علم الكلام الماتريدي: الإشكالات والإضافات

من الميزات الأساسية للكلام الماتريدي أنه تشكَّل في إطار المذهب الفقهي الحنفي، خارج مركز الإسلام الأساسي في الحجاز والشام والعراق، بحيث عُرف مدة قرون بأنه مذهب علماء سمرقند، وظل محور تركزه لمدة طويلة في خراسان وبلاد ما وراء النهر.

ومع أن أبا منصور الماتريدي (المتوفى سنة 333هـ) يُعدُّ المؤسس الأصلي للمذهب، فإنه لا يقدم نفسه كذلك، بل يحاول في كتبه المتوافرة، مثل كتاب التوحيد وتفسيره للقرآن الكريم، أن يقدم صياغة نسقية مكتملة للآراء الحنفية في الكلاميات، بالاستناد إلى تراث المذهب، وبصفة خاصة إلى أقوال أبي حنيفة التي حفظ لنا التاريخ بعضها، ولو مع بعض التعديلات اللاحقة (الرسالة إلى عثمان البتي، والفقه الأبسط، والعالم والمتعلم).

وأهم هذه الآراء يمكن تلخيصها في أربع أطروحات أساسية، هي:

جواز المعرفة العقلية بالله، وبالحسن والقبيح، والاعتقاد بأن الأفعال الإلهية معللة بالحكمة، وإن كان الله هو خالق السنن التي نعرف بها العالم، وخالق المعايير القيمية المدركة عقلياً.

تعريف الإيمان من منظور إرجائي بصفته تصديقاً بالقلب ونطقاً باللسان؛ فلا تدخل فيه الأعمال، ولا يزيد ولا ينقص، ولا مجال فيه للاستثناء.

الجمع بين القول بخلق أفعال العباد مع إثبات تأثير الاستطاعة البشرية عند الفعل إزاء المضادات المتمايزة.

اعتبار الصفات معاني قائمة بالذات، غير متحدة معها ولا منفصلة عنها، وكلها قديمة، بما يعني رفض التمييز الكلامي المعروف بين صفات الذات وصفات الفعل.

ومع أن الماتريدي بلور في كتابه التوحيد، الذي ألَّفه على الطريقة الكلامية (الاعتزالية)، النظريات الأساسية للمدرسة الماتريدية في جدل ممتد مع رؤوس الاعتزال، وبالخصوص أبي القاسم البلخي وابن شبيب، ومع الكرامية المنتشرين في بلاده، فإن المذهب الحقيقي لم يتشكل إلا في نهاية القرن الخامس الهجري مع أبي يسر البزدوي (توفي سنة 493هـ)، مؤلف كتاب أصول الدين، وأبي معين النسفي (توفي سنة 508هـ)، وهو الشارح الأكبر لأفكار وآراء الماتريدي، ومؤلف أحد أهم كتب الكلام الكلاسيكي، تبصرة الأدلة، بالإضافة إلى كتابين ثانويين هما بحر الكلام والتمهيد لقواعد التوحيد.

ولقد اضطلع سعد الدين التفتازاني (ت 792هـ) بجهد واسع في إعادة صياغة المذهب وفق قواعد علم الكلام المتأخر، كما دمج فيه المقولات الفلسفية وقربه من الأشعرية، ومن أهم كتبه شرح العقائد النسفية وشرح المقاصد.

ومع أن الأشاعرة والماتريدية المتأخرين يؤكدون تقارب المذهبين إلا في اختلافات يسيرة، ذهب بعضهم إلى أنها ثلاث عشرة مسألة، واختزلها مونتغمري وات في أربع مسائل تتعلق بالإيمان، وعقيدة القدر، وعذاب العصاة، وصفات الفعل، إلا أن الجدل بين الفريقين امتد عهوداً طويلة، خصوصاً في فترة صعود أشاعرة نيسابور في القرن الخامس الهجري.

ومن الجلي أن المدرستين تختلفان في المنطلقات الإبستمولوجية والأخلاقية وفي بعض أسس العقائد، وإن اتفقتا في الأطروحة الصفاتية في خطوطها العامة. كما أن متأخري الماتريدية اعتمدوا الطبيعيات الأشعرية ذات الخلفيات الاعتزالية، أي نظرية الجوهر الفرد، رغم أن الماتريدي نفسه عزف عنها.

ودون الخوض التفصيلي في الأدبيات الماتريدية، يمكن أن نقول إنها، وإن كُتبت على طريقة المتكلمين المتقدمين، فإنها تتميز بالعمق والثراء من المنظور الفلسفي، ويمكن أن نلخصها في أطروحة مفادها: انتظام الكون الطبيعي والبشري بحسب قوانين يضعها الله في العالم والخليقة، ويمكن للعقل البشري أن يدركها، كما يمكن للإرادة الإنسانية أن تكون فاعلة في التحكم فيها.

