قصة الهجانة السودانيين في عين شمس

د. أيمن زهري خبير السكان ودراسات الهجرة، عضو في ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ) حين نتأمل خريطة الأحياء الشعبية في القاهرة، يميل التفسير السائد إلى ردّ نشأتها إلى الفقر أو الهجرة الريفية الحضرية أو الضغط الديموغرافي، غير أن بعض الأحياء لا يمكن فهمها بهذا الاختزال؛ فهي لم تولد من الهامش الاجتماعي وحده، بل من هامش آخر أقل وضوحًا: الهامش الوظيفي للدولة نفسها. من بين هذه الحالات اللافتة قصة الهجانة السودانيين الذين استقروا في عين شمس، في واحدة من أكثر الحكايات دلالة على العلاقة المركبة بين المؤسسة العسكرية والهجرة والاستقرار الحضري. الهجانة كانوا وحدات عسكرية شبه نظامية اعتمدت على ركوب الجمال، وأُنيطت بها مهام تأمين الحدود وحراسة الطرق الصحراوية وحفظ الأمن في المناطق النائية. شكّل الجنود السودانيون العمود الفقري لهذه القوات، استنادًا إلى خبراتهم البيئية وقدرتهم على التكيف مع الصحراء، وإلى تاريخ طويل من انخراط السودانيين في الجيش المصري. خلال العقود الأولى من القرن العشرين، كانت هذه الوحدات جزءًا أساسيًا من أدوات الدولة في بسط نفوذها خارج المدن، في زمن لم تكن فيه البيروقراطية المدنية قد اكتملت بعد. في مطلع القرن العشرين، لم تكن عين شمس حيًا سكنيًا كثيفًا كما نعرفه اليوم، بل منطقة طرفية شبه صحراوية على هامش القاهرة. هذا الموقع جعلها ملائمة لإقامة المعسكرات العسكرية، بعيدًا عن الكتل السكنية، وقريبة في الوقت نفسه من مسارات التحرك الصحراوي، هناك أقامت الدولة معسكرات للهجانة بوصفها تمركزًا وظيفيًا مؤقتًا، لا مشروعًا عمرانيًا دائمًا. غير أن المدينة، بطبيعتها، لا تلتزم دائمًا بما هو مؤقت. تبدأ المفارقة مع نهاية الخدمة العسكرية، فبين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تقلصت أهمية وحدات الهجانة مع تغيّر أنماط الضبط الحدودي وتطوّر وسائل النقل، وانتهت مهام بعض المعسكرات، دون أن تصاحب ذلك سياسات واضحة لإعادة الجنود إلى موطنهم الأصلي. وجد كثير من الجنود السودانيين أنفسهم في وضع ملتبس: لا هم جنود عاملون، ولا هم عائدون، ولا توجد آلية رسمية لإدماجهم أو إعادة توطينهم. في هذه اللحظة بدأ التحول الصامت؛ المعسكر يتحول إلى مسكن، والإقامة المؤقتة تصبح دائمة، والجندي يتحول إلى عامل مدني، دون إعلان أو قرار إداري. خلال العقود التالية من القرن العشرين، تزوج بعض الهجانة من مصريات أو من سودانيات مقيمات في القاهرة، وظهرت شبكات قرابة وعمل، واتسعت المساحات السكنية حول المعسكرات السابقة. شيئًا فشيئًا تشكل تجمع سكني غير رسمي، عُرف شعبيًا باسم «الهجانة». لم ينشأ هذا الحي وفق مخطط عمراني، ولم يُعترف به إداريًا في بداياته، لكنه ترسخ على الأرض بفعل التراكم البشري، واستمر بفعل الضرورة. احتفظ الحي، خاصة في مراحله الأولى، ببعض الملامح الثقافية السودانية؛ في الملامح الجسدية، وفي بعض العادات الاجتماعية، وفي الموسيقى والاحتفالات، وفي لهجة هجينة تجمع بين السودانية والمصرية، غير أن هذه الخصوصية لم تتحول إلى اعتراف مؤسسي، بل بقيت حاضرة بوصفها «اختلافًا» داخل الهامش. لم يُنظر إلى سكان الحي كمجموعة لها تاريخ محدد، بل كجزء من العشوائيات، مجردين من سياقهم الاجتماعي والعسكري. تكشف قصة الهجانة في عين شمس عن حقيقة كثيرًا ما تُغفل في النقاش العام: الدولة ليست دائمًا ضحية العشوائيات، بل قد تكون أحد صانعيها، فحين تستخدم الدولة قوة بشرية لفترة طويلة، ثم تتخلى عنها دون تصور لما بعد الخدمة، فإنها تترك فراغًا لا يسدّه إلا الاستقرار غير الرسمي. في هذه الحالة لا يكون الحي نتاج تمرد على الدولة، بل نتيجة مباشرة لإهمالها. توضّح القصة مسارًا مختلفًا للهجرة والاستقرار، فالهجانة لم يأتوا إلى القاهرة بحثًا عن العمل، بل جاءوا عبر المؤسسة العسكرية. الجندية هنا ليست وظيفة فقط، بل قناة لإعادة التوطين، حتى وإن لم تُصمَّم على هذا النحو. هذا النمط من الهجرة يختلف عن الهجرة الريفية الحضرية التقليدية؛ فهو بدأ بوضع قانوني واضح، واستمر بإقامة طويلة، وانتهى بوضع قانوني واجتماعي ملتبس. تبدو هذه القصة مهمة اليوم لأن كثيرًا من النقاشات حول الأحياء الشعبية تتعامل معها بوصفها مشكلة راهنة فقط، وتفصلها عن جذورها، بينما تكشف حالة الهجانة أن بعض الأحياء هي أرشيف حي لقرارات قديمة، وأن فهم الحاضر العمراني يتطلب العودة إلى التاريخ الاجتماعي للدولة نفسها، فالمكان ليس مجرد عمران، بل تراكم لسياسات ووظائف وحيوات انتهت أدوارها الرسمية وبقي أثرها الإنساني. قصة الهجانة السودانيين في عين شمس ليست مجرد حكاية حي، بل تذكير بأن المدينة لا تُبنى فقط بالخرائط والقرارات، بل أيضًا بالجنود الذين انتهت خدمتهم ولم تنتهِ حياتهم، وبالدولة التي عرفت كيف تستخدمهم، لكنها لم تعرف كيف تعيد إدماجهم. ربما يدفع هذا المقال القصير أحد طلاب الدراسات العليا في تخصصات علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا او التاريخ أو العلوم السياسية أو ربما التخطيط العمراني لدراسة أكثر عمقاً لهذا الموضوع الهام الذي لم يلق الاهتمام الكافي من الدراسة الأكاديمية الرصينة.

