صحة نساء غزة النفسية في ظل الإبادة الجماعية

بقلم نرمين وليد حسين مع إحياء اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يُحتفل به عالميًا في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر، يغدو من الضروري إبراز أهميته بالنسبة لأولئك الذي يعانون في مناطق الصراع. في الواقع، تُخلّف الحروب جروحًا تتجاوز الإصابات الجسدية بكثير، وبذا تترك ندوبًا دائمة في الصحة النفسية قد تدوم مدى الحياة. منذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023، قُتل أكثر من 67 ألف فلسطيني، 70% منهم من النساء والأطفال. ومن بين القتلى ما لا يقل عن 20 ألف طفل، بمعدل طفل يُقتل كل ساعة على مدار الـ 24 شهرًا الماضية. ومع ذلك، يبقي العدد الحقيقي مجهولًا، ومن المُرجّح أن يكون أعلى من ذلك بكثير، إذ لا تشمل بيانات الوفيات الرسمية الأشخاص الذين لقوا حتفهم تحت الأنقاض أو من هم في عداد المفقودين. ومع ذلك، تتجاوز الخسائر العاطفية والنفسية الناجمة عن هذا الصراع ما هو أبعد من الإصابات الجسدية، لتتجلى في أزمة الصحة النفسية التي تحمل أبعادًا مثيرة للقلق، والتي تفاقمت جراء الدمار الواسع النطاق وغير المسبوق الذي طال المنازل والبنية الأساسية، وانهيار الخدمات، وفقدان موارد الغذاء والمياه. تتحمل نساء غزة عبئًا غير متناسب. فقد تأثرت صحتهن النفسية بشدة، وتُظهر الدراسات معاناة أكثر من 75% منهن من القلق والاكتئاب المزمنين. وكثيرًا ما يُبلغن عن شعورهن بالخوف والإرهاق، مع محدودية فرص الحصول على دعم الصحة النفسية، واضطرارهن إلى التعامل مع الضائقة النفسية بمفردهن وفي عزلة. وقد تآكل شعور النساء بالاستقرار على نحو ملحوظ جراء النزوح واكتظاظ الملاجئ، ففاقم الافتقار إلى الخصوصية، والضروريات الأساسية والسلامة في هذه الظروف من ضائقتهن النفسية، إضافة إلى زيادة مسؤولياتهن من حيث تقديم الرعاية، كما ترد بلاغات منهن مفادها التضحية بصحتهن لرعاية أسرهن، وغالبًا ما يكنّ هنّ مقدمات الرعاية الأساسيات أو الوحيدات لأطفالهن. من جهة أخرى، يخلق الجوع، إلى جانب العجز عن توفير الطعام لأحبائهن، عبئًا نفسيًا يصعب تحمله. علاوة على ذلك، أدى التعرض المستمر للعنف والفقد إلى تفاقم صدمتهن، المصنفة على أنها اضطراب صدمي مستمر معقد؛ نظرًا لطبيعتها المزمنة التي لا هوادة فيها. كما سببت الحرب تعطيل الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الإنجابية الأساسية إلى حد كبير، إذ لم تعد أبسط الضروريات مثل منتجات النظافة الشهرية متاحة بسهولة، ما يسلط الضوء على طبيعة الوضع الإنساني الكارثية. وغالبًا ما تلجأ النساء إلى حلول مؤقتة يعانين بسببها من التهابات شديدة نتيجة نقص النظافة أو المياه النظيفة ببساطة. فضلًا عن ذلك، فمع تدمير أكثر من 85% من مرافق الرعاية الصحية، أُجبرت النساء أيضًا على الولادة في ملاجئ مكتظة تفتقر إلى الرعاية الطبية المناسبة في الغالب، ومن ثم جرى تسريح العديد منهن بعد ساعات فقط من الولادة، الأمر الذي أدى إلى إصابتهن بمضاعفات خطيرة. تشير التقارير إلى زيادة كبيرة في حالات الإجهاض (حوالي 300%) المرتبطة بالصدمات وعدم كفاية الرعاية المقدمة لهن، إضافة إلى خسارة المواليد بسبب الإجهاد، وسوء التغذية، ونقص المساعدة الطبية والإمدادات الطبية الأساسية. إن العجز عن الوصول إلى الحقوق الصحية الأساسية لا يمثل تحديًا لرفاه الفرد فحسب، بل يهدد حقوق السكان بأكملهم. وقد يُصنّف استهداف الاستقلالية الإنجابية المنهجي، بالإضافة إلى حرمان النساء من الرعاية الصحية الإنجابية الأساسية، عنفًا إنجابيًا بموجب القانون الدولي. فمن قصف مستشفيات الولادة وعيادات الخصوبة، إلى الولادات القسرية في الخيام والعمليات الجراحية التي تجري دون تخدير، يُستخدم هذا النوع من العنف سلاحًا للهيمنة والمحو، وينبغي للمحكمة الجنائية الدولية الاعتراف بهذه الأفعال وملاحقتها قضائيًا باعتبارها أشكالًا من الاضطهاد. رغم هذه العقبات الهائلة، تُظهر النساء في غزة قدرةً هائلةً على الصمود، إذ يدعمن أسرهن ومجتمعاتهن من خلال مجموعةٍ من الاستراتيجيات الاجتماعية والمجتمعية، كالاعتماد على شبكات أسرية ومجتمعية قوية، والانخراط في الممارسات الدينية والروحية، حتى في أحلك الظروف. وتكشف التقارير الواردة من الميدان عن أساليب التأقلم التكيفي، بما في ذلك قصص أمهاتٍ ينظمن أنشطةً تعليميةً لأطفالهن أو يعملن ضمن شبكات مجتمعية لتقديم الدعم في مجال الصحة النفسية. كما تستخدم بعض النساء أساليب رسميةً مثل مجموعات دعم الأقران، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي المهني، والتدخلات المُكيفة ثقافيًا، بما يخلق مساحاتٍ آمنة لعلاج القلق والمخاوف. إن هذه القدرة على الصمود دليلٌ على قوتهن والدور الحاسم الذي يلعبنه في إعادة بناء المجتمع. وبهذه الطريقة، فهن يُجسدن حرفيًا روح الصمود الفلسطينية ويشاركن في إعادة بناء الشعور بالحياة الطبيعية وسط الفوضى. بينما نحتفل بالذكرى الخامسة والعشرين لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، بهدف إعلاء أصوات النساء العربيات وقيادتهن في جهود بناء السلام، يغدو علينا أن ندرك أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه دون معالجة التحديات الفريدة التي تواجهها النساء في مناطق النزاع. لقد أظهرت نساء غزة قوة ملحوظة في مواجهة الشدائد، وكثيرًا ما تولّين أدوارًا قيادية في مجتمعاتهن. وفي ضوء الخطوات السياسية الأخيرة نحو السلام في غزة، فإن من الواجب علينا دعم صوت المرأة الغزية وإعلاء شأنه. إن تعزيز حقوق المرأة الغزية يتجاوز مجرد مناصرتها؛ بل يشمل العمل الجاد على تهيئة مساحات تُسمع فيها أصوات النساء الغزيات وتُحترم، وذلك لمنحهن فرصة التعافي، بما يعني الاستثمار في موارد الصحة النفسية المتاحة والمراعية للثقافات، الأمر الذي يُمكّن النساء من الحصول على الدعم اللازم للتعافي والازدهار. فعند منح صحة المرأة النفسية الأولوية، فإنها تصبح أكثر قدرة على دعم أسرها ومجتمعاتها، ما يُمهّد الطريق لمجتمع يتمتع بالمزيد من السلام والعدل.
