نداء عاجل إلى العالم لإيقاف حروب إسرائيل المتهورة وضمان المساءلة عن جرائمها
بيان صادر عن منظمة النهضة العربية (أرض)

نطالب المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف الحملة الإسرائيلية المستمرة من التجويع والإبادة في غزة إضافة إلى عدوان دولة الاحتلال الإسرائيلي غير المبرر على إيران، واتخاذ جميع التدابير اللازمة على نحو فردي أو جماعي، بما يتماشى مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لضمان امتثال دولة الاحتلال لالتزاماتها الدولية. وسّعت دولة الاحتلال الإسرائيلي من حملاتها العسكرية الجارية ضد قطاع غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، واليمن على نطاق واسع، فشنت هجومًا غير مبرر على إيران يوم الجمعة الماضي، بما يمثل عملًا عدوانيًا وانتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة. ولا يضيف هذا الهجوم فقط “ساحة حرب” سادسة تتسبب في دمار الشعب الإيراني وموت أفراده على نحو لا مثيل له، بل إنه أيضًا محاولة صرف انتباه عن الإبادة الجماعية المستمرة التي تُرتكب بحق السكان الفلسطينيين في غزة، والتصعيد المتزايد في الهجمات الإسرائيلية على الضفة الغربية. قبل ساعات فقط من شنّ الهجوم الإسرائيلي على إيران في 12 حزيران/يونيو، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم A/ES-10/L.34  بأغلبية ساحقة، إذ صوّتت 149 دولة لصالحه، و12 ضده، وامتنعت 19 منها عن  التصويت. يحمل القرار عنوان “حماية المدنيين والتمسك بالالتزامات القانونية والإنسانية“، ويكرّر المطالب السابقة بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار، ويطالب بالإفراج غير المشروط لا عن الرهائن المحتجزين لدى حماس وجماعات أخرى فقط، بل أيضًا عن “المحتجزين تعسفًا”، في إشارة إلى الآلاف الذين تحتجزهم دولة الاحتلال الإسرائيلي دون توجيه اتهامات إليهم. كما يدين القرار بشدة “أي استخدام لتجويع المدنيين كأسلوب في القتال واللجوء بطرق غير شرعية إلى منع إيصال المساعدات الإنسانية”. كما يشدد على نحو حاسم على “ضرورة المساءلة بغية ضمان احترام إسرائيل التزاماتها بموجب القانون الدولي، ويهيب بقاطبة الدول الأعضاء في هذا الصدد أن تتخذ، فرديًا وجماعيًا، جميع التدابير اللازمة، طبقُا لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وضمان امتثال إسرائيل للالتزامات الواقعة على كاهلها.” وعلى الرغم من أن هذا القرار غير ملزم قانونيًا، تستند هذه الدعوة إلى المساءلة  إلى قواعد آمرة في القانون الدولي تمثل التزامات ملزمة لجميع الدول الأعضاء. وباستثناء المجر التي صوتت ضد القرار، والتشيك ورومانيا وسلوفاكيا التي امتنعت عن التصويت، صوّتت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لصالح القرار، في إشارة إلى أقوى التزام أوروبي حتى الآن بمساءلة دولة الاحتلال الإسرائيلي عن الجرائم الفظيعة التي ترتكبتها بحق الشعب الفلسطيني. في هذا السياق، تُعدّ البيانات التي صدرت عن قادة العديد من هذه الدول الأوروبية نفسها والتي تدعم العدوان الإسرائيلي غير المبرر على الجمهورية الإيرانية وفي انتهاك فاضح لميثاق الأمم المتحدة، أمرًا يناقض على نحو صارخ موقفها المذكور آنفًا، ولا يفتقر فقط إلى الأسس القانونية والأخلاقية، بل يشكل خطرًا حقيقيًا، إذ قد يشجّع دول أخرى على الانخراط في الحرب، وهو أمر يُقال إنه قيد النظر حاليًا.

