المرفق اليوم في خرق واضح للقانون الدولي ولمبدأ حصانة منشآت الأمم المتحدة. وقد قوبل هذا الإجراء بإدانات دولية واسعة، من بينها إدانات المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس، والمفوضة الأوروبية حاجة لحبيب، وغيرهم. ويأتي هذا التطور في سياق سلسلة من الخطوات التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية بهدف تقويض دور الأونروا وطمس هوية اللاجئين الفلسطينيين. ففي 12 كانون الثاني/يناير، اقتحمت القوات الإسرائيلية مركزًا صحيًا تابعًا للأونروا في القدس الشرقية وأمرت بإغلاقه، كما من المقرر قطع إمدادات المياه والكهرباء عن منشآت الوكالة، بما في ذلك المرافق الصحية والتعليمية، خلال الأسابيع المقبلة، تنفيذًا لتشريعات أقرها الكنيست في كانون الأول/ديسمبر، شددت القوانين المعادية للأونروا المعتمدة منذ عام 2024. وقد ساهمت هذه الحملة المستمرة في تعميق الأزمة المالية التي تواجهها الأونروا، ما دفع إدارتها إلى خفض موازنة الموظفين بنسبة 20%. وفي رسالة موجهة إلى الموظفين بتاريخ 14 كانون الثاني/يناير 2026، أشار المفوض العام للأونروا إلى أن هذا الإجراء يُتخذ كخيار أخير للحفاظ على الوكالة وولايتها، مؤكدًا أن الإدارة ستعيد النظر فيه في حال توفر تمويل كافٍ لسد العجز في موازنة برامج عام 2026. وتكمن الإشكالية الأساسية في الأزمة المالية للأونروا في كونها مكلفة بتقديم خدمات عامة الطابع لفئة سكانية شديدة الهشاشة، دون وجود مصادر تمويل مضمونة ومستدامة. فعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تجدد ولاية الوكالة بأغلبية ساحقة كل ثلاث سنوات، إلا أن هذا الدعم السياسي لا يقابله التزام مالي كافٍ لتنفيذ الولاية الممنوحة لها. وبحسب المفوض العام، فإن الأزمة التي تواجهها الأونروا في مطلع عام 2026 تختلف جوهريًا عن أزمات السنوات السابقة، نتيجة تزامن الحملة الإسرائيلية ضد الوكالة مع تعليق التمويل من قبل الولايات المتحدة والسويد، اللتين كانتا تمثلان معًا نحو ثلث موازنة البرامج، إضافة إلى التخفيضات العامة في المساعدات الإنمائية الرسمية خلال عام 2025. وفي هذا السياق، تدعو النهضة (أرض) الأمين العام للأمم المتحدة إلى إحالة الانتهاك الإسرائيلي لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946 إلى محكمة العدل الدولية، باعتباره سابقة خطيرة تمس أسس النظام الدولي. كما تحث المنظمة مجتمع المانحين، بما في ذلك الحكومات العربية، على التحرك العاجل لزيادة مساهماتهم المالية للأونروا، بما يضمن استعادة الخدمات الأساسية واستقرار الوكالة واستمرارية ولايتها.
التعليم تحت القصف: الأمل والصمود في غزة في اليوم الدولي للتعليم 2026

بقلم أبيغيل هاربر متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي يُعدّ شعار «التعليم للجميع» التزامًا تجدّده الأسرة الدولية سنويًا في 24 كانون الثاني/يناير، وهو اليوم الدولي للتعليم. وقد أُقرّ هذا اليوم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 73/25 عام 2018، ليؤكد على الدور المحوري للتعليم في تحقيق المساواة، وبناء القدرة على الصمود، وضمان الأمن والرفاه على المدى الطويل، ولا سيما للمجتمعات التي تعاني من النزوح والعنف وعدم الاستقرار. ومن خلال إحياء هذا اليوم، تسعى الأمم المتحدة إلى رفع مستوى الوعي وتشجيع العمل والاستثمار العالميين لضمان تعليم شامل ومنصف وجيد للجميع. ويؤكد إحياء هذا اليوم سنويًا أن الوصول إلى التعليم ليس مجرد هدف سياسي، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان وركيزة لبناء مجتمعات شاملة. يتزامن اليوم الدولي