استحقاق المستقبل: المرأة، السلام، والعدالة في العالم العربي

النهضة (أرض) تطلق حملة بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للقرار 1325 و في أطار 16 يوما لمناهضة العنف ضد المرأة: تأكيداً لدور المرأة الرائد في بناء السلم وتعزيز العدالة والحوار عمّان — تُحيي النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لصدور قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والأمن والسلام، وذلك في إطار الـ 16 يوماً من النشاط لمناهضة العنف ضد النساء، مجددةً دعوتها للعمل من أجل دعم حقوق المرأة العربية وتعزيز دورها وقيادتها في بناء السلام وتحقيق العدالة في المنطقة. لقد كان القرار 1325، الصادر قبل خمسةٍ وعشرين عاماً، أحد أكثر الالتزامات الدولية طموحاً ورؤية، إذ أقرّ بأن السلام لا يمكن تحقيقه أو استدامته دون مشاركة المرأة الفاعلة. ومع ذلك، وفي ظل استمرار الحروب والنزوح التي تمزّق المجتمعات، تواجه المنطقة اليوم تحدياً آخر يتمثل في تطبيع العسكرة بوصفها تجارة. وإذ تحذر النهضة (أرض) من تحويل الحروب والنزاعات إلى مصالح وأسواق — حيث تُستبدل أفكار السلام بصفقات السلاح، وحيث تقوّض العسكرة أسس السلام ذاته. تدعو المنظمة جميع الأطراف المعنية إلى إنهاء ممارسات الاتجار بالعسكرة، وفتح قنوات حقيقية للحوار والصلح والتعاون، قائمة على كرامة الإنسان قبل أي مكاسب سياسية أو اقتصادية. واحتفاءً بهذه المناسبة، وانسجاماً مع حملة 16 يوماً تطلق النهضة (أرض) حملتها الإقليمية بعنوان “استحقاق المستقبل: المرأة، السلام، والعدالة في العالم العربي“، لتسلّط الضوء على نضالات وإنجازات النساء في مناطق النزاع وخارجها، وتؤكد التزامها الراسخ بضمان قيادة النساء لجهود السلام والعدالة والتعافي. حيث أكدت سمر محارب، المديرة التنفيذية للمنظمة: “إن القرار 1325 ليس مجرد قرار أممي، بل هو بوصلة أخلاقية تذكرنا بأنه لا يمكن لأي أمة أن تبني السلام من خلال العسكرة أو الإقصاء. وندعو العالم إلى الوقوف إلى جانب النساء العربيات — من غزة إلى السودان وسوريا واليمن — اللواتي يواصلن الصمود دفاعاً عن السلام والعدالة والإنسانية. فشجاعتهن ترسم الطريق نحو منطقة قائمة على الحوار والتضامن والأمن المشترك.” وأضافت: “علينا أن نستثمر في التمكين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للنساء بوصفه جزءاً لا يتجزأ من استقرار المنطقة، لأن قيادة المرأة ليست مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق سلام عادل ومستدام.” أهداف الحملة من خلال هذه الحملة، تدعو النهضة (أرض) الحكومات والشركاء الدوليين ومنظمات المجتمع المدني إلى: تعزيز المشاركة والقيادة الفاعلة للنساء في مفاوضات السلام والعدالة الانتقالية وعمليات إعادة الإعمار؛ إنهاء عسكرة الاقتصادات وإعلاء شأن الحوار والدبلوماسية والاستثمار الاجتماعي؛ ضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحق النساء والفتيات في مناطق النزاع؛ و الاستثمار في التمكين الاقتصادي والسياسي والمدني للنساء كأساس لتحقيق السلام المستدام. هذه الحملة هي احتفاء وتذكير في آن واحد — بأن السلام لا يُبنى بالقوة، بل بالمشاركة، وأن مستقبل المنطقة مرهون بتفكيك أنظمة العنف وإعادة المساحات التي تُسمِع فيها النساء أصواتهن لبناء سلامٍ عادلٍ ودائم. أنشطة وفعاليات الحملة في إطار الحملة، ستنظم النهضة (أرض) من خلال برامجها ومركز النهضة الاستراتيجي وبالتعاون مع شبكاتها وشركائها، مجموعة متنوعة من الأنشطة التي تجمع بين البحث والحوار والمناصرة، وتشمل: ندوة:“إعادة تعريف السلام والتحرير: المرأة الفلسطينية والنسوية العالمية“ — 6 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تقدمها الدكتورة مريم أبو سمرة، الباحثة الرئيسة ومنسقة مركز النهضة الاستراتيجي – أرض. جلسة حوارية: “خيارات عادية لتأثير استثنائي: النساء في المالية والقيادة“ — 7 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بمشاركة معالي خلود السقاف، وزيرة الاستثمار السابقة، والدكتور عدلي قندح، الخبير الاستراتيجي في الاقتصاد. إطلاق مجموعة من موجزات السياسات والتقارير التي تسلط الضوء على المشاركة السياسية والمدنية للشباب والنساء ودورهم في القيادة وبناء السلام في المنطقة ضمن مشاريع جيل جديد وهي تقود وغيرها. فعالية لإطلاق تقرير المنظمة ومركز النهضة حول العنف الرقمي الموجه ضد النساء في الأردن تدريبات وجلسات توعوية قانونية، ومدونات، ومقالات تحليلية ومنتجات إعلامية تبرز دور المرأة وفاعليتها في القيادة وبناء السلام والتحول الاجتماعي في السياقات العربية المختلفة. لقاء 25 عامًا من العمل وأجندة المرأة والأمن والسلام: قيادة النساء المحلية للاستجابة للأزمات وتعزيز التماسك الاجتماعي والاطلاق الرسمي لمشروع تواصل في تشرين الثاني/نوفمبر مشاركات وتمثيلات متنوعة في فعاليات وطنية ودولية خلال فترة الحملة من 6 تشرين الأول/أكتوبر حتى 10 كانون الأول/ديسمبر 2025. تهدف هذه الأنشطة إلى تعزيز التضامن، ورفع أصوات النساء والشباب، وتعزيز ثقافة الحوار الشامل والمسؤولية المشتركة من أجل السلام والعدالة. وستواصل النهضة (أرض) مشاركة الفعاليات والأنشطة لاحقاً خلال فترة الحملة، لتواصل تسليط الضوء على قيادة النساء في تعزيز السلام والعدالة والمساواة في المنطقة العربية.
مبادرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للديمقراطية والتنمية (أرض–أوروبا): من الاعتراف الرمزي إلى العمل من أجل فلسطين

قد يتحول الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى مجرد إلهاء إذا لم يُتبع بخطوات عملية. فالإجراءات لرمزية لا يمكن أن تحلّ محل العمل الجدي من أجل فلسطين، لأن الاعتراف بدولة على الورق لا يعني شيئًا بينما يُدمَّر شعبها وتضمّ أراضيها باستمرار. ترحب أرض – أوروبا بحرارة بازدياد عدد الدول الأوروبية التي اتخذت الخطوة التاريخية المتمثلة بالاعتراف بدولة فلسطين. فقد انضمت فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وموناكو والبرتغال إلى السويد وإيرلندا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا في تأكيد سيادة فلسطين، إلى جانب المملكة المتحدة وكندا وأستراليا. ومع هذه الاعترافات، لم تعد أوروبا متفرجًا، بل أصبحت ساحة حاسمة في النضال لتحويل الاعتراف إلى عدالة ومساءلة وحق في تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وفي الوقت الذي ترحب به أرض -أوروبا فيه بهذه الخطوات، تؤكد أن الاعتراف يجب أن يكون سياسة لا مجرد موقف؛ فهو يحمل التزامات ملموسة على الدول الثالثة، ويجب أن يقترن بإجراءات تحمي المدنيين، وتنهي الممارسات غير المشروعة، وتساهم في تحقيق العدالة والمساءلة، وتدعم القانون الدولي بشكل عام. غير أن التوتر الأساسي يكمن هنا: أوروبا تتحرك، لكن الاتحاد الأوروبي ككل لا يتحرك. ففي حين تعترف أعداد متزايدة من أعضاء الاتحاد بفلسطين، ما زالت دول أخرى، منها ألمانيا وإيطاليا وهولندا والمجر، مترددة، مما يترك الاتحاد منقسمًا في لحظة حاسمة. ويعكس هذا التردد نمطًا أوسع: إذ غالبًا ما كان الاتحاد الأوروبي، كمؤسسة، يتصرف برد فعل بدلًا من الالتزام بالمبادئ، مكتفيًا بإدانات متأخرة ونداءات إنسانية قصيرة المدى في مواجهة العدوان الإبادي على غزة والتوسع الاستعماري المستمر في الضفة الغربية. منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وغزة تتعرض للتطهير العرقي والتدمير على نطاق كارثي. وقد أكدت التدابير المؤقتة التي أصدرها محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل (26 كانون الثاني/يناير، 28 آذار/مارس، 24 أيار/مايو 2024) وجود خطر معقول بارتكاب جريمة إبادة جماعية، وفرضت التزامات ملزمة على جميع الدول. كما عززت أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (تشرين الثاني/نوفمبر 2024) مبدأ أن المساءلة لا يمكن تأجيلها. لقد ضغطت الشعوب والمحاكم والبرلمانات الأوروبية على حكوماتها للتحرك. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات، مثل الاعتراف الآن، لن تكون ذات معنى إلا إذا رُفعت إلى مستوى الاتحاد الأوروبي، بحيث تتحول الإجراءات المعزولة إلى سياسة أوروبية متماسكة للعدالة والمساءلة. وفيما يخص الاستعمار، ورغم الأحكام القانونية الواضحة الصادرة عن أعلى محكمة في العالم، تأخر الاتحاد الأوروبي في اتخاذ تدابير حاسمة. فقد فشل في اعتماد حظر منسق على السلاح، وفي فرض حظر على منتجات المستوطنات واستثماراتها، وفي التنفيذ الكامل للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 وقبوله من الغالبية الساحقة للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2024، والذي يلزم الدول بعدم الاعتراف أو المساعدة في ضم إسرائيل غير المشروع للأراضي الفلسطينية وغيرها من أفعالها غير المشروعة دوليًا. وحتى الآن لم يحظر الاتحاد الأوروبي تجارة المستوطنات، ولم يعلّق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل، ولم يوقف نقل الأسلحة والتكنولوجيا التي ترسخ الضم. هذا الفارق بين الاعتراف والمسؤولية يقوّض مصداقية أوروبا ويضعف أثر كلماتها. إن الاعتراف بفلسطين، بالنسبة لأوروبا والاتحاد الأوروبي، في هذه اللحظة التي تشهد أسوأ إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين، هو اختبار لإرادة الدول في الدفاع عن المبادئ التي تعلنها: عالمية وشمول حقوق الإنسان، وسيادة القانون، ورفض الإفلات من العقاب. فإذا اقترن الاعتراف بسياسات وإجراءات ملموسة كالحظر والعقوبات وأدوات المساءلة الأخرى، إلى جانب دعم حقيقي للحكم الفلسطيني، يمكن لأوروبا أن تسهم في ترجيح كفة العدالة. أما إذا لم يحدث ذلك، فإن دورها على الساحة العالمية قد يتلاشى إلى العدم. تمثل أرض -أوروبا إطارًا استراتيجيًا تقدميًا يهدف إلى تعميق الفهم وتعزيز التعاون بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.حيث تسهم في تناول التحديات الإقليمية والعالمية الملحة في سياق التحولات المجتمعية والجيوسياسية السريعة. تأسست أرض -أوروبا في بروكسل، بلجيكا عام 2024 من قبل النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، وتسعى إلى بناء شراكات استراتيجية تدفع نحو الاستقرار والتنمية المستدامة عبر هذه المناطق المترابطة.