تطوّر التعليم الشامل في العصر الرقمي في الأردن

بقلم: أبيغيل هاربر، متدربة في مركز النهضة الإستراتيجي يحمل موضوع اليوم العالمي للتعليم لهذا العام، الذي يُحتفل به سنويًا في 24 كانون الثاني/يناير، عنوان: قوة الشباب في المشاركة في صناعة التعليم. وفي الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي إلى تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، المتمثل في «ضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة»، يشكّل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من نصف سكان العالم. وباعتبارهم المستفيدين الرئيسيين من أنظمة التعليم يصبح من الضروري إشراك الشباب بشكل فعلي في رسم مستقبل التعليم. وتزداد أهمية ذلك في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والأنظمة العالمية. كان موضوع اليوم العالمي للتعليم في العام الماضي هو “الذكاء الاصطناعي والتعليم: الفاعلية الإنسانية في عالم مؤتمت“. وبعد مرور عام، لا يزال المجتمع الدولي يشهد تغيرات تكنولوجية متسارعة تطرح أسئلة ملحّة حول غاية التعليم، وإمكانية الوصول إليه، وجودته. يوفّر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة فرصًا لا يمكن تفويتها لتعزيز أنظمة التعليم، إلا أن استعمالها يجب أن يتم بحذر، مع ضمان وجود أطر تنظيمية وحمايات واضحة. في الأردن، تشير الاستثمارات الأخيرة في قطاع التعليم إلى تنامٍ في الزخم نحو التحول الرقمي. وتحدّد الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي وخطة التنفيذ 2026–2028 توجهات الحكومة لتعزيز البرامج التعليمية، بما يزوّد الأجيال القادمة بالمهارات اللازمة للتميّز في العصر الرقمي. في المقابل، لا يزال النظام التعليمي الأردني يواجه تحديات كبيرة، من بينها ارتفاع معدلات التسرب المدرسي المرتبطة بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية، واعتماد أساليب تدريس تقليدية، وضعف البنية التحتية. كما أسهم النمو الحضري السريع واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين في زيادة الضغط على الموارد المحدودة أصلًا. وتؤثر هذه التحديات بشكل غير متكافئ على الفتيات والأطفال اللاجئين، الذين يواجهون عوائق إضافية مثل الزواج المبكر والعنف وانعدام الأمن. وعند استخدامه بشكل مسؤول، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في التخفيف من بعض هذه الضغوط. في كانون الأول/ديسمبر 2025، أطلقت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) مبادرة: الاستثمار في المستقبل: بناء أنظمة تعليمية مستدامة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم الأردني واستندت المبادرة إلى دراسة جدوى شاملة أُجريت بالتعاون مع الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور ووزارة التربية والتعليم، وتهدف إلى دعم دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بشكل مستدام وشامل ومراعي للسياق المحلي. وتؤكد زينب الخليل، مديرة البرامج في المنظمة “أن الاستثمار في التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي هو في جوهره استثمار في الإنسان. فعندما يتم تمكين الشابات والشبان من التفاعل النقدي مع التكنولوجيا، يصبحون شركاء فاعلين في صناعة أنظمة تعليمية شاملة ومنصفة ومهيّأة للمستقبل”. إلى جانب المبادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تواصل المنظمة الاستثمار في برامج تعليمية شاملة تقودها فئة الشباب. وتشجّع هذه المشاريع الشباب على تطوير مهاراتهم، بما يؤهلهم لدخول سوق عمل رقمي يزداد تعقيدًا. وقد أُطلقت مبادرة نداء للتغيير في كانون الأول/ديسمبر 2025 لتعزيز التعليم الشامل للفتيات. وتهدف المبادرة إلى دعم نظام تعليمي منصف ومتاح للجميع في محافظتي عمّان والمفرق، من خلال جمع الطلبة والمعلمين على طاولة واحدة لمناقشة التحديات الميدانية واقتراح حلول تشاركية تسهم في تحسين جودة التعليم في المحافظتين. كما تشجّع الفتيات على أن يكنّ قوة دافعة للتغيير، وقائدات ملهمات قادرات على المساهمة في بناء مستقبل تعليمي أكثر شمولًا للجميع. وبالمثل، تناول مشروع بحثي أُنجز عام 2024 دور التعليم والتدريب التقني والمهني (TVET) للشباب في الأردن. إذ تزوّد برامج التدريب التقني والمهتني الأردنيين واللاجئين بمهارات عملية وشخصية تدعم الاندماج في سوق العمل وتعزّز الاعتماد على الذات. وبالنسبة للاجئين على وجه الخصوص، يساهم الوصول إلى هذه البرامج في تقليل أخطار الاستغلال من خلال فتح مسارات نحو الاستقلال الاقتصادي. وتؤكد نتائج البحث أهمية الاستثمار في أنظمة تعليم وتدريب مهني عالية الجودة تخدم اللاجئين والمجتمعات المستضيفة على حد سواء، بما يعزّز القوى العاملة ويسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام. في جميع هذه المبادرات الشبابية، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية مع تغلغله في مختلف جوانب الحياة اليومية. إلا أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يخلو من مخاطر. إذ تحذّر اليونسكو من أن التطورات التكنولوجية السريعة سبقت النقاشات السياسية والأطر التنظيمية. ولا يقتصر هذا الأمر على الذكاء الاصطناعي في التعليم، بل يشمل جميع مجالات الحياة التي تتزايد فيها أهمية التكنولوجيا. وقد تناولت دراسة حالة حديثة أعدّتها منظمة النهضة (أرض) من خلال مركزها الإستراتيجي كيفية استخدام العنف ضد الفتيات والنساء والمُيسّر تكنولوجيّا (TFGBV) كآلية للإقصاء الديمقراطي، من خلال إبعاد النساء عن الفضاءات العامة الرقمية. وتُظهر هذه الدراسة كيف يمكن أن يؤدي الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية إلى إلحاق الضرر، بدلًا من تحقيق المنفعة، بالأفراد الأكثر هشاشة. ويُعدّ التحيّز ضد النساء والفتيات في الذكاء الاصطناعي مصدر قلق بالغ. فعندما تعيد نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) إنتاج الصور النمطية القائمة، فإنها تخاطر بتعزيز التمييز ضد النساء والفتيات. وتقول زينيا ديل فيار، مديرة البيانات والتكنولوجيا والابتكار في Data-Pop Alliance “غالبًا ما تعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تتعلّم من بيانات مليئة بالصور النمطية، تحيّزات جندرية وتعزّزها. ويمكن أن تحدّ هذه التحيّزات من الفرص والتنوّع، لا سيما في مجالات مثل اتخاذ القرار، والتوظيف، والموافقة على القروض، والأحكام القانونية”. كما تعكس العديد من نماذج اللغة الكبيرة تحيّزًا غربيًا واضحًا. فالتاريخ الطويل لتركّز أبحاث الذكاء الاصطناعي وابتكاره في الدول الغربية أدّى إلى هيمنة البيانات باللغة الإنجليزية، والمنشورات الأكاديمية، والأطر التكنولوجية الغربية. ونتيجة لذلك، تفشل العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي في عكس تنوّع الثقافات والتجارب المعيشة حول العالم، ما يعزّز افتراضات ضارة ويعمّق أوجه عدم المساواة القائمة. فعلى سبيل المثال، قد تتمكّن أداة ذكاء اصطناعي من التعرّف بدقة على مراجع ثقافية غربية، لكنها تعجز عن الاستجابة بشكل هادف لأسئلة متجذّرة في تقاليد محلية أو سياقات غير غربية، ما يعكس محدودية وعيها الثقافي العالمي. ويمتد هذا التحدي ليتعدى الجانب الثقافي وليشمل الجانب اللغوي. فاللغة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة الثقافية والهوية والانتماء المجتمعي، إلا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تفشل في تمثيل هذا التنوع. فمعظم أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المساعدات الافتراضية وروبوتات الدردشة، تعمل بعدد محدود من اللغات واسعة الانتشار، بينما يتم تجاهل اللهجات الإقليمية واللغات الأقل انتشارًا، ما يحدّ من الوصول ويزيد من تهميش الفئات المهمّشة أصلًا. من الواضح إذًا أنه من دون أساس أخلاقي واضح، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في تعميق أوجه عدم المساواة بطرق متعددة. لذلك، يجب أن يُوجَّه استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، أولًا وقبل كل شيء، بمبادئ الشمول والعدالة والفاعلية الإنسانية. ويتطلّب التصدي لهذه التحديات حلولًا منهجية وإنسانية في آن واحد. فمن جهة، يجب تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة تقلّل من التحيّز. ومن جهة أخرى، ينبغي تزويد الطلبة والمعلمين بالمهارات اللازمة للتعامل النقدي مع هذه التقنيات. وتؤكد ديل فيار: “للحد من التحيّز بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي، من الضروري أن تكون البيانات المستخدمة في تدريب

النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) تدين هدم الاحتلال الإسرائيلي لمقر الأونروا في القدس وتحذر من تقويض عمل الوكالة