للتعليم هذا العام مع الجهود العالمية الرامية إلى إعادة بناء البنية التحتية التعليمية في غزة، حيث حُرم 408,000 طفل في سنّ الدراسة (أي ما نسبته 62% من إجمالي السكان) من الوصول إلى أي شكل من أشكال التعليم خلال العامين الماضيين. أما ما تبقى من فرص تعليمية لما يقارب 250,000 طفل، فقد توفّر عبر مساحات تعليمية مؤقتة، بما في ذلك تلك التي تديرها الأونروا، إضافة إلى برنامج التعلم عن بُعد التابع لها. وقد شكّل البدء الرسمي للعام الدراسي في أيلول/سبتمبر في الأرض الفلسطينية المحتلة بداية العام الدراسي الثالث على التوالي الذي يُحرم فيه نحو 658,000 طفل في غزة من حقهم في تعليم كامل. ولا يمكن التقليل من حجم تأثير هذا الحرمان. فقد حذّرت دراسة دولية حديثة أعدّتها جامعة كامبريدج بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من خطر نشوء «جيل ضائع» من الأطفال في غزة. وقد نُشرت الدراسة مطلع عام 2026، وسلّطت الضوء على الحجم الحقيقي لأزمة التعليم في منطقة النزاع. ووفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) حتى 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025، قُتل 18,069 طالبًا و780 من العاملين في قطاع التعليم، وأُصيب 26,391 طالبًا و3,211 معلمًا. إضافة إلى ذلك، تحتاج نحو 92% من مدارس غزة إلى إعادة بناء كاملة نتيجة الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية. وقد خلّف عامان من النزاع في الأرض الفلسطينية المحتلة آثارًا تعليمية وجسدية ونفسية خطيرة على الطلبة والمعلمين، إلى درجة أن إعادة فتح المدارس حتى في ظل وقف إطلاق النار ليست مهمة سهلة. ففي أيلول/سبتمبر، ومع انطلاق العام الدراسي، صرّح المفوض العام للأونروا قائلًا: “اليوم، وبدلًا من العودة إلى المدارس كما يفعل معظم أطفال العالم، سيجد نحو 660,000 فتاة وفتى في غزة أنفسهم ينقّبون بين الأنقاض، يائسين، جائعين، مصدومين نفسيًا، وغالبيتهم فاقدون لأحبّتهم. وكلما طال بقاؤهم خارج المدارس وهم يعانون من الصدمة، ارتفع خطر أن يصبحوا جيلًا ضائعًا، بما يزرع بذورًا لمزيد من الكراهية والعنف” ولا يُعدّ غياب البنية التحتية العائق الوحيد أمام التعليم. فثمة عوامل أخرى تحدّ من الوصول إليه، من بينها الخوف الذي يدفع آلاف المعلمين إلى ترك وظائفهم، أو يمنع الأهالي من إرسال أطفالهم إلى المدارس خشية المخاطر الجسدية التي قد يتعرض لها أبناؤهم أثناء التنقل أو داخل الصفوف الدراسية. وعلى الرغم من هذه المخاطر، تواصل العديد من العائلات إرسال أطفالها إلى المدارس، إدراكًا منها بأن التعليم هو المفتاح لمستقبلهم. وينطبق ذلك على ما يُعرف بـ«المنطقة الصفراء» في غزة، حيث اضطرت العائلات إلى إنشاء «مدارس خيام» بدائية على مقربة خطرة من القوات الإسرائيلية، وغالبًا ما تتعرض لإطلاق نار، ما يجبر الأطفال على وقف تعلمهم والاستلقاء أرضًا إلى أن يتوقف القصف. وفي هذا السياق قال بيتر سلامة، المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: “إن الأثر المدمّر للنزاع يطال الأطفال في مختلف أنحاء المنطقة. فالأمر لا يقتصر على الدمار المادي الذي يلحق بالمدارس، بل يشمل أيضًا اليأس الذي يشعر به جيل كامل من التلاميذ الذين يرون آمالهم ومستقبلهم يتحطمان”. ومن المهم التأكيد على أن تدمير البنية التحتية التعليمية ليس مجرد أثر جانبي للنزاع. فـالإبادة التعليمية (Scholasticide) أي التدمير المنهجي والمتعمّد للنظام التعليمي في منطقة ما، تُعد جزءًا من خطة طويلة الأمد لمحو المعرفة والثقافة الفلسطينية، وتقويض قدرة الناس على إعادة البناء، ماديًا وفكريًا. وقد أعرب