إرادة لا تُهزم: طلبة التوجيهي في مخيمات اللجوء السوري يواجهون التحديات بالنجاح

“كنت أدرس على ضوء مصابيح صغيرة عند انقطاع الكهرباء.. الإصرار كان السلاح الأقوى للنجاح.” بهذه الكلمات يلخص الطالب مهند (اسم مستعار) من مخيم الزعتري رحلته مع امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، موضحاً في جملة واحدة أمل مئات الطلبة من اللاجئين السوريين الذين وجدوا في التعليم ملاذاً أخيراً للتمسك بالمستقبل. وسط هذه الظروف، يواصل مئات الطلبة السوريين دراستهم بإصرار لافت، وما زالوا ينجحون في تحويل التحديات إلى قصص إنسانية تلهم الآخرين، وتعيد التذكير بأن التعليم هو نافذة الأمل الأخيرة في وجه اللجوء الطويل، وأن النجاح يتحقق بالتعليم رغم واقع اللجوء وضغط الظروف الاقتصادية. ولعل أبرز ما يميز هذه النجاحات هو أن كل قصة تحمل في طياتها رسالة أمل وصمود، لتؤكد أن التعليم ليس مجرد تحصيل أكاديمي، بل فعل مقاومة يومي ضد اليأس. في إطار رسالتها الهادفة إلى النهوض بالحق في التعليم كأحد الركائز الأساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية، تعمل منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، على متابعة شاملة لمنظومة التعليم في الأردن، من خلال التحالف الوطني لمستقبل التعليم في الأردن (نافع) الهادف لتعزيز فرص التعليم النوعي والشامل، واستراتيجيتها الخاصة بالتعليم التي أطلقتها لضمان حق الوصول إلى التعليم الجيد، وتوفير فرص التعلم المستمر للجميع باعتبارها ركائز أساسية للتخفيف من حدة الفقر وتمكين التحول الاجتماعي المستدام. كما عملت المنظمة على تعزيز الوصول إلى التعليم الشامل، من خلال تنفيذ مشاريع مثل “الاستثمار في المستقبل”، “التعليم من أجل المستقبل”، و”تعزيز التعلم لتحسين فرص الحياة للطلبة في الأردن”، فضلاً عن مبادرات عديدة مثل “تمكين بعضنا البعض”، و“وصول الاطفال الشامل للعدالة”، و”حقنا” وغيرها، حيث استهدفت المنظمة الفئات الأقل حظاً، بما في ذلك اللاجئين والأطفال من ذوي الإعاقة. قصص نجاح من المخيمات تختبئ قصص إنسانية مفعمة بالإصرار. طلاب وطالبات من مخيمات الأزرق والزعتري ومريجيب الفهود لم يتوقفوا عند حدود الصعوبات اليومية، بل حوّلوها إلى دوافع للمثابرة والنجاح. من بين هؤلاء، سيدرا (اسم مستعار) التي تؤكد أن “الطريق لم يكن سهلاً”، مضيفة: “في كثير من الأيام شعرت بالتعب، لكن الدعم النفسي من عائلتي ومعلماتي كان الحافز الأكبر للاستمرار. لم أنجح لنفسي فقط، بل لأثبت أن الفتاة في المخيم قادرة على تحقيق أحلامها مهما كانت الظروف”. فيما ذهبت رهام (اسم مستعار)، بالإشارة إلى أن “امتحان التوجيهي لم يكن مجرد محطة أكاديمية بالنسبة لي، بل بداية لمسيرة أطول. أريد أن أخدم مجتمعي وأكون جزءاً من التغيير، خاصة للفتيات اللواتي يعتقدن أن الفرص بعيدة المنال”، مؤكدة على أن النجاح أعطاها ثقة أكبر بأن التعليم هو السبيل الوحيد لكسر دائرة التحديات التي نعيشها يومياً. من جهته، رأى محمود (اسم مستعار) أن النجاح لم يكن إنجازاً شخصياً فقط، بل هدية لعائلتي التي ضحت بالكثير من أجلي.. أردت أن يشعروا أن كل ما تحملوه لم يذهب سدى”. بينما يصف نزار (اسم مستعار) حالة التحدي والإصرار التي عاشها أثناء دراسته، بالقول: “كنت أقول لنفسي دائماً: إذا لم أصنع مستقبلي بنفسي، فلن يصنعه أحد لي. نجاحي لم يكن مجرد فرحة شخصية، بل رسالة لكل من يظن أن حياة المخيم تعني نهاية الطموح. بالعكس، هي البداية التي من خلالها نتعلم الصبر ونصنع الأمل”. فيما أوضح عبد الجبار (اسم مستعار) “أنه كثيراً ما واجه التعب والإرهاق، لكن صورة عائلته وهي تنتظر نجاحه كانت تدفعه للاستمرار”، مبيناً أن “النجاح دليل على أن الجهد لا يضيع، وأن الإنسان قادر أن يغير واقعه مهما كان قاسياً.. أحلم أن أكمل دراستي الجامعية، وأساهم في بناء مستقبل أفضل لمجتمعي”. وعلى حد وصفها، كانت مرام (اسم مستعار)، تردد دائماً “أن الظروف لن تحدد مستقبلي. صحيح أن الطريق مليء بالعقبات، لكنني أرى في كل عقبة فرصة جديدة للثبات”. دعم متعدد الأطراف في هذا السياق، تؤكد منظمة النهضة (أرض) على أهمية تعزيز البرامج التعليمية والنفسية داخل المخيمات، وتوفير بيانات دقيقة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لتسهيل التخطيط، وتوسيع برامج المنح الجامعية التي تفتح آفاقًا جديدة أمام الطلبة الناجحين. كما تدعو إلى إبراز قصص النجاح إعلامياً لإلهام باقي الطلبة وتعزيز ثقافة الإصرار، والتأكيد على أن التعليم ليس مجرد أرقام في دفاتر النجاح، بل قوة قادرة على إعادة بناء الأمل وصناعة التغيير. التعليم.. فسحة أمل تتجدد كل يوم قصص نجاح طلبة التوجيهي في مخيمات اللجوء السوري ليست مجرد حكايات فردية، بل شهادة حية على أن التعليم يظل استثماراً في المستقبل ورافعة للكرامة الإنسانية. فقد أثبت هؤلاء الطلبة، بجهودهم المتواضعة وإصرارهم الكبير، أن المخيم ليس نهاية الحلم، بل قد يكون نقطة انطلاق نحو أمل جديد يمهّد لهم طريق العودة إلى وطنهم والمشاركة في إعادة إعماره، أو يفتح أمامهم فرص العيش الكريم والإسهام الإيجابي في تنمية أي مجتمع يختارون الاستقرار فيه. إن نسب النجاح، مهما بدت متواضعة مقارنة بظروف عادية، تمثل في المخيمات إنجازاً استثنائياً. وبينما يواصل الطلبة مسيرتهم بخطوات واثقة، يبقى السؤال الأهم: هل يتسع المستقبل لاحتضان طموحاتهم، أم يظل معلقاً بحدود المخيم؟ إن هذه النجاحات تحمل في جوهرها رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الاستثمار في تعليم اللاجئين لا يقتصر على بناء مهارات فردية، بل هو استثمار في السلام والتنمية والاستقرار على المدى البعيد. _____________ *مخيم مريجيب الفهود، المعروف أيضاً باسم المخيم الإماراتي الأردني، تم إغلاقه اعتباراً من الأول من تموز/يوليو 2025.