خطاب الكراهية ضد المرأة: بين النظرية والتطبيق

في ضوء اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية، الذي يُحتفل به في 18 يونيو/حزيران من كل عام، يغدو من الضروري في عصرنا هذا، ومع تزايد سهولة الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، إدراك الآثار الضارة التي يخلفها هذا الخطاب على الفئات الضعيفة في المجتمع، إذ غالبًا ما يستهدف خطاب الكراهية الخصائص المتأصلة في فئات معينة سعيًا إلى ضمان إقصائها عن المجال العام. وتُعرّف “استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية” خطاب الكراهية على أنه: “أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين، أو الانتماء الإثني، أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو النوع الاجتماعي أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية”. [1] تتعرض النساء جراء كونهن هدفًا رئيسيًا لخطاب الإقصاء باستمرار إلى قصف خطاب الكراهية الذي يستهدف مظهرهن وقدراتهن العقلية ومشاركتهن، إضافة إلى مجرد وجودهن ذاته في كثير من الأحيان، وذلك بدءًا بالفيلسوفة هيباتيا، إلى حرق النساء على الخازوق، وحتى خطاب الكراهية العنيف ضد النساء الذي يحظى بأقل قدر من الاهتمام على منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية[2]. وليس ثمة مثيل لخطاب الكراهية المعادي للنساء؛ إذ اتخذ أشكالًا ومظاهر متعددة عبر التاريخ، الأمر الذي يُصعّب تحديد الأساس المنطقي الدقيق المسؤول عن إخضاع النساء، والتقليل من شأنهن على الدوام وحملات التشهير التي يشنها الرجال ضدهن. إن الوجود في مجتمع أبوي يعني أن هذا الشكل من العنف أصبح أمرًا طبيعيًا ومعتادًا إلى حد أن أي محاولة لتحديه أو مقاومته باتت تُقابل بمزيد من الكراهية وصل إلى حد وصف هذه المحاولات بالتخريبية أو التدميرية. ومع ذلك، ثمة نقطة خلاف فيما يتصل بمدى ذاتية خطاب الكراهية؛ فما الذي يشكل هذا الخطاب في ضوء الطبيعة الفضفاضة والواسعة النطاق لهذا المفهوم؟   التنظير لخطاب الكراهية  فرّق الباحث ريتشاردسون-سيلف (2018)[3] بين خطاب القمع وخطاب الكراهية؛ فبالنسبة له، ليس كل خطاب قمعي خطاب كراهية، ولكنّ كل خطاب كراهية قمعي بالضرورة. ومع ذلك، غالبًا ما تُقوّض خطورة قمع خطاب الكراهية، إذ يتذرع الناس بحجة “حرية التعبير” لتبرير هذا الخطاب. لذلك، يُعتقد أن خطاب الكراهية يؤدي إلى أفعال معينة مثل الصمت، والتشويه، والازدراء، والإذلال، والترهيب، والتحريض على العنف، والتمييز، والتشهير، والإهانة، والاضطهاد، والتهديد، وما شابه ذلك. وبالتالي، إذا ما مارس أي شكل من أشكال التعبير أيًا مما سبق، واستهدف فئة مضطهدة تاريخيًا، فإن مقاضاة مثل هذا الفعل لا تُعدّ اعتداءً على “حرية التعبير”، بل بروتوكولًا يُقصد به حماية الفئات الضعيفة من جرائم الكراهية. ولتسهيل تحديد خطاب الكراهية في الأردن، ألغت الحكومة الأردنية قانون الجرائم الإلكترونية القديم (2015) ووضعت قانون جرائم إلكترونية جديدًا ومتطورًا بدلًا منه (2023) يُطبّق تدابير إضافية لمكافحة الجرائم الإلكترونية. وعلى الرغم من التحسينات الكبيرة فيه، فإن القانون الجديد، وإن كان وقائيًا، لا يُعرّف خطاب الكراهية بوضوح، ولا يُحدّد الخط الفاصل بينه وبين حرية التعبير. ضمن هذ القانون، فإن المواد الأقرب إلى تعريف خطاب الكراهية هي المواد رقم 15 و16 و17[4]، التي تُجرّم التشهير، والقذف، واغتيال الشخصية، والكراهية، وتبرير العنف، وإثارة النعرات الطائفية أو الفتنة، وازدراء الأديان. ومع ذلك، لم يُعرّف القانون أيًا من هذه المصطلحات صراحة، ولم يُشر أيٌّ منها إلى التمييز على أساس الجنس أو الفروقات بين الجنسين.     