خبراء الأمم المتحدة في نيسان/أبريل 2024 عن قلقهم إزاء نمط الهجمات التي تستهدف المدارس والجامعات والمعلمين والطلبة، داعين الأطراف إلى الالتزام بالتدابير التي أمرت بها محكمة العدل الدولية في كانون الثاني/يناير. ومع ذلك، وبعد أكثر من عام ونصف، لم يبذل المجتمع الدولي سوى القليل لمنع القوات الإسرائيلية من استهداف المرافق التعليمية في محاولة لإعاقة التطور الثقافي والفكري لجيل كامل من الغزيين. وحتى في 6 كانون الثاني/يناير الماضي، أُصيب أحد عشر طالبًا فلسطينيًا بجروح عندما داهمت القوات الإسرائيلية حرم جامعة بيرزيت شمال رام الله، وأطلقت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع. ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك بعض بواعث الأمل. فالمبادرات الرائدة، مثل برنامج «التعلّم الأفضل» المموّل من مبادرة “التعليم لا ينتظر Education Cannot Wait“، تجمع بين المعلمين ومقدمي الرعاية والمرشدين النفسيين لتهيئة بيئات تعليمية آمنة وداعمة تساعد الأطفال على التكيّف. ويُسهم الجمع بين التعليم الأساسي، بما في ذلك اللغة العربية والرياضيات، وأدوات علاجية مثل تمارين التنفس، وسرد القصص، والرسم الموجّه، في مساعدة الأطفال على معالجة الصدمات والتوتر، واستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية، وبث الأمل. وخلال وقف إطلاق النار مطلع عام 2025، أُعيد فتح المدارس بسرعة لافتة. ففي أيلول/سبتمبر، وعلى الرغم من التحديات الهائلة، تقدّم 28,200 طالب في غزة لامتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) عبر الإنترنت. وقد وصف أحد المعلمين تحقيق هذا الإنجاز بأنه «معجزة»، في شهادة على الصمود الاستثنائي للشباب الفلسطينيين. كما ظهرت مؤشرات إيجابية في مجال التعليم العالي. ففي نهاية كانون الأول/ديسمبر، أُقيم حفل تخرّج لـ170 طبيبًا جديدًا في بقايا مستشفى الشفاء بمدينة غزة. وعلى الرغم من الدمار الواسع، حيث دُمّرت معظم مباني المستشفى ومعداته أو أصبحت غير صالحة للاستخدام نتيجة الهجمات الإسرائيلية خلال الإبادة، اجتمع الأصدقاء والعائلات للاحتفال بهذا الإنجاز، وهو الحصول على شهادة المجلس الطبي الفلسطيني، أعلى شهادة تخصص طبي في الأرض الفلسطينية المحتلة. وتُظهر هذه النجاحات أن الأمل لا يزال حاضرًا في غزة. ومع ذلك، ما تزال ثلاثة تحديات رئيسية تعيق وصول الطلبة إلى التعليم: المخاطر الأمنية، ونقص البنية التحتية، والنقص الحاد في أعداد المعلمين، وهي مشكلات تتفاقم بفعل استمرار النزاع. ولم توضح الإعلانات الأخيرة المتعلقة بـ«مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس ترامب ما إذا كانت هناك خطط لمعالجة هذه العقبات في إطار إعادة بناء النظام التعليمي في غزة. ومع ذلك، يظل التوصل إلى اتفاق سلام دائم ومستدام الخطوة الأولى والأساسية لتحقيق هذا الهدف. وعندها فقط يمكن حشد الموارد الضخمة اللازمة لمعالجة الآثار الجسدية والنفسية للنزاع، وإتاحة الفرصة أمام المدارس والمعلمين والطلبة للتعافي. وحتى ذلك الحين، تبقى المنظمات الخيرية وشبكات المتطوعين المحليين التي توفر مساحات
تحقيق حق العودة الفلسطيني في زمن الإبادة الجماعية والتشريد

