مع تحوّل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى جزء متزايد من تجربة الطلبة اليومية، لم يعد السؤال في التعليم الأردني يدور حول إمكانية استخدام هذه الأدوات فحسب، بل حول ما الذي ينبغي أن يتعلمه الطالب، وما الذي ينبغي أن تعكسه أساليب التقييم من مهارات ومعارف يحتاجها الطالب للمستقبل، وكيف يمكن الحفاظ على دور الطالب والمعلم في عملية تعلّم تتغير أدواتها بسرعة.
انطلاقاً من هذه الأسئلة، عقدت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، يوم الثلاثاء 1 أيلول/سبتمبر 2026، جلسة حوارية بعنوان “الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعلّم: التوجيهي في الأردن في عصر الذكاء الاصطناعي”، ضمن سلسلة منتدى الذكاء الاصطناعي والابتكار في التعليم، وبالتنسيق مع التحالف الوطني لمستقبل التعليم في الأردن (نافع) ولجنة الذكاء الاصطناعي التابعة له. وركز الحوار على ثلاثة محاور مترابطة: التوجيهي والتقييم، والطالب والذكاء الاصطناعي، ودور المعلم والنظام التعليمي.
وأدارت الجلسة المهندسة زينب الخليل، مديرة برامج التعليم ووصول المرأة للعدالة في النهضة (أرض)، واضعة أمام المشاركين سؤالاً محورياً: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي متاحاً لكل طالب توجيهي، فكيف يمكن أن يدعم تعلمه دون أن يحل محل عملية التعلم نفسها؟ وما الذي يعنيه ذلك لأهداف التوجيهي وأساليب التقييم وما يقيسه الامتحان فعلياً؟
ومن منظور التطبيق العملي، ركز الدكتور معتز عازر، المدير التنفيذي لجمعية المهارات الرقمية، على أن التحدي يتجاوز إدخال التكنولوجيا إلى التعليم ليصل إلى بناء عقلية الطالب تجاه التعلم وقدرته على فهم الأخطاء وتحليلها والتعلم منها. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر التفسير والتدريب والتغذية الراجعة، لكن قيمته تبقى مرتبطة بقدرة الطالب على التفكير والتحليل وعدم قبول مخرجاته بصورة تلقائية، مشدداً على أن “الحصول على إجابة جاهزة لا يعني بالضرورة حدوث عملية تعلّم.”
أما سحر مطارنة، الخبيرة في قطاع التعليم، فركزت على أن الاستفادة الفعلية من الذكاء الاصطناعي تبدأ من الاستثمار في أساسيات التعلم، من المهارات اللغوية والحسابية إلى الفهم والتحليل والاستكشاف والتعلم الذاتي، مؤكدة أن “امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي لا يغني عن هذه الأساسيات.” كما شددت على اهمية مواءمة استخدام هذه الأدوات مع واقع التعليم واحتياجات الطلبة، مع مراعاة جاهزية البيئة التعليمية والبنية التحتية، وضمان وصول الطلبة إليها بصورة عادلة ومنصفة في مختلف محافظات الأردن.
ومن زاوية التعليم والمهارات المستقبلية، أكدت سوزان قدومي، المدير التنفيذي لكلية الخوارزمي الجامعية التقنية، أن التحول التكنولوجي لا ينتقص من أهمية المعلم، بل يعيد التأكيد على دوره في تأسيس الطالب وتوجيهه وتنمية شخصيته ومهاراته وإعداده للحياة وسوق العمل، مشددة على أن “المعلم لا يُستبدل بالذكاء الاصطناعي.”. كما أكدت أهمية تهيئة الطالب لسوق العمل وتعليمه الاستخدام الواعي لهذه الأدوات واحترام الملكية الفكرية، إلى جانب تطوير أدوات تتناسب مع السياق الثقافي والتعليمي واحتياجات الطلبة، وتساعد المعلم على تقديم المعرفة بصورة أكثر تفاعلية وفاعلية.
كما أبرزت النقاشات الحاجة إلى تدريب المعلمين على الاستخدام التربوي للذكاء الاصطناعي، ومراعاة الفروقات بين الطلبة في المهارات والخلفيات والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا والاستفادة منها.
من أداة جديدة إلى سؤال حول مستقبل التقييم شنو رأيك يكون بيه عن التعلم فيصير العنوان من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إعادة التفكير في التعلّم والتقييم
أعاد الحوار النقاش إلى جوهر امتحان التوجيهي نفسه: إذا أصبح الوصول إلى المعلومات والإجابات أكثر سهولة، فما الذي ينبغي أن يقيسه الامتحان مستقبلاً؟
وبرَزت الحاجة إلى تطوير أساليب تقييم تمنح وزناً أكبر للفهم والتحليل والتفكير المستقل وتطبيق المعرفة، مع التمييز بين الحالات التي يمكن فيها استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة للتدريب والتفسير والتغذية الراجعة، وتلك التي ينبغي فيها قياس قدرة الطالب بصورة مستقلة.
كما وسّع المشاركون النقاش ليشمل الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، والتحقق من المعلومات، والملكية الفكرية، وتدريب الطلبة والمعلمين، والعدالة في الوصول إلى التكنولوجيا، والحاجة إلى تعزيز المحتوى والمراجع العربية الموثوقة.
وخلص الحوار إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم ليس مسألة توفير أدوات فحسب، بل مسألة جاهزية تعليمية؛ فهو يتطلب طالباً يمتلك المهارات الأساسية والتفكير النقدي، ومعلماً قادراً على توظيف التكنولوجيا تربوياً، ومؤسسات قادرة على ضمان استخدامها بصورة مسؤولة وعادلة، بالتوازي مع إعادة التفكير في أهداف التعلم وما ينبغي أن تقيسه أدوات التقييم.
وبهذا المعنى، لا يضع الذكاء الاصطناعي التكنولوجيا في مواجهة التعليم التقليدي، بل يفتح المجال أمام سؤال أوسع حول التعليم الذي يحتاجه الأردن للمستقبل، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز التعلم دون أن تنقص منه.
هذا ويأتي اللقاء في إطار مشروع “الاستثمار في المستقبل: أنظمة تعليمية مستدامة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم الأردني”، الذي تنفذه النهضة (أرض) بالشراكة مع رؤيا أمل وبالتعاون مع غصون الرحمة، وفي سياق عمل نافع كمساحة للتنسيق وتبادل المعرفة والخبرات حول مستقبل التعليم والتحول الرقمي.