إن هذه الأطروحة تتعارض مع مصادرتين من مصادرات المعتزلة، وهما: الاستقلالية الأنطولوجية للعقليات والأخلاقيات، بما قاد إلى متاهات معروفة مثل عقيدة الأصلح وقياس التمثيل بين صفات الله وأفعاله وصفات العباد، وتعدد خلق الأفعال، بحيث يتمتع الإنسان بالقدرة على خلق أفعاله باستقلال عن الله.

كما تتعارض الأطروحة مع مصادرتين من مصادرات الأشعرية، وهما: اختصاص المعرفة الإلهية ومرجعية الأخلاقيات بالنص المنزل بمنأى عن العقل، والقول بأن الاستطاعة البشرية لا تؤثر في القدرة على الفعل الذي هو مخلوق.

ما يميز المدرسة الماتريدية هو التفاؤل الإبستمولوجي الذي يجعل الإنسان قادراً على إدراك مختلف المسارات الطبيعية والمعيارية والحقائق الإلهية من خلال المصادر الثلاثة التي بحوزته، وهي: العيان، والخبر، والنظر العقلي. وهي المحددات التي انطلق منها الماتريدي في كامل محطات منهجه في المسائل الكلامية المختلفة.

ويرفض الماتريدي خيار «اللاهوت السلبي» على الطريقة الجهمية، أي القول بعجز العقل عن معرفة الله. كما أنه يتبنى دليل الحدوث الكلامي، لكنه لا يراه كافياً للإجابة عن السؤال الرئيسي المتعلق بصلة الله بالعالم؛ فإذا كان هذا الدليل يؤدي بالضرورة إلى عقيدة الخلق، فإنه يفترض وجود ارتباط بين القديم والحدث دون التطرق إلى هذه العلاقة.

ومن هنا يبرز الإشكال الرئيسي: إذا كان الله قديماً وباقياً، وصفاته أزلية، فكيف يمكن تفسير خلقه للعالم في الزمن؟

وللإجابة عن هذا الإشكال، يميز الماتريدي بين منطق الدلالة الذي يدل على حدوث العالم عن طريق خلق الله، وقياس التمثيل الذي يفضي إلى ما يرفضه من تشبيه الخالق بالمخلوق.

ولهذا الإشكال ارتباط قوي بمسألة الصفات، باعتبار القول الذي انفرد به الماتريدي، والذي جر نقاشاً طويلاً مع الأشاعرة، من تمييز بين صفة التكوين الأزلية، التي تختلف عن القدرة والإرادة، وفعل الخلق في الزمن.

وهذا الموقف هو الذي حدا بالماتريدي إلى الانحياز للتأويل العقلي للصفات الخبرية، دفعاً للتشبيه والتجسيم، دون إفراغها من مضامينها الإيجابية، وهو نفس موقف الأشعرية المتأخرة.

وبخصوص مذهب التحسين العقلي، خالف الماتريدي الأشاعرة في رفضهم لهذا المبدأ، كما خالف المعتزلة في صياغتهم للمذهب من منظور استقلالية المعايير الأخلاقية عن التشريع الإلهي، موفقاً بين عقيدة السيادة الإلهية المطلقة وعقلانية الأفعال البشرية، انطلاقاً من الحكمة الإلهية الإرادية التي تتجسد في معايير ثابتة ومعقولة وضعها الله بكامل إرادته، ومنح الإنسان القدرة على فهمها واستكناهها.

ومن هنا يُدخل الماتريدي مفهوم «الاختيار» في تحديد طبيعة الفعل الإنساني، فيما وراء الجدل الكلامي السابق حول علاقة القدرة المطلقة بالاستطاعة المحدثة وزمنيتها، أقبل الفعل أم خلاله، معتبراً أن الفعل الإنساني يحكمه نمطان من الاستطاعة: الأولى هي «استطاعة الأسباب والأحوال»، وهي قبلية طبيعية سابقة على الفعل، والثانية هي الاستطاعة مع الفعل التي تتعلق بـ«الضدين»، أي الخيارات المتعارضة.

ومن هنا يخلص إلى أن الله يخلق الاستطاعة والفعل، لكن الإنسان له إرادة حقيقية تؤسس مسؤوليته الأخلاقية، دون أن يكون خالقاً مستقلاً لأفعاله.

تلك أبرز آراء أبي منصور الماتريدي، ولم تتغير كثيراً لدى الأجيال اللاحقة في المذهب، على عكس الاتجاه السائد لدى المعتزلة والأشاعرة.