مقدمة تتناول هذه المقالة التحليلية حق العودة الفلسطيني لا باعتباره مبدأ قانونيًا في المواثيق الدولية وحسب، بل لكونه ركيزة أساسية في نضال طويل ضد الاستعمار من أجل الأرض، والانتماء والمخيلة السياسية. كذلك، تجادل المقالة بأن أفضل فهم لحق العودة هو أنه مطلب عدالة ينبع من تعلق السكان الأصليين بالمكان، وبوجوده في الذاكرة الجماعية، وفي رؤى مستقبلية بعيدة عن الاستعمار، وليس باعتباره “قضية وضع نهائي” تكنوقراطية تُؤجل إلى نهاية المفاوضات. تنطلق هذه الحجة من ثلاث ملاحظات مترابطة: أولاً، عندما يُركز المرء على الدراسات والممارسة السياسية الفلسطينية والعربية، لا يبرز حق العودة باعتباره مطلبًا إنسانيًا عالقًا، بل على أنه عنصر أساسي ضمن أي نظام عادل في فلسطين بعد الاستعمار. أصر مؤلفون مثل سلمان أبو ستة، ونور مصالحة، وروز ماري صايغ، وكرمة النابلسي، وليلى فرسخ على أن العودة غير قابلة للتصرف، سواء أكانت جماعية أم فردية، مع ارتباطها هيكليًا بمسائل السيادة، والمواطنة والتعويض (أبو ستة 1997؛ 2005؛ 2016؛ مصالحة 1992؛ صايغ 1979؛ النابلسي 2006؛ فرسخ 2021). ثانيًا، من الواجب قراءة الوضع الحالي -الذي يتميز بمرحلة أكثر وحشية من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والعنف الاستعماري في الضفة الغربية مع القمع المنسق للفلسطينيين في 48، بالإضافة إلى الاعتقالات التعسفية والتهديد بترحيل العديد من الفلسطينيين في مختلف مناطق الشتات -على أنه جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد يهدف إلى محو الفلسطينيين من أرضهم وجعل العودة مستحيلة من الناحية المادية، والمؤسسية والخيالية. نزح أكثر من 90% من سكان غزة مرة واحدة على الأقل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ وتضرر أو دُمر ما يقرب من 92% من المنازل والمنشآت الأخرى (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 2024-2025؛ الأونروا 2024-2025)، ما يعني أن هذه ليست أزمات إنسانية معزولة، بل اعتداءات هيكلية على السكان المتمسكين بحق العودة. ثالثًا، تمثل مخططات الهجرة القسرية المعاصرة، بما في ذلك الرحلات الجوية المستأجرة الأخيرة التي تنقل الفلسطينيين من غزة إلى جنوب إفريقيا ودول ثالثة أخرى بموجب ترتيبات غامضة ومدفوعة، شكلًا جديدًا من أشكال التهجير القسري. تشير التحقيقات التي أجرتها السلطات في جنوب إفريقيا ووسائل الإعلام الدولية إلى أن هذه الرحلات الجوية -التي ينظمها كيان غامض يُعرف باسم المجد أوروبا- تطلب من الفلسطينيين دفع مبالغ كبيرة لمغادرة غزة، وقد تشكل جزءًا من جهود أوسع نطاقًا “لإفراغ” القطاع من سكانه تحت غطاء إنساني (لوموند 2025؛ الجزيرة 2025؛ وكالة الأناضول 2025؛ فاينانشال تايمز 2025)، كما أن هذه المخططات تستهدف حاملي حق العودة على نحو مباشر. وفي الوقت نفسه، تتعرض البنية التحتية المؤسسية للاجئين الفلسطينيين –الأونروا- لهجوم متصاعد. وتُفسر المنظمات الفلسطينية والإقليمية على نطاق واسع عمليات تعليق التمويل، والتشريعات الإسرائيلية التي تحظر الأونروا في جميع أنحاء فلسطين التاريخية، وعمليات الإخلاء القسري من المباني في القدس الشرقية المحتلة على أنها محاولات لمحو اللجوء بوصفه فئة قانونية تحظى بالاعتراف (منظمة النهضة (أرض) 2024؛ بديل 2025). لذا، فإن السؤال الذي تسعى هذه المقالة إلى معالجته لا يتركز في مجرد ما إذا كان حق العودة الفلسطيني موجودًا في القانون الدولي -وهي نقطة جرى تحليلها على نطاق واسع في مكان آخر (ألبانيز وتاكغنبرغ 2020) – ولكن حول سؤال كيف يمكننا التفكير في تحقيقه الآن، في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون للقتل والتشريد والتشتت على نطاق واسع، وفي وقت تتعرض فيه الأطر المؤسسية التي اعترفت باللاجئين ودعمتهم عبر التاريخ إلى هجوم متواصل. يعيد القسم الأول بناء طرق تصور حق العودة في الفكر الفلسطيني والعربي باعتباره مبدأ مناهضًا للاستعمار. أما القسم الثاني، فيتناول الإبادة الجماعية في غزة والأشكال الجديدة من الهجرة