تعرب النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)عن إدانتها لقيام سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهدم مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس، وتبدي قلقها البالغ إزاء التداعيات الخطيرة لهذا الإجراء، لا سيما في ظل الأزمة المالية غير المسبوقة التي تضطر الوكالة إلى تقليص عملياتها وخدماتها الأساسية. وقد شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في هدم مقر الأونروا في القدس بعد أيام قليلة من إعلان قيادة الوكالة أنها، وبسبب الأزمة المالية الحادة التي تواجهها، اضطرت إلى تقليص أيام عمل مدارسها وعياداتها إلى أربعة أيام أسبوعيًا، في محاولة لتفادي انهيار الوكالة وضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الحيوية المقدمة للاجئين الفلسطينيين. وفي 20 كانون الثاني/يناير 2026، بلغت الحملة الإسرائيلية الممنهجة ضد الأونروا مستوى جديدًا من التحدي العلني للقانون الدولي، حين بدأت الحكومة الإسرائيلية بهدم مقر الوكالة في القدس. ويُذكر أن هذا المجمع، الذي استأجرته الأونروا من حكومة المملكة الأردنية الهاشمية منذ عام 1952، كان يضم مكاتب الوكالة التي أدارت من خلالها عملياتها في الضفة الغربية، إضافة إلى مستودعات رئيسية، ومرافق تخزين مبرد، وورش صيانة للمركبات، ومحطة وقود. ويجري الاستيلاء على هذا المرفق اليوم في خرق واضح للقانون الدولي ولمبدأ حصانة منشآت الأمم المتحدة. وقد قوبل هذا الإجراء بإدانات دولية واسعة، من بينها إدانات المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس، والمفوضة الأوروبية حاجة لحبيب، وغيرهم. ويأتي هذا التطور في سياق سلسلة من الخطوات التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية بهدف تقويض دور الأونروا وطمس هوية اللاجئين الفلسطينيين. ففي 12 كانون الثاني/يناير، اقتحمت القوات الإسرائيلية مركزًا صحيًا تابعًا للأونروا في القدس الشرقية وأمرت بإغلاقه، كما من المقرر قطع إمدادات المياه والكهرباء عن منشآت الوكالة، بما في ذلك المرافق الصحية والتعليمية، خلال الأسابيع المقبلة، تنفيذًا لتشريعات أقرها الكنيست في كانون الأول/ديسمبر، شددت القوانين المعادية للأونروا المعتمدة منذ عام 2024. وقد ساهمت هذه الحملة المستمرة في تعميق الأزمة المالية التي تواجهها الأونروا، ما دفع إدارتها إلى خفض موازنة الموظفين بنسبة 20%. وفي رسالة موجهة إلى الموظفين بتاريخ 14 كانون الثاني/يناير 2026، أشار المفوض العام للأونروا إلى أن هذا الإجراء يُتخذ كخيار أخير للحفاظ على الوكالة وولايتها، مؤكدًا أن الإدارة ستعيد النظر فيه في حال توفر تمويل كافٍ لسد العجز في موازنة برامج عام 2026. وتكمن الإشكالية الأساسية في الأزمة المالية للأونروا في كونها مكلفة بتقديم خدمات عامة الطابع لفئة سكانية شديدة الهشاشة، دون وجود مصادر تمويل مضمونة ومستدامة. فعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تجدد ولاية الوكالة بأغلبية ساحقة كل ثلاث سنوات، إلا أن هذا الدعم السياسي لا يقابله التزام مالي كافٍ لتنفيذ الولاية الممنوحة لها. وبحسب المفوض العام، فإن الأزمة التي تواجهها الأونروا في مطلع عام 2026 تختلف جوهريًا عن أزمات السنوات السابقة، نتيجة تزامن الحملة الإسرائيلية ضد الوكالة مع تعليق التمويل من قبل الولايات المتحدة والسويد، اللتين كانتا تمثلان معًا نحو ثلث موازنة البرامج، إضافة إلى التخفيضات العامة في المساعدات الإنمائية الرسمية خلال عام 2025. وفي هذا السياق، تدعو النهضة (أرض) الأمين العام للأمم المتحدة إلى إحالة الانتهاك الإسرائيلي لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946 إلى محكمة العدل الدولية، باعتباره سابقة خطيرة تمس أسس النظام الدولي. كما تحث المنظمة مجتمع المانحين، بما في ذلك الحكومات العربية، على التحرك العاجل لزيادة مساهماتهم المالية للأونروا، بما يضمن استعادة الخدمات الأساسية واستقرار الوكالة واستمرارية ولايتها.

التعليم تحت القصف: الأمل والصمود في غزة في اليوم الدولي للتعليم 2026

بقلم أبيغيل هاربر متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي يُعدّ شعار «التعليم للجميع» التزامًا تجدّده الأسرة الدولية سنويًا في 24 كانون الثاني/يناير، وهو اليوم الدولي للتعليم. وقد أُقرّ هذا اليوم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 73/25 عام 2018، ليؤكد على الدور المحوري للتعليم في تحقيق المساواة، وبناء القدرة على الصمود، وضمان الأمن والرفاه على المدى الطويل، ولا سيما للمجتمعات التي تعاني من النزوح والعنف وعدم الاستقرار. ومن خلال إحياء هذا اليوم، تسعى الأمم المتحدة إلى رفع مستوى الوعي وتشجيع العمل والاستثمار العالميين لضمان تعليم شامل ومنصف وجيد للجميع. ويؤكد إحياء هذا اليوم سنويًا أن الوصول إلى التعليم ليس مجرد هدف سياسي، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان وركيزة لبناء مجتمعات شاملة. يتزامن اليوم الدولي للتعليم هذا العام مع الجهود العالمية الرامية إلى إعادة بناء البنية التحتية التعليمية في غزة، حيث حُرم 408,000 طفل في سنّ الدراسة (أي ما نسبته 62% من إجمالي السكان) من الوصول إلى أي شكل من أشكال التعليم خلال العامين الماضيين. أما ما تبقى من فرص تعليمية لما يقارب 250,000 طفل، فقد توفّر عبر مساحات تعليمية مؤقتة، بما في ذلك تلك التي تديرها الأونروا، إضافة إلى برنامج التعلم عن بُعد التابع لها. وقد شكّل البدء الرسمي للعام الدراسي في أيلول/سبتمبر في الأرض الفلسطينية المحتلة بداية العام الدراسي الثالث على التوالي الذي يُحرم فيه نحو 658,000 طفل في غزة من حقهم في تعليم كامل. ولا يمكن التقليل من حجم تأثير هذا الحرمان. فقد حذّرت دراسة دولية حديثة أعدّتها جامعة كامبريدج بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من خطر نشوء «جيل ضائع» من الأطفال في غزة. وقد نُشرت الدراسة مطلع عام 2026، وسلّطت الضوء على الحجم الحقيقي لأزمة التعليم في منطقة النزاع. ووفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) حتى 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025، قُتل 18,069 طالبًا و780 من العاملين في قطاع التعليم، وأُصيب 26,391 طالبًا و3,211 معلمًا. إضافة إلى ذلك، تحتاج نحو 92% من مدارس غزة إلى إعادة بناء كاملة نتيجة الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية. وقد خلّف عامان من النزاع في الأرض الفلسطينية المحتلة آثارًا تعليمية وجسدية ونفسية خطيرة على الطلبة والمعلمين، إلى درجة أن إعادة فتح المدارس حتى في ظل وقف إطلاق النار ليست مهمة سهلة. ففي أيلول/سبتمبر، ومع انطلاق العام الدراسي، صرّح المفوض العام للأونروا قائلًا: “اليوم، وبدلًا من العودة إلى المدارس كما يفعل معظم أطفال العالم، سيجد نحو 660,000 فتاة وفتى في غزة أنفسهم ينقّبون بين الأنقاض، يائسين، جائعين، مصدومين نفسيًا، وغالبيتهم فاقدون لأحبّتهم. وكلما طال بقاؤهم خارج المدارس وهم يعانون من الصدمة، ارتفع خطر أن يصبحوا جيلًا ضائعًا، بما يزرع بذورًا لمزيد من الكراهية والعنف” ولا يُعدّ غياب البنية التحتية العائق الوحيد أمام التعليم. فثمة عوامل أخرى تحدّ من الوصول إليه، من بينها الخوف الذي يدفع آلاف المعلمين إلى ترك وظائفهم، أو يمنع الأهالي من إرسال أطفالهم إلى المدارس خشية المخاطر الجسدية التي قد يتعرض لها أبناؤهم أثناء التنقل أو داخل الصفوف الدراسية. وعلى الرغم من هذه المخاطر، تواصل العديد من العائلات إرسال أطفالها إلى المدارس، إدراكًا منها بأن التعليم هو المفتاح لمستقبلهم. وينطبق ذلك على ما يُعرف بـ«المنطقة الصفراء» في غزة، حيث اضطرت العائلات إلى إنشاء «مدارس خيام» بدائية على مقربة خطرة من القوات الإسرائيلية، وغالبًا ما تتعرض لإطلاق نار، ما يجبر الأطفال على وقف تعلمهم والاستلقاء أرضًا إلى أن يتوقف القصف. وفي هذا السياق قال بيتر سلامة، المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: “إن الأثر المدمّر للنزاع يطال الأطفال في مختلف أنحاء المنطقة. فالأمر لا يقتصر على الدمار المادي الذي يلحق بالمدارس، بل يشمل أيضًا اليأس الذي يشعر به جيل كامل من التلاميذ الذين يرون آمالهم ومستقبلهم يتحطمان”. ومن المهم التأكيد على أن تدمير البنية التحتية التعليمية ليس مجرد أثر جانبي للنزاع. فـالإبادة التعليمية (Scholasticide) أي التدمير المنهجي والمتعمّد للنظام التعليمي في منطقة ما، تُعد جزءًا من خطة طويلة الأمد لمحو المعرفة والثقافة الفلسطينية، وتقويض قدرة الناس على إعادة البناء، ماديًا وفكريًا. وقد أعرب خبراء الأمم المتحدة في نيسان/أبريل 2024 عن قلقهم إزاء نمط الهجمات التي تستهدف المدارس والجامعات والمعلمين والطلبة، داعين الأطراف إلى الالتزام بالتدابير التي أمرت بها محكمة العدل الدولية في كانون الثاني/يناير. ومع ذلك، وبعد أكثر من عام ونصف، لم يبذل المجتمع الدولي سوى القليل لمنع القوات الإسرائيلية من استهداف المرافق التعليمية في محاولة لإعاقة التطور الثقافي والفكري لجيل كامل من الغزيين. وحتى في 6 كانون الثاني/يناير الماضي، أُصيب أحد عشر طالبًا فلسطينيًا بجروح عندما داهمت القوات الإسرائيلية حرم جامعة بيرزيت شمال رام الله، وأطلقت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع. ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك بعض بواعث الأمل. فالمبادرات الرائدة، مثل برنامج «التعلّم الأفضل» المموّل من مبادرة “التعليم لا ينتظر Education Cannot Wait“، تجمع بين المعلمين ومقدمي الرعاية والمرشدين النفسيين لتهيئة بيئات تعليمية آمنة وداعمة تساعد الأطفال على التكيّف. ويُسهم الجمع بين التعليم الأساسي، بما في ذلك اللغة العربية والرياضيات، وأدوات علاجية مثل تمارين التنفس، وسرد القصص، والرسم الموجّه، في مساعدة الأطفال على معالجة الصدمات والتوتر، واستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية، وبث الأمل. وخلال وقف إطلاق النار مطلع عام 2025، أُعيد فتح المدارس بسرعة لافتة. ففي أيلول/سبتمبر، وعلى الرغم من التحديات الهائلة، تقدّم 28,200 طالب في غزة لامتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) عبر الإنترنت. وقد وصف أحد المعلمين تحقيق هذا الإنجاز بأنه «معجزة»، في شهادة على الصمود الاستثنائي للشباب الفلسطينيين. كما ظهرت مؤشرات إيجابية في مجال التعليم العالي. ففي نهاية كانون الأول/ديسمبر، أُقيم حفل تخرّج لـ170 طبيبًا جديدًا في بقايا مستشفى الشفاء بمدينة غزة. وعلى الرغم من الدمار الواسع، حيث دُمّرت معظم مباني المستشفى ومعداته أو أصبحت غير صالحة للاستخدام نتيجة الهجمات الإسرائيلية خلال الإبادة، اجتمع الأصدقاء والعائلات للاحتفال بهذا الإنجاز، وهو الحصول على شهادة المجلس الطبي الفلسطيني، أعلى شهادة تخصص طبي في الأرض الفلسطينية المحتلة. وتُظهر هذه النجاحات أن الأمل لا يزال حاضرًا في غزة. ومع ذلك، ما تزال ثلاثة تحديات رئيسية تعيق وصول الطلبة إلى التعليم: المخاطر الأمنية، ونقص البنية التحتية، والنقص الحاد في أعداد المعلمين، وهي مشكلات تتفاقم بفعل استمرار النزاع. ولم توضح الإعلانات الأخيرة المتعلقة بـ«مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس ترامب ما إذا كانت هناك خطط لمعالجة هذه العقبات في إطار إعادة بناء النظام التعليمي في غزة. ومع ذلك، يظل التوصل إلى اتفاق سلام دائم ومستدام الخطوة الأولى والأساسية لتحقيق هذا الهدف. وعندها فقط يمكن حشد الموارد الضخمة اللازمة لمعالجة الآثار الجسدية والنفسية للنزاع، وإتاحة الفرصة أمام المدارس والمعلمين والطلبة للتعافي. وحتى ذلك الحين، تبقى المنظمات الخيرية وشبكات المتطوعين المحليين التي توفر مساحات