خطاب الكراهية ضد المرأة عندما يتعلق الأمر بخطاب الكراهية ضد المرأة، فثمة معايير تُحدّد مكونات هذا الخطاب. يُصوّر بعض الباحثين[5] هذا التصنيف من خلال التمييز بين الخطاب المتحيز جنسيًا والخطاب المُعادي للنساء، واعتبار الأخير خطاب كراهية قمعيًا، كما يجادلون بأن الطبيعة المُتداخلة للخطاب المُعادي للنساء تؤدي إلى إنشاء تصنيف متعسف لهن بناءً على مدى توافقهن مع النظام الأبوي؛ فكلما ازداد توافق المرأة معه، كانت أفضل، والعكس صحيح. لا يؤدي هذا إلى تحويل النساء إلى مجرد عميلات سلبيات للنظام الأبوي فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى قيام النساء أنفسهن باستغلال هذا النظام[6] لإثبات “صلاحهن” وخلق المزيد من الانقسام بينهن. ولتوضيح الحجة المذكورة أعلاه، ستتناول هذه المدونة مشاركة المرأة في السياسة مثالًا. فالسياسة، التي تُعتبر مجالًا ذكوريًا اجتماعيًا، تقبل مشاركة المرأة فيها على مضض ضمن عدة شروط، أهمها عدم تحدي وضع النظام السياسي الراهن مع التمسك بمبادئه القمعية، بما في ذلك ما هو أبوي منه. لذا، إذا أرادت المرأة لا دخول الساحة السياسية فقط، بل الحفاظ على مكانتها فيها، فلا يمكنها الخوض في مواضيع استفزازية أو مثيرة للجدل بما يشمل موضوع القمع الأبوي المنهجي، والذي يُوصف للمفارقة بهذه الطريقة جراء القمع الأبوي المنهجي ذاته. وبالتالي، يُترجم هذا التصنيف التعسفي إلى امرأة “صالحة” للسياسة وامرأة غير صالحة، وذلك بحسب مستوى توافقها مع النظام الأبوي. ويترسخ هذا المفهوم ببطء ثابت في الوعي الجماعي، إذ تتعرض المزيد من النساء اللواتي يحاولن “زعزعة” الوضع الراهن لوابل من خطاب الكراهية المتجذر في كراهية النساء، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى أن تتجنب النساء السياسة تمامًا، وهو ما يُعتبر، بطريقة غير مباشرة، إسكاتًا لهن. يزداد خطاب الكراهية حدةً عندما تكون المرأة في دائرة الضوء، سواءً أكانت سياسية[7] أم صحفية[8] أم ناشطة[9] أم شخصية عامة[10]. فعلى سبيل المثال لا الحصر، من بين سلسلة حملات الكراهية ضد المرأة، ووفقًا لتقرير صادر عن معهد الحوار الاستراتيجي، واجهت العديد من المرشحات الأردنيات خطابًا واسع النطاق معاديًا للنساء عزز المعايير المجتمعية الضارة، وتجاوزت العديد من التعليقات عبر الإنترنت الموجهة إلى المرشحات التشكيك في كفاءتهن إلى كونها مضايقات تستهدفهن بالذات[11]. كشفت دراسة أخرى أجراها معهد تضامن النساء العالمي[12] عن أبعاد العنف الانتخابي الرقمي ضد المرشحات في الانتخابات البرلمانية الأردنية لعام 2024، والذي امتد إلى التشهير بهن وقولبتهن والسخرية منهن، وغيرها من الأفعال. ويرى المعهد أن هذا النوع من العنف يُضعف ثقة الناخبين بالمرشحة، ما يُضعف تاليًا مشاركتها المستقلة في السياسة. وقد ثبتت صحة هذا الرأي، إذ لم تنجح أي مرشحة في منافسة القوائم الانتخابية المفتوحة، ولم تنجح 25 امرأة ممن ترشحن خارج نظام الكوتا. ولا تخلو حياة الصحفيات من خطاب الكراهية، إذ أفادت شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات في الأردن أن 55% من الصحفيات اللواتي شملهن الاستطلاع أفدن بمواجهتهن شكلاً من أشكال العنف عبر الإنترنت مرة واحدة على الأقل في حياتهن المهنية، بما في ذلك خطاب الكراهية والتشهير[13].   