القسرية بوصفها تعبيرات معاصرة عن مشروع إبادة طويل الأمد. ويتناول القسم الثالث الحرب على الأونروا باعتباره صراعًا على البنية التحتية الخاصة باللاجئين أنفسهم. ويتأمل القسم الرابع في دور القانون الدولي المتناقض، الذي يعمل موردًا ومقيدًا في آن واحد. ويستعرض القسم الأخير بعضًا من عناصر ما قد يعنيه “إعمال حق العودة” عمليًا، بما يتجاوز مجرد حدث دبلوماسي واحد. تعتمد المقالة، في جميع جوانبها، منظورًا قائمًا على العدالة ونزعة إنهاء الاستعمار، يتعامل بدوره مع القانون الدولي على أنه واحد من عديدٍ من القوانين الأخرى، بدلًا من أن يكون حكم الشرعية الوحيد أو النهائي. حق العودة باعتباره مبدأ مناهضًا للاستعمار يتناول الباحثون الفلسطينيون والعرب حق العودة في المقام الأول من خلال تجربة الطرد والتشبث الدائم بالأرض، لا من خلال قراءات مجردة في نصوص المعاهدات. 1.1 المناهج التحليلية: المشروع الاستعماري الاستيطاني وأهمية العودة السياسية والمادية يُعد عمل سلمان أبو ستة نموذجيًا في هذا الصدد. فعلى مدى عقود، أعاد بناء جغرافية النكبة، ورسم خرائط لأكثر من 500 قرية وبلدة مهجّرة، ووثّق أراضيها، وحلل استخداماتها الحالية. وعلى هذا الأساس، يُجادل بأن حق العودة الفلسطيني “مقدس وقانوني وممكن”: مقدس لأنه متأصل في علاقة أصيلة بين شعب وأرضه؛ وقانوني لأنه يرتكز على فروع متعددة من القانون الدولي؛ وممكن، لأن التوزيع المكاني للسكان الحاليين في فلسطين التاريخية يسمح بالعودة على نطاق واسع دون إعادة إنتاج طرد الآخرين الجماعي (أبو ستة 1997؛ 2005؛ 2016). في قراءته، فإن التأكيد الشائع على أن العودة “مستحيلة ديموغرافيًا” ليس بيانًا تجريبيًا بقدر ما هو أيديولوجي: ليست القدرة المادية هي المسألة الواقعة على المحك وإنما رفض التخلي عن مشروع الهندسة الديموغرافية الذي يميز الاستعمار الاستيطاني. يسلط عمل نور مصالحة الضوء على هذا الهيكل الاستعماري، ففي طرد الفلسطينيين (1992)، يتتبع فكرة “الترانسفير” -أي محو السكان الأصليين من فلسطين- باعتباره موضوعًا مستمرًا في الفكر السياسي والتخطيط الصهيوني منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا. من هذا المنظور، فإن عمليات الطرد عام 1948 ليست نتائج عرضية للحرب ولكنها تنفيذ مخطط طويل الأمد. بعد عام 1948، عملت سياسات الإنكار -رفض مصطلح “النكبة”، وإنكار المسؤولية، والإصرار على أن اللاجئين مشكلة إنسانية خارجية- على تثبيت النظام الديموغرافي الجديد. ويبدو حق العودة، في هذا السياق، رفضًا مباشرًا للترحيل، بما يعني إصرارًا على أن يظل أولئك الذين كان من المفترض إبادتهم أو جعلهم يعيشون في الخارج على الدوام، سكان الأرض الشرعيين. إذا كان أبو ستة ومصالحة قد وضعا الأرض والتخطيط في المقدمة، فإن روايات روزماري صايغ الشفوية الكلاسيكية تركز على تجربة المنفى الذاتية. من خلال عملها في مخيمات لبنان وسوريا، توثق كيف اعتبر اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم، منذ الخمسينيات فصاعدًا، شعبًا في منفى سياسي، وليس “ضحايا حرب” عاديين (صايغ 1979). لقد اعتبروا مشاريع “الدمج” أو “إعادة التوطين” في المجتمعات العربية المضيفة محاولاتٍ لنزع الطابع السياسي عن وضعهم وقطع علاقتهم بأماكنهم الأصلية. وهكذا، أصبحت المخيمات، على الرغم من هشاشتها، مساحاتٍ تُحفظ فيها العودة باعتبارها أفقًا سياسيًا، يُنقل عبر القصص والطقوس والإشارات اليومية إلى القرى والمدن المفقودة. تُوسّع كرمة النابلسي هذا التحليل من الذاكرة إلى التمثيل. ففي بحثها حول مفاهيم اللاجئين السياسية، تجد أن اللاجئين يميلون إلى التعبير