تحقيق حق العودة الفلسطيني في زمن الإبادة الجماعية والتشريد

مقدمة تتناول هذه المقالة التحليلية حق العودة الفلسطيني لا باعتباره مبدأ قانونيًا في المواثيق الدولية وحسب، بل لكونه ركيزة أساسية في نضال طويل ضد الاستعمار من أجل الأرض، والانتماء والمخيلة السياسية. كذلك، تجادل المقالة بأن أفضل فهم لحق العودة هو أنه مطلب عدالة ينبع من تعلق السكان الأصليين بالمكان، وبوجوده في الذاكرة الجماعية، وفي رؤى مستقبلية بعيدة عن الاستعمار، وليس باعتباره “قضية وضع نهائي” تكنوقراطية تُؤجل إلى نهاية المفاوضات.   تنطلق هذه الحجة من ثلاث ملاحظات مترابطة: أولاً، عندما يُركز المرء على الدراسات والممارسة السياسية الفلسطينية والعربية، لا يبرز حق العودة باعتباره مطلبًا إنسانيًا عالقًا، بل على أنه عنصر أساسي ضمن أي نظام عادل في فلسطين بعد الاستعمار. أصر مؤلفون مثل سلمان أبو ستة، ونور مصالحة، وروز ماري صايغ، وكرمة النابلسي، وليلى فرسخ على أن العودة غير قابلة للتصرف، سواء أكانت جماعية أم فردية، مع ارتباطها هيكليًا بمسائل السيادة، والمواطنة والتعويض (أبو ستة 1997؛ 2005؛ 2016؛ مصالحة 1992؛ صايغ 1979؛ النابلسي 2006؛ فرسخ 2021). ثانيًا، من الواجب قراءة الوضع الحالي -الذي يتميز بمرحلة أكثر وحشية من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والعنف الاستعماري في الضفة الغربية مع القمع المنسق للفلسطينيين في 48، بالإضافة إلى الاعتقالات التعسفية والتهديد بترحيل العديد من الفلسطينيين في مختلف مناطق الشتات -على أنه جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد يهدف إلى محو الفلسطينيين من أرضهم وجعل العودة مستحيلة من الناحية المادية، والمؤسسية والخيالية. نزح أكثر من 90% من سكان غزة مرة واحدة على الأقل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ وتضرر أو دُمر ما يقرب من 92% من المنازل والمنشآت الأخرى (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 2024-2025؛ الأونروا 2024-2025)، ما يعني أن هذه ليست أزمات إنسانية معزولة، بل اعتداءات هيكلية على السكان المتمسكين بحق العودة. ثالثًا، تمثل مخططات الهجرة القسرية المعاصرة، بما في ذلك الرحلات الجوية المستأجرة الأخيرة التي تنقل الفلسطينيين من غزة إلى جنوب إفريقيا ودول ثالثة أخرى بموجب ترتيبات غامضة ومدفوعة، شكلًا جديدًا من أشكال التهجير القسري. تشير التحقيقات التي أجرتها السلطات في جنوب إفريقيا ووسائل الإعلام الدولية إلى أن هذه الرحلات الجوية -التي ينظمها كيان غامض يُعرف باسم المجد أوروبا- تطلب من الفلسطينيين دفع مبالغ كبيرة لمغادرة غزة، وقد تشكل جزءًا من جهود أوسع نطاقًا “لإفراغ” القطاع من سكانه تحت غطاء إنساني (لوموند 2025؛ الجزيرة 2025؛ وكالة الأناضول 2025؛ فاينانشال تايمز 2025)، كما أن هذه المخططات تستهدف حاملي حق العودة على نحو مباشر. وفي الوقت نفسه، تتعرض البنية التحتية المؤسسية للاجئين الفلسطينيين –الأونروا- لهجوم متصاعد. وتُفسر المنظمات الفلسطينية والإقليمية على نطاق واسع عمليات تعليق التمويل، والتشريعات الإسرائيلية التي تحظر الأونروا في جميع أنحاء فلسطين التاريخية، وعمليات الإخلاء القسري من المباني في القدس الشرقية المحتلة على أنها محاولات لمحو اللجوء بوصفه فئة قانونية تحظى بالاعتراف (منظمة النهضة (أرض)  2024؛ بديل 2025). لذا، فإن السؤال الذي تسعى هذه المقالة إلى معالجته لا يتركز في مجرد ما إذا كان حق العودة الفلسطيني موجودًا في القانون الدولي -وهي نقطة جرى تحليلها على نطاق واسع في مكان آخر  (ألبانيز وتاكغنبرغ 2020) – ولكن حول سؤال كيف يمكننا التفكير في تحقيقه الآن، في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون للقتل والتشريد والتشتت على نطاق واسع، وفي وقت تتعرض فيه الأطر المؤسسية التي اعترفت باللاجئين ودعمتهم عبر التاريخ إلى هجوم متواصل. يعيد القسم الأول بناء طرق تصور حق العودة في الفكر الفلسطيني والعربي باعتباره مبدأ مناهضًا للاستعمار. أما القسم الثاني، فيتناول الإبادة الجماعية في غزة والأشكال الجديدة من الهجرة القسرية بوصفها تعبيرات معاصرة عن مشروع إبادة طويل الأمد. ويتناول القسم الثالث الحرب على الأونروا باعتباره صراعًا على البنية التحتية الخاصة باللاجئين أنفسهم. ويتأمل القسم الرابع في دور القانون الدولي المتناقض، الذي يعمل موردًا ومقيدًا في آن واحد. ويستعرض القسم الأخير بعضًا من عناصر ما قد يعنيه “إعمال حق العودة” عمليًا، بما يتجاوز مجرد حدث دبلوماسي واحد. تعتمد المقالة، في جميع جوانبها، منظورًا قائمًا على العدالة ونزعة إنهاء الاستعمار، يتعامل بدوره مع القانون الدولي على أنه واحد من عديدٍ من القوانين الأخرى، بدلًا من أن يكون حكم الشرعية الوحيد أو النهائي.   حق العودة باعتباره مبدأ مناهضًا للاستعمار   يتناول الباحثون الفلسطينيون والعرب حق العودة في المقام الأول من خلال تجربة الطرد والتشبث الدائم بالأرض، لا من خلال قراءات مجردة في نصوص المعاهدات.   1.1 المناهج التحليلية: المشروع الاستعماري الاستيطاني وأهمية العودة السياسية والمادية يُعد عمل سلمان أبو ستة نموذجيًا في هذا الصدد. فعلى مدى عقود، أعاد بناء جغرافية النكبة، ورسم خرائط لأكثر من 500 قرية وبلدة مهجّرة، ووثّق أراضيها، وحلل استخداماتها الحالية. وعلى هذا الأساس، يُجادل بأن حق العودة الفلسطيني “مقدس وقانوني وممكن”: مقدس لأنه متأصل في علاقة أصيلة بين شعب وأرضه؛ وقانوني لأنه يرتكز على فروع متعددة من القانون الدولي؛ وممكن، لأن التوزيع المكاني للسكان الحاليين في فلسطين التاريخية يسمح بالعودة على نطاق واسع دون إعادة إنتاج طرد الآخرين الجماعي (أبو ستة 1997؛ 2005؛ 2016). في قراءته، فإن التأكيد الشائع على أن العودة “مستحيلة ديموغرافيًا” ليس بيانًا تجريبيًا بقدر ما هو أيديولوجي: ليست القدرة المادية هي المسألة الواقعة على المحك وإنما رفض التخلي عن مشروع الهندسة الديموغرافية الذي يميز الاستعمار الاستيطاني. يسلط عمل نور مصالحة الضوء على هذا الهيكل الاستعماري، ففي طرد الفلسطينيين (1992)، يتتبع فكرة “الترانسفير” -أي محو السكان الأصليين من فلسطين- باعتباره موضوعًا مستمرًا في الفكر السياسي والتخطيط الصهيوني منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا. من هذا المنظور، فإن عمليات الطرد عام 1948 ليست نتائج عرضية للحرب ولكنها تنفيذ مخطط طويل الأمد. بعد عام 1948، عملت سياسات الإنكار -رفض مصطلح “النكبة”، وإنكار المسؤولية، والإصرار على أن اللاجئين مشكلة إنسانية خارجية- على تثبيت النظام الديموغرافي الجديد. ويبدو حق العودة، في هذا السياق، رفضًا مباشرًا للترحيل، بما يعني إصرارًا على أن يظل أولئك الذين كان من المفترض إبادتهم أو جعلهم يعيشون في الخارج على الدوام، سكان الأرض الشرعيين. إذا كان أبو ستة ومصالحة قد وضعا الأرض والتخطيط في المقدمة، فإن روايات روزماري صايغ الشفوية الكلاسيكية تركز على تجربة المنفى الذاتية. من خلال عملها في مخيمات لبنان وسوريا، توثق كيف اعتبر اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم، منذ الخمسينيات فصاعدًا، شعبًا في منفى سياسي، وليس “ضحايا حرب” عاديين (صايغ 1979). لقد اعتبروا مشاريع “الدمج” أو “إعادة التوطين” في المجتمعات العربية المضيفة محاولاتٍ لنزع الطابع السياسي عن وضعهم وقطع علاقتهم بأماكنهم الأصلية. وهكذا، أصبحت المخيمات، على الرغم من هشاشتها، مساحاتٍ تُحفظ فيها العودة باعتبارها أفقًا سياسيًا، يُنقل عبر القصص والطقوس والإشارات اليومية إلى القرى والمدن المفقودة. تُوسّع كرمة النابلسي هذا التحليل من الذاكرة إلى التمثيل. ففي بحثها حول مفاهيم اللاجئين السياسية، تجد أن اللاجئين يميلون إلى التعبير