الخاتمة يُعدّ خطاب الكراهية مشكلة بنيوية لا يُمكن النظر إليها بمعزل عن غيرها، ومع تزايد إمكانية الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، وصعود الذكاء الاصطناعي المُولّد الذي يُتيح للأشخاص تزييف، أو اختلاق أو حتى إنشاء أي صورة أو مقطع فيديو واستغلالها في حملات التشهير، فإننا في حاجة إلى البدء في النظر إلى خطاب الكراهية والعنف عبر الإنترنت باعتبارها قضايا متجذرة في نسيج المجتمع ينبغي استخلاصها والقضاء عليها.      [1]

عندما أصبحت غزة ساحة اختبار للإغاثة بلا مبادئ إنسانية

في 27 أيار/مايو 2025، أطلقت “مؤسسة غزة الإنسانية” أول عملية توزيع إغاثات واسعة النطاق، وتجاوز ما تبع ذلك أسوأ مخاوفنا حتى: فوضى عارمة، وصور مدنيين يركضون بلا هدف واضح في بحث يائس عن الطعام على مشارف معبر رفح، وإطلاق نيران الرشاشات في الهواء تحذيرًا من الاقتراب، استشهد ما لا يقل عن ثلاثة فلسطينيين وجُرح 48 آخرون خلال الفوضى الدائرة، كما انهار النظام. ليس ثمة تنسيق هادف، ولا عملية إغاثة تحافظ على كرامة المستفيدين، ولا أمان لمتلقي المساعدات، وبدلًا من الاسهام في استعادة الظروف الإنسانية، عمّقت هذه العملية أزمة غيابها. غير أن هذا لم يكن مجرد فشل لوجستي فحسب، بل تجسيدًا لرؤية مُخزية وخطيرة للغاية، رؤية سبق أن دقّ خبراء العمل الإنساني، ومسؤولو الأمم المتحدة والفاعلون في المجتمع المدني ناقوس الخطر بشأنها. ومع ذلك، فقد استمر نموذج مؤسسة غزة الإنسانية، بدعم سياسي ومالي، وتجاهل متعمد للتحذيرات، وصمت متواطئ من المجتمع الدولي. إن مؤسسة غزة الإنسانية جزء من استراتيجية أوسع، وهي استراتيجية تضع جهاز تحكم عسكري مخصخص في محل الأنظمة الإنسانية متعددة الأطراف والقائمة على الحقوق. ولا تتجذر هذه المساعدة في مبادئ الحياد أو النزاهة أو الاستقلال، إنما هي إغاثة أعيد تصميمها لتلائم قيود الحصار، يديرها متعاقدون من القطاع الخاص، وتحرسها شركات أمنية، أما تنسيقها فيجري بتوجيهات من القوة المحتلة. لم تكن المشاهد المأساوية التي تكشفت في أيار/مايو غير متوقعة، بل كانت وقائع كارثة جرى التنبؤ بها قبلًا. في الواقع، وخلال عطلة نهاية الأسبوع التي سبقت هذا الاستهزاء بالعمل الإنساني، نشرت العديد من وسائل الإعلام الدولية الكبرى تحقيقات معمقة تؤكد أن مؤسسة غزة الإنسانية عبارة عن عملية مُخطط لها بعناية يقودها استراتيجيون عسكريون ومصالح تجارية في إسرائيل والولايات المتحدة، دون أي مغزى إنساني حقيقي. لم يتعرض وصول المساعدات الإنسانية للانهيار فحسب، بل أُعيدت هندسته، وجرى تسليعه واستغلاله. وما زاد الطين بلة، نشر صورًا على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت أن بعض المواد الغذائية الموزعة في غزة كانت من إنتاج شركة “سوغات“، وهي