النهضة (أرض) تستضيف مجموعة كومينيوس في حوار حول القيادة في المنطقة العربية

عقدت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) ندوة لمجموعة كومينيوس للقيادة من هولندا، وذلك في إطار دورة كومينيوس حول تنوع القيادة. وجاءت هذه الندوة في إطار التعاون والحوار بين الجهتين في هذا الصدد. تضمن البرنامج محاضرة ألقتها الدكتورة مريم أبو سمرة، منسقة مركز النهضة الاستراتيجي، بالإضافة إلى جلسة أدارتها زينة درويش، مديرة تطوير البرامج في المنظمة. وناقش المشاركون محاور متعددة من بينها الصمود، والحوكمة من منظور ما بعد الاستعمار، ودور المرأة في القيادة، ما أتاح مجالاً للتعلم المتبادل والتفكير المشترك حول قضايا القيادة في المنطقة العربية.
سوق الموسم: مختصون يؤكدون ضرورة دعم الأسواق لتعزيز سبل العيش

تعد الأسواق الشعبية في الأردن من أبرز الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية التي تربط المجتمعات المحلية، وتخلق فرص عمل وتمكينًا اقتصاديًا للفئات المختلفة، بما فيها اللاجئون. وفي ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة، أصبح تطوير هذه الأسواق ودعمها أمرًا أساسيًا لتعزيز سبل العيش المستدامة وخلق فرص عمل شاملة. في هذا الإطار، نظمت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) جلسة حوارية يوم الجمعة 12 أيلول/سبتمبر 2025 في سوق جارا – جمعية تجلى، جبل عمّان، ضمن فعاليات البازار الصيفي الذي يُعد جزءًا من مبادرات سوق الموسم، وذلك تحت عنوان: “الأسواق الشعبية في الأردن: نحو نموذج اقتصادي مستدام – التحديات والفرص”، بحضور خبراء وباحثين مهتمين بقضايا الاقتصاد المحلي والتنمية الاجتماعية. وجاءت هذه الجلسة، التي ناقشت واقع وتحديات وفرص تطوير الأسواق الشعبية، في إطار دراسة قيد التنفيذ لمركز النهضة الاستراتيجي التابع لمنظمة النهضة (أرض)، حيث تركز على تطوير هذه الأسواق في الأردن، مع تقديم توصيات عملية لدعم دورها في خلق فرص عيش شاملة ومستدامة للأردنيين واللاجئين. تحدث في الجلسة الباحث والكاتب د. كمال ميرزا، والصحفي والباحث في مجالات الفقر والتنمية والاجتماع د. أحمد أبو خليل، بينما أدارها الباحث في مركز النهضة الاستراتيجي خالد جمعة. وقال ميرزا: “الأسواق الشعبية فضاءات اجتماعية وثقافية تعكس هوية المجتمعات المحلية، وتخلق فرص عمل وتمكين اقتصادي للفئات المهمشة، ويجب التركيز على دعمها ليس فقط من ناحية البنية التحتية، بل أيضًا من خلال التشريعات والسياسات التي تشجع الابتكار والاستدامة”. من جهته، بين أبو خليل أن: “الأسواق الشعبية تحمل تاريخًا طويلًا من التبادل الاجتماعي والثقافي، وهي مرآة لتجارب الناس اليومية وطرق حياتهم. تطوير هذه الأسواق يتطلب فهمًا عميقًا لسلوكيات البائعين واحتياجاتهم، وضرورة فتح حوار حقيقي بين مختلف الجهات المعنية من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإيجاد حلول عملية ومستدامة، تعزز قدرة هذه الأسواق على خلق فرص عيش حقيقية للمجتمعات المحلية، بما فيها اللاجئين، وإدماجهم في الاقتصاد المحلي”. فيما شهد اللقاء مداخلات من المشاركين، خلصت بمجملها إلى التأكيد على الحاجة لوضع تعريف واضح للأسواق الشعبية وتحديد معاييرها، سواء عبر الاعتراف الرسمي بها أو من خلال تنظيم مرن يستند إلى الأفراد القائمين عليها أو إلى أطر مؤسسية. وأشاروا إلى أن هذه الأسواق غالباً ما تنشأ كمبادرات مجتمعية استجابة لاحتياجات محلية، ولا تُعد مجرد نقاط بيع ومصادر دخل، بل تحمل أيضاً بُعداً ثقافياً وتراثياً يعكس هوية المجتمع. كما شددت المداخلات على أهمية أن يقوم تنظيم هذه الأسواق على أسس تشاركية تجمع مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك إشراك القطاع الخاص، لضمان استدامتها. وأكد المشاركون أن صناعة القرارات المتعلقة بالأسواق الشعبية يجب أن تقوم على التكامل بين رؤية المجتمع المحلي واحتياجاته من جهة، ورؤية صانع القرار من جهة أخرى. واعتبروا أن عملية التخطيط والتنظيم لهذه الأسواق معقدة بطبيعتها، إذ تتجاوز البُعد الاقتصادي لتشمل أبعاداً تنموية واجتماعية وأمنية وتخطيطاً مدنياً متكاملاً. في المقابل، شكل البازار، الذي يأتي ضمن مشروع “نحو المستقبل: استكشاف فرص الاستدامة المحلية” بدعم من البرنامج الأوروبي الإقليمي للتنمية والحماية لدعم الأردن ولبنان، منصة مهمة لأصحاب المبادرات لعرض أفكارهم الإبداعية أمام جمهور متنوع يضم المجتمع المحلي، القطاع المدني، القطاع الخاص، والمنظمات الدولية. واشتمل البازار على تشكيلة واسعة من المنتجات اليدوية، بما في ذلك اللوحات الفنية، الإكسسوارات، الملابس، الصابون العضوي، والأطعمة المنزلية، ليكون منصة تحتفي بإبداعات اللاجئين والأردنيين. كما تخللت الفعالية أنشطة ترفيهية للأطفال من جميع الأعمار، وشكلت فرصة مميزة للبائعين للتشبيك مع جمعيات ومنصات تسويقية وعملاء جدد، مما يساهم في تعزيز استدامة مشاريعهم داخل السوق المحلي. وحظي البازار بحضور واسع من الجمهور العام، حيث أعرب المشاركون اللذين تلقوا تدريبات لتعزيز مهارات الوصول إلى الأسواق والتشبيك مع القطاعات المختلفة، عن تقديرهم لتنظيم هذه المبادرات التي تعزز وصول أصحاب المشاريع إلى سوق العمل، وقالوا: “لقد كان البازار فرصة رائعة لعرض منتجاتنا، وإقامة شراكات مختلفة والتعاون مع أصحاب مشاريع ونقاط بيع جديدة مثل محلات بيع التحف والحرف اليدوية، مما عزز ثقتنا في توسيع مشاريعنا”. ختاماً، سيستمر سوق الموسم في فصل الشتاء القادم بباقة متنوعة من المنتجات، إذ تؤكد منظمة النهضة (أرض) والتحالف الوطني للمنظمات غير الحكومية (جوناف) على أهمية استكشاف الفرص المحلية لمشاريع سبل العيش ودعم الأعمال الناشئة في الأردن، والاستمرار في مبادرات اقتصادية مستدامة.