صحة نساء غزة النفسية في ظل الإبادة الجماعية

بقلم نرمين وليد حسين مع إحياء اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يُحتفل به عالميًا في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر، يغدو من الضروري إبراز أهميته بالنسبة لأولئك الذي يعانون في مناطق الصراع. في الواقع، تُخلّف الحروب جروحًا تتجاوز الإصابات الجسدية بكثير، وبذا تترك ندوبًا دائمة في الصحة النفسية قد تدوم مدى الحياة. منذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023، قُتل أكثر من 67 ألف فلسطيني، 70% منهم من النساء والأطفال. ومن بين القتلى ما لا يقل عن 20 ألف طفل، بمعدل طفل يُقتل كل ساعة على مدار الـ 24 شهرًا الماضية. ومع ذلك، يبقي العدد الحقيقي مجهولًا، ومن المُرجّح أن يكون أعلى من ذلك بكثير، إذ لا تشمل بيانات الوفيات الرسمية الأشخاص الذين لقوا حتفهم تحت الأنقاض أو من هم في عداد المفقودين. ومع ذلك، تتجاوز الخسائر العاطفية والنفسية الناجمة عن هذا الصراع ما هو أبعد من الإصابات الجسدية، لتتجلى في أزمة الصحة النفسية التي تحمل أبعادًا مثيرة للقلق، والتي تفاقمت جراء الدمار الواسع النطاق وغير المسبوق الذي طال المنازل والبنية الأساسية، وانهيار الخدمات، وفقدان موارد الغذاء والمياه. تتحمل نساء غزة عبئًا غير متناسب. فقد تأثرت صحتهن النفسية بشدة، وتُظهر الدراسات معاناة  أكثر من 75% منهن من القلق والاكتئاب المزمنين. وكثيرًا ما يُبلغن عن شعورهن بالخوف والإرهاق، مع محدودية فرص الحصول على دعم الصحة النفسية، واضطرارهن إلى التعامل مع الضائقة النفسية بمفردهن وفي عزلة. وقد تآكل شعور النساء بالاستقرار على نحو ملحوظ جراء النزوح واكتظاظ الملاجئ، ففاقم الافتقار إلى الخصوصية، والضروريات الأساسية والسلامة في هذه الظروف من ضائقتهن النفسية، إضافة إلى زيادة مسؤولياتهن من حيث تقديم الرعاية، كما ترد بلاغات منهن مفادها التضحية بصحتهن لرعاية أسرهن، وغالبًا ما يكنّ هنّ مقدمات الرعاية الأساسيات أو الوحيدات لأطفالهن. من جهة أخرى، يخلق الجوع، إلى جانب العجز عن توفير الطعام لأحبائهن، عبئًا نفسيًا يصعب تحمله. علاوة على ذلك، أدى التعرض المستمر للعنف والفقد إلى تفاقم صدمتهن، المصنفة على أنها اضطراب صدمي مستمر معقد؛ نظرًا لطبيعتها المزمنة التي لا هوادة فيها. كما سببت الحرب تعطيل الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الإنجابية الأساسية إلى حد كبير، إذ لم تعد أبسط الضروريات مثل منتجات النظافة الشهرية متاحة بسهولة، ما يسلط الضوء على طبيعة الوضع الإنساني الكارثية. وغالبًا ما تلجأ النساء إلى حلول مؤقتة يعانين بسببها من التهابات شديدة نتيجة نقص النظافة أو المياه النظيفة ببساطة. فضلًا عن ذلك، فمع تدمير أكثر من 85% من مرافق الرعاية الصحية، أُجبرت النساء أيضًا على الولادة في ملاجئ مكتظة تفتقر إلى الرعاية الطبية المناسبة في الغالب، ومن ثم جرى تسريح العديد منهن بعد ساعات فقط من الولادة، الأمر الذي أدى إلى إصابتهن بمضاعفات خطيرة. تشير التقارير إلى زيادة كبيرة في حالات الإجهاض (حوالي 300%) المرتبطة بالصدمات وعدم كفاية الرعاية المقدمة لهن، إضافة إلى خسارة المواليد بسبب الإجهاد، وسوء التغذية، ونقص المساعدة الطبية والإمدادات الطبية الأساسية. إن العجز عن الوصول إلى الحقوق الصحية الأساسية لا يمثل تحديًا لرفاه الفرد فحسب، بل يهدد حقوق السكان بأكملهم. وقد يُصنّف استهداف الاستقلالية الإنجابية المنهجي، بالإضافة إلى حرمان النساء من الرعاية الصحية الإنجابية الأساسية، عنفًا إنجابيًا بموجب القانون الدولي. فمن قصف مستشفيات الولادة وعيادات الخصوبة، إلى الولادات القسرية في الخيام والعمليات الجراحية التي تجري دون تخدير، يُستخدم هذا النوع من العنف سلاحًا للهيمنة والمحو، وينبغي للمحكمة الجنائية الدولية الاعتراف بهذه الأفعال وملاحقتها قضائيًا باعتبارها أشكالًا من الاضطهاد. رغم هذه العقبات الهائلة، تُظهر النساء في غزة قدرةً هائلةً على الصمود، إذ يدعمن أسرهن ومجتمعاتهن من خلال مجموعةٍ من الاستراتيجيات الاجتماعية والمجتمعية، كالاعتماد على شبكات أسرية ومجتمعية قوية، والانخراط في الممارسات الدينية والروحية، حتى في أحلك الظروف. وتكشف التقارير الواردة من الميدان عن أساليب التأقلم التكيفي، بما في ذلك قصص أمهاتٍ ينظمن أنشطةً تعليميةً لأطفالهن أو يعملن ضمن شبكات مجتمعية لتقديم الدعم في مجال الصحة النفسية. كما تستخدم بعض النساء أساليب رسميةً مثل مجموعات دعم الأقران، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي المهني، والتدخلات المُكيفة ثقافيًا، بما يخلق مساحاتٍ آمنة لعلاج القلق والمخاوف. إن هذه القدرة على الصمود دليلٌ على قوتهن والدور الحاسم الذي يلعبنه في إعادة بناء المجتمع. وبهذه الطريقة، فهن يُجسدن حرفيًا روح الصمود الفلسطينية ويشاركن في إعادة بناء الشعور بالحياة الطبيعية وسط الفوضى. بينما نحتفل بالذكرى الخامسة والعشرين لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، بهدف إعلاء أصوات النساء العربيات وقيادتهن في جهود بناء السلام، يغدو علينا أن ندرك أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه دون معالجة التحديات الفريدة التي تواجهها النساء في مناطق النزاع. لقد أظهرت نساء غزة قوة ملحوظة في مواجهة الشدائد، وكثيرًا ما تولّين أدوارًا قيادية في مجتمعاتهن. وفي ضوء الخطوات السياسية الأخيرة نحو السلام في غزة، فإن من الواجب علينا دعم صوت المرأة الغزية وإعلاء شأنه. إن تعزيز حقوق المرأة الغزية يتجاوز مجرد مناصرتها؛ بل يشمل العمل الجاد على تهيئة مساحات تُسمع فيها أصوات النساء الغزيات وتُحترم، وذلك لمنحهن فرصة التعافي، بما يعني الاستثمار في موارد الصحة النفسية المتاحة والمراعية للثقافات، الأمر الذي يُمكّن النساء من الحصول على الدعم اللازم للتعافي والازدهار. فعند منح صحة المرأة النفسية الأولوية، فإنها تصبح أكثر قدرة على دعم أسرها ومجتمعاتها، ما يُمهّد الطريق لمجتمع يتمتع بالمزيد من السلام والعدل.