شركة رائدة تتفاخر بعقودها مع الجيش الإسرائيلي. كما أفاد الصحفيون بتوزيع كميات ضئيلة من الطعام على الناس، بالكاد كانت تكفي العائلة الواحدة لأكثر من يومين. إن فكرة حصول الفلسطينيين المحاصرين، والنازحين، والمقصوفين، على حصص غذائية مصدرها شركة متأصلة في آليات الاحتلال ذاته، هي فكرة أكثر من ساخرة. كما أن الحصص الموزعة تُشير إلى أن هذا الأمر ليس بالإغاثة الإنسانية، بل إنه تقنين قسري وتبعية تُنفذ وراء ستار المساعدات. ليست مؤسسة غزة الإنسانية جهة فاعلة إنسانية محايدة، بل أداة جيوسياسية مُغلفة بلغة مُحببة للمانحين حول “الكفاءة” و”الابتكار”. كانت هذه المساعدات تتعلق بإدارة البقاء على قيد الحياة تحت المراقبة. وبذلك، سخرت هذه المؤسسة من عقود من الجهود المبذولة لبناء نظام إنساني يهدف إلى حماية العالم من أسوأ ما في الإنسانية. هذا ليس خطأً فرديًا، بل هو انهيار منهجي، سمح به صمت وتواطؤ من كان يفترض بهم أن يكونوا أكثر وعيًا. لقد أدانت الأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا القيودَ الإسرائيليةَ على وصول المساعدات الإنسانية. لذا، فليس فحوى السؤال الآن ما الذي حدث في 27 أيار/مايو فقط، بل مفاده كيف وصلنا إلى هذا الوضع، وإلى أي مدى نحن على استعدادٍ للتغاضي عن هذا؟ هل سيواصل المجتمع الدولي التطبيع مع حصار غزة، ومع نظام يُحوّل المساعدات الإنسانية إلى نموذجٍ تجاري، والأزمات إلى سوقٍ للإذلال والنفوذ والربح؟ تتطلب هذه اللحظة  أكثر من مجرد الندم على “الدروس المستفادة”، إذ تتطلب المحاسبة، أي استعادة جماعية جريئة للعمل الإنساني بوصفه عملًا أخلاقيًا وسياسيًا.

النكبة لم تنتهِ أبدًا: التاريخ يعيد نفسه، والعدالة غائبة، والعالم صامت
بيان صادر عن منظمة النهضة العربية (أرض)

في أحلك لحظات تاريخنا، نُحيي ذكرى النكبة ونكرّم ضحاياها –ولا نعني بذلك من سقطوا في عام 1948 فحسب، بل كل من قضى جراء استمرار النكبة حتى يومنا هذا، أي بسبب الإبادة الجماعية في غزة وحتى الفظائع المرتكبة في الضفة الغربية ولبنان. وفيما نُحيي صمود الناجين من النكبة في غزة، والقدس، والضفة الغربية، وفي كل مكان، بمن فيهم ملايين اللاجئين الفلسطينيين وعشرات الآلاف من الأسرى في السجون الإسرائيلية، نوجّه تحية تقدير أيضًا لـثلاثين ألف موظف في الأونروا -غالبيتهم من الفلسطينيين- وإلى جميع العاملين في المجال الإنساني ممن خاطروا بحياتهم لخدمة أبناء شعبهم وسط أقسى الظروف. كما نتضامن مع كل من يقف إلى جانب فلسطين حول العالم، وهم الذين يعانون اليوم من ملاحقتهم لمجرد أنهم اختاروا التصريح بالحقائق ورفض الإبادة، ومواصلة النضال من أجل العدالة والحرية. تحل ذكرى النكبة هذا العام، وهي مرور 77 عامًا على تطهير فلسطين عرقيًا، وأهل غزة يواجهون مجاعة حقيقية، يعاني فيها الأطفال دون سن الثانية، والأمهات المرضعات، من سوء التغذية. أما المستشفيات، فخلت من وحدات الدم، واستنفدت الوكالات الإنسانية مخزونها من المؤن والمساعدات، بينما تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى تفكيك نظام توزيع المساعدات التابع للأمم المتحدة. وعلى صعيد آخر، بدأ عدد الوفيات الناتجة عن الجوع في الارتفاع، ويُتوقع أن تتفاقم على نحو خطير في حال استمرار هذه