ماذا نتوقع من الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة؟

بقلم ماريا مارياني مع افتتاح الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 أيلول/سبتمبر في مدينة نيويورك، يجتمع قادة العالم في خضم تحديات غير مسبوقة في مجالات السلام، والأمن والحوكمة العالمية.[1] ولا تقتصر دورة هذا العام على كونها منتدى للحوار الدبلوماسي فحسب، بل تأتي في وقت حرج وهشّ لمعالجة الأزمات الملحة التي تهدد الاستقرار والأمن العالميين، لا سيما في ظل الحرب الدائرة على غزة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والخفض المالي الحاد في المساعدات الإنسانية، وهي ذات عواقب وخيمة على الفئات الأكثر ضعفًا في العالم. اُستبقت دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة القادمة بنقطة جدل كبيرة، برزت مع قرار الولايات المتحدة حجب أو إلغاء تأشيرات مسؤولي السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما منعهم من الحضور.[2] وعلى الرغم من هذه الخطوة، اعتمدت 142 دولة، في تصويت تاريخي يوم الجمعة الماضي، إعلان نيويورك السعودي الفرنسي من أجل دولة فلسطينية مستقلة، الأمر الذي أعطى زخمًا جديدًا لحل الدولتين.[3] يمهد هذا التصويت، الذي يعكس إجماعًا عالميًا غير مسبوق على الاعتراف الدولي بضمانات فلسطين وحق الفلسطينيين في تقرير المصير، الطريق الآن لمؤتمر الأمم المتحدة المقبل حول حل الدولتين، برئاسة مشتركة بين الرياض وباريس، في 22 أيلول/سبتمبر، إذ تعهد عدد من الدول، بما في ذلك فرنسا والمملكة المتحدة وكندا وبلجيكا وأستراليا، بالاعتراف رسميًا بدولة فلسطين.[4] وهذه هي الخطوة الأخيرة في الضغط الدولي المتزايد على إسرائيل لإنهاء حربها على غزة، التي أودت بحياة أكثر من 64 ألف شخص مع إصابة عشرات الآلاف، وخلقت ظروف مجاعة وسط كارثة إنسانية متفاقمة. تُذكّر هذه الحرب أيضًا برسالة الأمم المتحدة الأساسية المتمثلة في تعزيز السلام والأمن في جميع أنحاء العالم، كما هو منصوص عليه في ميثاقها[5] وروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.[6] ومع تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، فليس بالإمكان إنكار الحاجة المُلِحّة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة، وحتى الآن، فشلت منظومة الأمم المتحدة في تقديم استجابات واقعية لهذه الأزمة. وتُلقي الهجمات المتواصلة على السكان، والانتهاكات المتكررة للقانون الإنساني الدولي، وإفلات الدول المحتلة من العقاب، بظلالها على مستقبل المؤسسات متعددة الأطراف والإطار القانوني الدولي المُصمّم لحماية الأفراد وإحقاق العدالة. من جهة أخرى، تُفاقم أزمة تمويل الأمم المتحدة المستمرة هذه التحديات، والتي وصلت إلى مرحلة حرجة. فقد أجرت إدارة ترامب خفضًا واسع النطاق في المساعدات الخارجية، بما في ذلك مئات الملايين المخصصة لوكالات الأمم المتحدة، وفرضت قيودًا على الإنفاق الإضافي، وهو ما يُمثل تقليصًا كبيرًا في المخصصات، إذ ما تزال الولايات المتحدة أكبر ممول للأمم المتحدة، إذ قدمت لها حوالي 13 مليار دولار أمريكي في عام 2023.[7] تكافح العديد من الدول الأعضاء للوفاء بالتزاماتها المالية، بما يُعيق بشدة قدرة المنظمة على الاستجابة الفاعلة للأزمات. ولا يُقوّض هذا الوضع فعالية الأمم المتحدة التشغيلية فحسب، بل يُثير أيضًا تساؤلات حول شرعيتها بوصفها هيئة حاكمة عالمية، وفي حال عجز الأمم المتحدة عن تأمين الموارد الكافية للوفاء بولايتها، فسيستمر دورها في التضاؤل. علاوة على ذلك، يُنظر على نحو متزايد إلى نموذج التمويل الحالي على أنه غير منصف، مع تزايد الدعوات إلى الإصلاح. تُطالب المزيد من دول الجنوب العالمي، ولا سيما الهند، والبرازيل، والصين وجنوب إفريقيا، بدور أكبر في تشكيل جدول أعمال الأمم المتحدة وعملية صنع القرار. وليست هذه الدعوة إلى تمثيلٍ أكبر مجرد مسألة إنصاف؛ بل هي ضرورية للحوكمة الفعالة في عصر تشهد فيه ديناميكيات القوة تحولات عالمية، إذ يجب على الأمم المتحدة أن تتكيف لتعكس الحقائق المتنوعة لعالم متعدد الأقطاب، حيث تُعدّ وجهات النظر المختلفة حاسمة في مواجهة تحديات السلام والأمن المعقدة. وليس هذا الدفع من الجنوب هجومًا على العالم المتعدد الأطراف أو دعوة إلى تفكيك نظام الأمم المتحدة، بل هو فرصة لإعادة تشكيل نظام الحوكمة العالمية، لمناسبة الغايات بمزيد من الدقة، وخدمة الناس على نحو أكثر مباشرة كذلك، إذ تمثل هذه البلدان معظم سكان العالم. في الختام، وبينما نشهد تصاعدًا