استحقاق المستقبل: المرأة، السلام، والعدالة في العالم العربي

ARDD campaign 1325

النهضة (أرض) تطلق حملة بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للقرار 1325 و في أطار 16 يوما لمناهضة العنف ضد المرأة: تأكيداً لدور المرأة الرائد في بناء السلم وتعزيز العدالة والحوار عمّان — تُحيي النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لصدور قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والأمن والسلام، وذلك في إطار الـ 16 يوماً من النشاط لمناهضة العنف ضد النساء، مجددةً دعوتها للعمل من أجل دعم حقوق المرأة العربية وتعزيز دورها وقيادتها في بناء السلام وتحقيق العدالة في المنطقة. لقد كان القرار 1325، الصادر قبل خمسةٍ وعشرين عاماً، أحد أكثر الالتزامات الدولية طموحاً ورؤية، إذ أقرّ بأن السلام لا يمكن تحقيقه أو استدامته دون مشاركة المرأة الفاعلة. ومع ذلك، وفي ظل استمرار الحروب والنزوح التي تمزّق المجتمعات، تواجه المنطقة اليوم تحدياً آخر يتمثل في تطبيع العسكرة بوصفها تجارة. وإذ تحذر النهضة (أرض) من تحويل الحروب والنزاعات إلى مصالح وأسواق — حيث تُستبدل أفكار السلام بصفقات السلاح، وحيث تقوّض العسكرة أسس السلام ذاته. تدعو المنظمة جميع الأطراف المعنية إلى إنهاء ممارسات الاتجار بالعسكرة، وفتح قنوات حقيقية للحوار والصلح والتعاون، قائمة على كرامة الإنسان قبل أي مكاسب سياسية أو اقتصادية. واحتفاءً بهذه المناسبة، وانسجاماً مع حملة 16 يوماً تطلق النهضة (أرض) حملتها الإقليمية بعنوان “استحقاق المستقبل: المرأة، السلام، والعدالة في العالم العربي“، لتسلّط الضوء على نضالات وإنجازات النساء في مناطق النزاع وخارجها، وتؤكد التزامها الراسخ بضمان قيادة النساء لجهود السلام والعدالة والتعافي. حيث أكدت سمر محارب، المديرة التنفيذية للمنظمة: “إن القرار 1325 ليس مجرد قرار أممي، بل هو بوصلة أخلاقية تذكرنا بأنه لا يمكن لأي أمة أن تبني السلام من خلال العسكرة أو الإقصاء. وندعو العالم إلى الوقوف إلى جانب النساء العربيات — من غزة إلى السودان وسوريا واليمن — اللواتي يواصلن الصمود دفاعاً عن السلام والعدالة والإنسانية. فشجاعتهن ترسم الطريق نحو منطقة قائمة على الحوار والتضامن والأمن المشترك.” وأضافت: “علينا أن نستثمر في التمكين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للنساء بوصفه جزءاً لا يتجزأ من استقرار المنطقة، لأن قيادة المرأة ليست مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق سلام عادل ومستدام.” أهداف الحملة من خلال هذه الحملة، تدعو النهضة (أرض) الحكومات والشركاء الدوليين ومنظمات المجتمع المدني إلى: تعزيز المشاركة والقيادة الفاعلة للنساء في مفاوضات السلام والعدالة الانتقالية وعمليات إعادة الإعمار؛ إنهاء عسكرة الاقتصادات وإعلاء شأن الحوار والدبلوماسية والاستثمار الاجتماعي؛ ضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحق النساء والفتيات في مناطق النزاع؛ و الاستثمار في التمكين الاقتصادي والسياسي والمدني للنساء كأساس لتحقيق السلام المستدام. هذه الحملة هي احتفاء وتذكير في آن واحد —  بأن السلام لا يُبنى بالقوة، بل بالمشاركة، وأن مستقبل المنطقة مرهون بتفكيك أنظمة العنف وإعادة المساحات التي تُسمِع فيها النساء أصواتهن لبناء سلامٍ عادلٍ ودائم. أنشطة وفعاليات الحملة في إطار الحملة، ستنظم النهضة (أرض) من خلال برامجها ومركز النهضة الاستراتيجي وبالتعاون مع شبكاتها وشركائها، مجموعة متنوعة من الأنشطة التي تجمع بين البحث والحوار والمناصرة، وتشمل: ندوة:“إعادة تعريف السلام والتحرير: المرأة الفلسطينية والنسوية العالمية“ — 6 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تقدمها الدكتورة مريم أبو سمرة، الباحثة الرئيسة ومنسقة مركز النهضة الاستراتيجي – أرض. جلسة حوارية: “خيارات عادية لتأثير استثنائي: النساء في المالية والقيادة“ — 7 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بمشاركة معالي خلود السقاف، وزيرة الاستثمار السابقة، والدكتور عدلي قندح، الخبير الاستراتيجي في الاقتصاد. إطلاق مجموعة من موجزات السياسات والتقارير التي تسلط الضوء على المشاركة السياسية والمدنية للشباب والنساء ودورهم في القيادة وبناء السلام في المنطقة ضمن مشاريع جيل جديد وهي تقود وغيرها. فعالية لإطلاق تقرير المنظمة ومركز النهضة حول العنف الرقمي الموجه ضد النساء في الأردن تدريبات وجلسات توعوية قانونية، ومدونات، ومقالات تحليلية ومنتجات إعلامية تبرز دور المرأة وفاعليتها في القيادة وبناء السلام والتحول الاجتماعي في السياقات العربية المختلفة. لقاء 25 عامًا من العمل وأجندة المرأة والأمن والسلام: قيادة النساء المحلية للاستجابة للأزمات وتعزيز التماسك الاجتماعي والاطلاق الرسمي لمشروع تواصل في تشرين الثاني/نوفمبر مشاركات وتمثيلات متنوعة في فعاليات وطنية ودولية خلال فترة الحملة من 6 تشرين الأول/أكتوبر حتى  10 كانون الأول/ديسمبر 2025. تهدف هذه الأنشطة إلى تعزيز التضامن، ورفع أصوات النساء والشباب، وتعزيز ثقافة الحوار الشامل والمسؤولية المشتركة من أجل السلام والعدالة. وستواصل النهضة (أرض) مشاركة الفعاليات والأنشطة لاحقاً خلال فترة الحملة، لتواصل تسليط الضوء على قيادة النساء في تعزيز السلام والعدالة والمساواة في المنطقة العربية.

مبادرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للديمقراطية والتنمية (أرض–أوروبا): من الاعتراف الرمزي إلى العمل من أجل فلسطين

قد يتحول الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى مجرد إلهاء إذا لم يُتبع بخطوات عملية. فالإجراءات لرمزية لا يمكن أن تحلّ محل العمل الجدي من أجل فلسطين، لأن الاعتراف بدولة على الورق لا يعني شيئًا بينما يُدمَّر شعبها وتضمّ أراضيها باستمرار. ترحب أرض – أوروبا بحرارة بازدياد عدد الدول الأوروبية التي اتخذت الخطوة التاريخية المتمثلة بالاعتراف بدولة فلسطين. فقد انضمت فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وموناكو والبرتغال إلى السويد وإيرلندا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا في تأكيد سيادة فلسطين، إلى جانب المملكة المتحدة وكندا وأستراليا. ومع هذه الاعترافات، لم تعد أوروبا متفرجًا، بل أصبحت ساحة حاسمة في النضال لتحويل الاعتراف إلى عدالة ومساءلة وحق في تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وفي الوقت الذي ترحب به أرض -أوروبا فيه بهذه الخطوات، تؤكد أن الاعتراف يجب أن يكون سياسة لا مجرد موقف؛ فهو يحمل التزامات ملموسة على الدول الثالثة، ويجب أن يقترن بإجراءات تحمي المدنيين، وتنهي الممارسات غير المشروعة، وتساهم في تحقيق العدالة والمساءلة، وتدعم القانون الدولي بشكل عام. غير أن التوتر الأساسي يكمن هنا: أوروبا تتحرك، لكن الاتحاد الأوروبي ككل لا يتحرك. ففي حين تعترف أعداد متزايدة من أعضاء الاتحاد بفلسطين، ما زالت دول أخرى، منها ألمانيا وإيطاليا وهولندا والمجر، مترددة، مما يترك الاتحاد منقسمًا في لحظة حاسمة. ويعكس هذا التردد نمطًا أوسع: إذ غالبًا ما كان الاتحاد الأوروبي، كمؤسسة، يتصرف برد فعل بدلًا من الالتزام بالمبادئ، مكتفيًا بإدانات متأخرة ونداءات إنسانية قصيرة المدى في مواجهة العدوان الإبادي على غزة والتوسع الاستعماري المستمر في الضفة الغربية. منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وغزة تتعرض للتطهير العرقي والتدمير على نطاق كارثي. وقد أكدت التدابير المؤقتة التي أصدرها محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل (26 كانون الثاني/يناير، 28 آذار/مارس، 24 أيار/مايو 2024) وجود خطر معقول بارتكاب جريمة إبادة جماعية، وفرضت التزامات ملزمة على جميع الدول. كما عززت أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (تشرين الثاني/نوفمبر 2024) مبدأ أن المساءلة لا يمكن تأجيلها. لقد ضغطت الشعوب والمحاكم والبرلمانات الأوروبية على حكوماتها للتحرك. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات، مثل الاعتراف الآن، لن تكون ذات معنى إلا إذا رُفعت إلى مستوى الاتحاد الأوروبي، بحيث تتحول الإجراءات المعزولة إلى سياسة أوروبية متماسكة للعدالة والمساءلة. وفيما يخص الاستعمار، ورغم الأحكام القانونية الواضحة الصادرة عن أعلى محكمة في العالم، تأخر الاتحاد الأوروبي في اتخاذ تدابير حاسمة. فقد فشل في اعتماد حظر منسق على السلاح، وفي فرض حظر على منتجات المستوطنات واستثماراتها، وفي التنفيذ الكامل للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 وقبوله من الغالبية الساحقة للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2024، والذي يلزم الدول بعدم الاعتراف أو المساعدة في ضم إسرائيل غير المشروع للأراضي الفلسطينية وغيرها من أفعالها غير المشروعة دوليًا. وحتى الآن لم يحظر الاتحاد الأوروبي تجارة المستوطنات، ولم يعلّق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل، ولم يوقف نقل الأسلحة والتكنولوجيا التي ترسخ الضم. هذا الفارق بين الاعتراف والمسؤولية يقوّض مصداقية أوروبا ويضعف أثر كلماتها. إن الاعتراف بفلسطين، بالنسبة لأوروبا والاتحاد الأوروبي، في هذه اللحظة التي تشهد أسوأ إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين، هو اختبار لإرادة الدول في الدفاع عن المبادئ التي تعلنها: عالمية وشمول حقوق الإنسان، وسيادة القانون، ورفض الإفلات من العقاب. فإذا اقترن الاعتراف بسياسات وإجراءات ملموسة كالحظر والعقوبات وأدوات المساءلة الأخرى، إلى جانب دعم حقيقي للحكم الفلسطيني، يمكن لأوروبا أن تسهم في ترجيح كفة العدالة. أما إذا لم يحدث ذلك، فإن دورها على الساحة العالمية قد يتلاشى إلى العدم.   تمثل أرض -أوروبا إطارًا استراتيجيًا تقدميًا يهدف إلى تعميق الفهم وتعزيز التعاون بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.حيث تسهم في تناول التحديات الإقليمية والعالمية الملحة في سياق التحولات المجتمعية والجيوسياسية السريعة. تأسست أرض -أوروبا في بروكسل، بلجيكا عام 2024 من قبل النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، وتسعى إلى بناء شراكات استراتيجية تدفع نحو الاستقرار  والتنمية المستدامة عبر هذه المناطق المترابطة.