الظروف. ليست هذه المجاعة قضاءً وقدرًا، وإنما هي نتيجة مباشرة عن حصار تفرضه دولة الاحتلال الإسرائيلي، يمنع من خلاله دخول الغذاء والماء والوقود والدواء والكهرباء، وذلك منذ قرارها الأحادي بإنهاء وقف إطلاق النار مع حماس في 2 آذار/مارس 2025. يستخدم الاحتلال التجويع كسلاح حرب، مستندًا في فعله هذا إلى تواطؤ معظم القادة السياسيين في الغرب وصمتهم، في تحدٍ واضح وصريح لقرارات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. وما هذه المجاعة المصطنعة إلا جزءٌ من حرب إبادة تشنها إسرائيل على غزة منذ 19 شهرًا، أدّت إلى مقتل أكثر من 53 ألف فلسطيني، فيما ما يزال الكثير من الأشخاص تحت الأنقاض، كما أُصيب عشرات الآلاف من السكان، ودُمّر معظم القطاع من مساكن وبنية تحتية، وفرضت عليه الحرب ظروفًا حياتية تهدّد ما تبقّى من سكانه. وفي الضفة الغربية، تصاعدت وتيرة العنف العسكري وعنف المستوطنين على نحو لا مثيل له قبلًا، ما أدى إلى موجة تهجير قسري جديدة. في تصعيد خطير آخر، قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي تولي السيطرة الكاملة على تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، والتي تشكل نحو 60% من الأراضي المحتلة وتضم الغالبية العظمى من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، فيما يمثل خطوة خطيرة نحو الضم الفعلي للمنطقة، ويُعد تهديدًا مباشرًا لما تبقى من فرص لإقامة دولة فلسطينية، ويُعمّق المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي على حساب أصحاب الأرض الأصليين. منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شكّلت الهجمات الإسرائيلية على الأونروا عنصرًا أساسيًا في هذه الحرب، وصحيح أن دولة الاحتلال الإسرائيلي سمحت في بداية احتلالها الأراضي الفلسطينية للوكالة بمواصلة عملها، إلا أن العلاقة بينهما بقيت مشوبة بالتوتر على الدوام. ومع تصاعد الهجمات الإسرائيلية على الأونروا بالتدريج، فمن الظاهر أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتّبع سياسة واضحة تهدف منها إلى تفكيكها بالكامل-ولا ينحصر هذا المسعى بالأراضي الفلسطينية المحتلة، بل ينطبق على كل أماكن عمل الوكالة. وتستند دولة الاحتلال الإسرائيلي في أفعالها هذه إلى مبررات مفادها اتهامات كاذبة تتعلق بـ”التحريض” أو “الإرهاب”، بينما الهدف الفعلي من ذلك هو طمس قضية اللاجئين الفلسطينيين، وذلك ضمن مشروعها الاستيطاني الاستعماري. كما يمثل القانون الجديد الذي أقرّه الكنيست مؤخرًا تصعيدًا خطيرًا، ومن المتوقع أن تكون له تبعات قانونية وسياسية وإنسانية ومالية جسيمة، على الرغم من مواصلة الأونروا عملها حتى الآن. تهدد هذه الهجمات التي تحظى بدعم من حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة، وجود الوكالة ذاتها، وتهدد معها حقّ ملايين اللاجئين في الوصول إلى التعليم والصحة والحصول على المساعدة اللازمة. ندعو العالم إلى كسر الصمت. وندعو كل صاحب ضمير إلى أن يفعل ما بوسعه: سواء أكان ذلك بالكلمة، أو الاحتجاج، أو رفع الوعي، أو الملاحقة القانونية، أو الضغط السياسي، أو حتى بمجرد مشاركة شهادة على ما يحدث. معًا يمكننا إيقاف هذه النكبة المستمرة، بجميع أشكالها، ومعًا نستطيع أن نُحدث فرقًا.