مُقلقًا في العنف وعدم الاستقرار، يمتد من المنطقة العربية إلى أوروبا الشرقية وخارجها، يغدو من الضروري بالنسبة لقادة العالم مواجهة تحديات عصرنا المُلحة على وجه السرعة. لقد ثبت بالفعل أن عواقب التقاعس عن العمل وخيمة، إذ تُبرز الحرب على غزة مدى الاستنزاف الذي يُمكن أن يُسببه انقسام القوى الكبرى مع وجود ملايين الأرواح على المحك. لذا، وخلال هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يجري حثّ الدول الأعضاء مرة أخرى على تحويل تعهداتها والتزاماتها إلى نتائج ملموسة. سيكون نجاح هذه الجهود أو فشلها حاسمًا، لا من حيث تحديد مصداقية الأمم المتحدة، وأهميتها وفعاليتها في المستقبل، ولكن في إعادة تشكيل النظام متعدد الأطراف الحالي أيضًا. وإذا ما فشلت الدول الأعضاء في التصرف بحزم وشجاعة، فإننا نُخاطر بسيناريو يحكم فيه أقوى اللاعبين وأكثرهم عدوانية العالم، الأمر الذي يُهدد الاستقرار والأمن الدوليين. ويجب على زعماء العالم أن يتحدوا في جهد متضافر، مؤكدين بقوة على مسؤوليتهم في تعزيز مبادئ الإنسانية، والتضامن، والعدالة والسلام وحمايتها، كما تعهدوا بذلك عند اعتمادهم ميثاق الأمم المتحدة. [1] https://www.un.org/ar/high-level-week-2025 [2] https://www.aljazeera.com/news/2025/8/29/us-denies-visas-for-palestinian-officials-ahead-of-un-assembly [3] https://www.arabnews.com/node/2615205/middle-east [4] https://www.aljazeera.com/news/2025/9/9/illusions-stripped-away-what-to-know-about-the-80th-un-general-assembly [5] https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text [6] https://www.un.org/ar/about-us/universal-declaration-of-human-rights [7] https://www.theguardian.com/commentisfree/2025/jul/06/the-un-is-our-best-defence-against-a-third-world-war-as-trump-wields-the-axe-who-will-fight-to-save-it
منظمة النهضة (أرض) تستضيف تدريبات حول استراتيجيات الدبلوماسية العالمية وربطها بالواقع المحلي

كجزء من شراكة مستمرة مع منظمة “الدبلوماسي المستقل” لتنفيذ سلسلة تدريبات متخصصة، استضافت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، تدريباً حول تمكين المنظمات العاملة في الأردن من تطوير أدواتها الدبلوماسية وربط المنظور العالمي بالسياق المحلي. وقد شارك في التدريب كل من كادر جمعية تحفيز وكادر منظمة النهضة (أرض)، الشركاء الرسميين في الأردن لمنظمة الدبلوماسي المستقل. كما وتخلل التدريب كلمة ترحيب من نائب رئيس البعثة من سفارة مملكة هولندا، والذي ساهمت ملاحظاته حول الدبلوماسية بعداً هاماً للتدريب. ويأتي هذا التدريب الذي شاركت فيه جمعية تحفيز ومجموعة من ممثلي البعثات الدبلوماسية ومنظمات المجتمع المدني من فريق إداري ومدربين ومتطوعين ولاجئين، ضمن التعاون المشترك بين منظمتي النهضة العربية (أرض) و”الدبلوماسي المستقل”، التي تدعم المجتمعات المتأثرة بالأزمات للمشاركة في النقاشات السياسية الدولية. وركز التدريب على تاريخ حقوق اللاجئين في الأردن، مع جلسات عملية لتطوير استراتيجيات دبلوماسية للتواصل مع صناع القرار، بهدف تعزيز حضور المنظمات المحلية في فضاءات صنع القرار العالمية. كما استعرض التدريب السياق الأردني لحقوق اللاجئين وسياساتهم، مستفيداً من خبرة المملكة وتجربتها الطويلة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما أضاف بعداً مهماً لربط المنظور العالمي بالواقع المحلي. وعن تجربتها في التدريب، قالت سامية، أحد القادة المجتمعيين في الأردن للجالية السودانية، : “منحني التدريب فرصة لفهم كيفية توظيف خبرتي الشخصية في صياغة رسائل دبلوماسية فعالة، وربط القضايا المحلية بالمشهد الدولي”. أما محمد، أحد القادة المجتمعيين في الأردن للجالية اليمنية، فأوضح: “أكسبني التدريب مهارات عملية للتواصل مع صناع القرار.. أشعر الآن بأن صوتنا يمكن أن يكون مؤثراً على مستوى السياسات”. ختاماً، ستستمر هذه التدريبات خلال الفترة المقبلة والسنة القادمة؛ وذلك لتمكين المنظمات العاملة في شؤون اللاجئين والقطاع الإنساني من تطوير أدواتها الدبلوماسية وشرح التحديات المشتركة مع المجتمعات المضيفة أمام الجمهور الدولي، ودعم جهود المناصرة الدولية للجمعيات المحلية في الدول المستضيفة، مما يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز العدالة والإنصاف في السياسات العالمية المتعلقة باللجوء والنزوح.
قصة الفستان الأبيض: من طفولة صعبة إلى قيادة وتمكين!