إرادة لا تُهزم: طلبة التوجيهي في مخيمات اللجوء السوري يواجهون التحديات بالنجاح

“كنت أدرس على ضوء مصابيح صغيرة عند انقطاع الكهرباء.. الإصرار كان السلاح الأقوى للنجاح.” بهذه الكلمات يلخص الطالب مهند (اسم مستعار) من مخيم الزعتري رحلته مع امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، موضحاً في جملة واحدة أمل مئات الطلبة من اللاجئين السوريين الذين وجدوا في التعليم ملاذاً أخيراً للتمسك بالمستقبل. وسط هذه الظروف، يواصل مئات الطلبة السوريين دراستهم بإصرار لافت، وما زالوا ينجحون في تحويل التحديات إلى قصص إنسانية تلهم الآخرين، وتعيد التذكير بأن التعليم هو نافذة الأمل الأخيرة في وجه اللجوء الطويل، وأن النجاح يتحقق بالتعليم رغم واقع اللجوء وضغط الظروف الاقتصادية. ولعل أبرز ما يميز هذه النجاحات هو أن كل قصة تحمل في طياتها رسالة أمل وصمود، لتؤكد أن التعليم ليس مجرد تحصيل أكاديمي، بل فعل مقاومة يومي ضد اليأس. في إطار رسالتها الهادفة إلى النهوض بالحق في التعليم كأحد الركائز الأساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية، تعمل منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، على متابعة شاملة لمنظومة التعليم في الأردن، من خلال التحالف الوطني لمستقبل التعليم في الأردن (نافع) الهادف لتعزيز فرص التعليم النوعي والشامل، واستراتيجيتها الخاصة بالتعليم التي أطلقتها لضمان حق الوصول إلى التعليم الجيد، وتوفير فرص التعلم المستمر للجميع باعتبارها ركائز أساسية للتخفيف من حدة الفقر وتمكين التحول الاجتماعي المستدام. كما عملت المنظمة على تعزيز الوصول إلى التعليم الشامل، من خلال تنفيذ مشاريع مثل “الاستثمار في المستقبل”، “التعليم من أجل المستقبل”، و”تعزيز التعلم لتحسين فرص الحياة للطلبة في الأردن”، فضلاً عن مبادرات عديدة مثل “تمكين بعضنا البعض”، و“وصول الاطفال الشامل للعدالة”، و”حقنا” وغيرها، حيث استهدفت المنظمة الفئات الأقل حظاً، بما في ذلك اللاجئين والأطفال من ذوي الإعاقة. قصص نجاح من المخيمات تختبئ قصص إنسانية مفعمة بالإصرار. طلاب وطالبات من مخيمات الأزرق والزعتري ومريجيب الفهود لم يتوقفوا عند حدود الصعوبات اليومية، بل حوّلوها إلى دوافع للمثابرة والنجاح. من بين هؤلاء، سيدرا (اسم مستعار) التي تؤكد أن “الطريق لم يكن سهلاً”، مضيفة: “في كثير من الأيام شعرت بالتعب، لكن الدعم النفسي من عائلتي ومعلماتي كان الحافز الأكبر للاستمرار. لم أنجح لنفسي فقط، بل لأثبت أن الفتاة في المخيم قادرة على تحقيق أحلامها مهما كانت الظروف”. فيما ذهبت رهام (اسم مستعار)، بالإشارة إلى أن “امتحان التوجيهي لم يكن مجرد محطة أكاديمية بالنسبة لي، بل بداية لمسيرة أطول. أريد أن أخدم مجتمعي وأكون جزءاً  من التغيير، خاصة للفتيات اللواتي يعتقدن أن الفرص بعيدة المنال”، مؤكدة على أن النجاح أعطاها ثقة أكبر بأن التعليم هو السبيل الوحيد لكسر دائرة التحديات التي نعيشها يومياً. من جهته، رأى محمود (اسم مستعار) أن النجاح لم يكن إنجازاً شخصياً فقط، بل هدية لعائلتي التي ضحت بالكثير من أجلي.. أردت أن يشعروا أن كل ما تحملوه لم يذهب سدى”. بينما يصف  نزار (اسم مستعار) حالة التحدي والإصرار التي عاشها أثناء دراسته، بالقول: “كنت أقول لنفسي دائماً: إذا لم أصنع مستقبلي بنفسي، فلن يصنعه أحد لي. نجاحي لم يكن مجرد فرحة شخصية، بل رسالة لكل من يظن أن حياة المخيم تعني نهاية الطموح. بالعكس، هي البداية التي من خلالها نتعلم الصبر ونصنع الأمل”. فيما أوضح عبد الجبار (اسم مستعار) “أنه كثيراً ما واجه التعب والإرهاق، لكن صورة عائلته وهي تنتظر نجاحه كانت تدفعه للاستمرار”، مبيناً أن “النجاح دليل على أن الجهد لا يضيع، وأن الإنسان قادر أن يغير واقعه مهما كان قاسياً.. أحلم أن أكمل دراستي الجامعية، وأساهم في بناء مستقبل أفضل لمجتمعي”. وعلى حد وصفها، كانت مرام (اسم مستعار)، تردد دائماً “أن الظروف لن تحدد مستقبلي. صحيح أن الطريق مليء بالعقبات، لكنني أرى في كل عقبة فرصة جديدة للثبات”. دعم متعدد الأطراف في هذا السياق، تؤكد منظمة النهضة (أرض) على أهمية تعزيز البرامج التعليمية والنفسية داخل المخيمات، وتوفير بيانات دقيقة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لتسهيل التخطيط، وتوسيع برامج المنح الجامعية التي تفتح آفاقًا جديدة أمام الطلبة الناجحين. كما تدعو إلى إبراز قصص النجاح إعلامياً لإلهام باقي الطلبة وتعزيز ثقافة الإصرار، والتأكيد على أن التعليم ليس مجرد أرقام في دفاتر النجاح، بل قوة قادرة على إعادة بناء الأمل وصناعة التغيير. التعليم.. فسحة أمل تتجدد كل يوم قصص نجاح طلبة التوجيهي في مخيمات اللجوء السوري ليست مجرد حكايات فردية، بل شهادة حية على أن التعليم يظل استثماراً في المستقبل ورافعة للكرامة الإنسانية. فقد أثبت هؤلاء الطلبة، بجهودهم المتواضعة وإصرارهم الكبير، أن المخيم ليس نهاية الحلم، بل قد يكون نقطة انطلاق نحو أمل جديد يمهّد لهم طريق العودة إلى وطنهم والمشاركة في إعادة إعماره، أو يفتح أمامهم فرص العيش الكريم والإسهام الإيجابي في تنمية أي مجتمع يختارون الاستقرار فيه. إن نسب النجاح، مهما بدت متواضعة مقارنة بظروف عادية، تمثل في المخيمات إنجازاً استثنائياً.  وبينما يواصل الطلبة مسيرتهم بخطوات واثقة، يبقى السؤال الأهم: هل يتسع المستقبل لاحتضان طموحاتهم، أم يظل معلقاً بحدود المخيم؟ إن هذه النجاحات تحمل في جوهرها رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الاستثمار في تعليم اللاجئين لا يقتصر على بناء مهارات فردية، بل هو استثمار في السلام والتنمية والاستقرار على المدى البعيد. _____________ *مخيم مريجيب الفهود، المعروف أيضاً باسم المخيم الإماراتي الأردني، تم إغلاقه اعتباراً من الأول من تموز/يوليو 2025.

النهضة (أرض) تستضيف مجموعة كومينيوس في حوار حول القيادة في المنطقة العربية

عقدت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) ندوة لمجموعة كومينيوس للقيادة من هولندا، وذلك في إطار دورة كومينيوس حول تنوع القيادة. وجاءت هذه الندوة في إطار التعاون والحوار بين الجهتين في هذا الصدد. تضمن البرنامج محاضرة ألقتها الدكتورة مريم أبو سمرة، منسقة مركز النهضة الاستراتيجي، بالإضافة إلى جلسة أدارتها زينة درويش، مديرة تطوير البرامج في المنظمة. وناقش المشاركون محاور متعددة من بينها الصمود، والحوكمة من منظور ما بعد الاستعمار، ودور المرأة في القيادة، ما أتاح مجالاً للتعلم المتبادل والتفكير المشترك حول قضايا القيادة في المنطقة العربية.