بقلم سندس صالح، إحدى مشاركات برنامج (هي تقود) بينما كنت طفلة في الصف الثالث الابتدائي، أحضرت لي والدتي ثلاثة فساتين: زهري، وأبيض، ونهدي، لأختار واحداً منها لارتدائه في حفل التخرج من المرحلة الابتدائية. ورغم شعري “المنكوش” في ذلك اليوم، اخترت الفستان الأبيض وحلمت بارتدائه بعد أن يسرح شعري في يوم الحفل. لكن الظروف المالية حالت دون استمراري في الدراسة، واضطررت لترك المدرسة قبل التخرج. بقي الفستان الأبيض معلقاً في الخزانة، رمزاً لحلم لم يتحقق. ومنذ تلك اللحظة ترسخ لديّ فهم خاطئ لـ”التقبل”، إذ ظننت أن كل ما نخسره لا نعوّضه إلا في الجنة. على النقيض، كانت شقيقتي سالي مليئة بالأمل. وكنت أدعو الله أن يبقي الأمل في قلبها حتى لا تعيش حزني ذاته. وجاءت “المعجزة” حين حصلت سالي على منحة دراسية، ومن بعدها انضممنا لبرنامج “هي تقود” الذي تنفذه منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض). ورغم أن الشروط لم تنطبق عليّ (كنت في السادسة عشرة فقط)، إلا أنني حصلت على القبول في يوم عيد ميلادي، وكأنها هدية مختلفة من الله. هناك بدأت أتعلم معنى التقبّل الحقيقي: “التقبّل ليس استسلاماً، بل أن تعيش وتبدع بطريقتك. والظروف ليست حاجزاً، بل قد تكون دافعاً لتحقيق ما تريد.” بهذا الفهم الجديد انخرطت في دورة إعلامية مدتها ستة أشهر، ومن هنا بدأت رحلتي. ومع أن الخوف القديم كاد يعيدني إلى “الدائرة السوداء”، جاءتني فرصة أخرى مع برنامج “هي تقود”. ترددت في البداية، لكن كلمات والدتي: “الوقت يمر بسرعة، لا تضيعوا الفرصة” دفعتني إلى خوض التجربة. خلال التدريبات، اكتشفت مع شقيقتي أننا نواجه قضايا يومية مثل العنف الأسري وحرمان الفتيات من التعليم. قدمنا في إحدى الجلسات صورة رمزية: عود كبريت يضيء شمعة. الكبريت والشمع مختلفان لكنهما يكملان بعضهما. كانت رسالتنا: “نحن بحاجة لبعضنا لنتكامل”. ومع الوقت، أصبحت قادرة على فهم الحقوق والسياسة والتأثير في صانعي القرار. وفاز فريقي بالمركز الأول في مسابقة دولية لتمكين المرأة في سوق العمل بين الأردن ولبنان ومصر. اليوم، لم أعد مجرد رقم، بل إنسانة فاعلة في المجتمع. رغم الانتهاكات التي مررت بها، أصبحت ناشطة ومدافعة عن حقوق الفتيات وذوي الإعاقة، وسفيرة لليونسيف عالمياً. تعلمت أن أقول: “نعم، لديّ إعاقة حركية وأجلس على كرسي متحرك. لكنه لم يقيّدني، بل جعلني أطير وأنا جالسة”. شاركت كذلك في إعداد موجز سياسات إقليمي حول العنف الإلكتروني ضد الفتيات، وسافرت إلى لبنان لأول مرة في حياتي بالطائرة. وراء كل هذا تقف أمي، التي كرست حياتها لنا، تخفي تعبها بابتسامة أمل وتؤجل رغباتها الشخصية.. “ماما نسيت حالها لأجلنا، وأنا اليوم فخورة بنجاحها من خلالنا. قد لا أستطيع أن أعوّضها، لكن نجاحنا هو ثمار تضحياتها”. وبعد ثلاث سنوات من التحديات، أطلقت أنا وشقيقتي سالي مشروعنا الخاص “استديو للتصوير”، وحولنا المعرفة التي اكتسبناها إلى فهم عميق.. فالمعرفة وحدها لا تكفي، الأهم أن نفهمها. لهذا كتبت كتيباً عن الزواج المبكر وحرمان الفتيات من التعليم بعنوان: فهم المعرفة، لأوصل رسالة هي تقود لكل العالم. أخيراً؛ عاد الفستان الأبيض ليُلبس. لم يعد رمز طفولة ضائعة، بل صار فستان النجاح والتمكين. قد لا أكون ارتديته في الصف الثالث، لكنني لبسته اليوم قائدة ومدافعة.. الفستان الأبيض اليوم أجمل بكثير!
منظمة النهضة (أرض) تعقد لقاءً حوارياً حول نظام “الفوترة الجديد”

في ظل التوجه العالمي نحو التحول الرقمي، أطلقت الحكومة الأردنية نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، الذي بدأ تطبيقه إلزامياً منذ نيسان 2025، لتعزيز الشفافية وتسهيل الإجراءات المالية ضمن الإصلاحات الضريبية والاقتصادية. صدر النظام رسمياً عام 2022 بموجب التشريعات الضريبية، ويهدف إلى رقمنة الفواتير لضمان توثيق المعاملات، تحسين تحصيل الضرائب، والحد من التهرب الضريبي. ويُعتبر خطوة مهمة نحو اقتصاد رقمي مستدام، لكنه يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومة وكافة القطاعات لضمان نجاحه. في هذا السياق، عقدت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، الأربعاء 3 أيلول/سبتمبر 2025 ضمن مشروع “جيل جديد”، لقاءً حوارياً حول “نظام الفوترة الوطني الإلكتروني الجديد”، بمشاركة جمعيات من تنسيقية المؤسسات الشبابية والتحالف الوطني للمنظمات غير الحكومية (جوناف)، لتسليط الضوء على آليات النظام، والإجابة على استفسارات مؤسسات المجتمع المدني حول تطبيقه. وتحدث في اللقاء مدير مديرية الفوترة في دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، أيمن الخوالدة، فيما أدار الحوار المستشار القانوني في منظمة النهضة (أرض)، رامي قويدر. واستعرض الخوالدة خلال اللقاء أبرز خصائص النظام، مبيناً أنه يتمتع بمرونة عالية تتيح انضمام مختلف المكلفين بسهولة ودون أعباء مالية إضافية، كما يسهم في تسريع إنجاز المعاملات الضريبية وتسهيل الحصول على إبراء الذمة، بما يعزز الشفافية والثقة بين المكلفين والدائرة. وأوضح أن الفاتورة الإلكترونية تصدر وتحفظ إلكترونيًا ضمن نظام منظم يخضع لمتطلبات شؤون الفوترة والرقابة عليها، مشيراً إلى أن التسجيل متاح عبر الموقع الإلكتروني للدائرة باستخدام الرقم الضريبي وكلمة المرور الخاصة بكل مكلف. وأكد الخوالدة أن نظام الفوترة اليوم لم يعد مجرد منصة رقمية، بل يمثل رافعة إصلاحية تسهم في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس الشفافية والمساءلة والعدالة الضريبية. يشار إلى أن دائرة ضريبة الدخل والمبيعات أطلقت النظام نهاية عام 2022، لتبدأ مرحلة انضمام الشركات والمنشآت إلى شبكة الفوترة الوطنية، قبل أن يتم مطلع العام الحالي اعتماد الإطار التشريعي للمرحلة الثانية، التي تشمل توسيع التطبيق على المشتريات المحلية من السلع والخدمات الخاضعة ضريبيًا، بموجب فواتير أصولية. ختاماً، أكد المشاركون في اللقاء على أهمية تقييم التجربة بشكل دوري لمعالجة الثغرات التي قد تسمح بالتهرب الضريبي، وتوسيع نطاق عمل النظام ليشمل أكبر عدد من القطاعات، مع رفده بإطار تشريعي متوازن يفرض عقوبات رادعة على المخالفين دون المساس بالملتزمين. وشددوا على أهمية تطبيق القانون، بما يعزز الثقة والشفافية وتحقيق سيادة القانون، فضلاً عن ضرورة استمرار الجهود في رفع الوعي حول نظام الفوترة، خصوصاً في المحافظات والقطاع غير الربحي كمنظمات المجتمع المدني. يذكر أن مشروع جيل جديد يسعى إلى تدعيم الشراكة بين مؤسسات المجتمع المدني الشبابية والتحفيز على العمل الشبابي الجماعي بطرق إبداعية تسهم بإيصال أصوات الشباب وتعزز وجودهم ومشاركتهم بالفضاء العام.