الحماية تبعا للاحتياجات لا التمويل: تأملات من مشاركة النهضة (أرض) في الدورة السابعة والسبعين للجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

ماريا جيوفانا مارياني شكّلت الدورة السابعة والسبعون للجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، التي عُقدت في جنيف بين 12 و16 تشرين الأول/أكتوبر 2026، محطة مهمة لمناقشة مستقبل الحماية الدولية، في أول دورة يخاطبها المفوض السامي الجديد لشؤون اللاجئين، برهم صالح. وفي إطار تعاونها مع منظمة الدبلوماسي المستقل (Independent Diplomat)، شاركت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) في هذه النقاشات، حاملةً رؤى المجتمع المدني الأردني والإقليمي بشأن الحلول المستدامة، ومحلية العمل الإنساني، وتقاسم المسؤوليات، ومستقبل دور المفوضية. برزت خلال الاجتماعات مبادرة «50 بحلول 2035»، الهادفة إلى خفض عدد اللاجئين الذين يعيشون في حالات لجوء ممتدة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية إلى النصف بحلول عام 2035. وأكد المفوض السامي أن الهدف ليس تقليص المساعدات، بل تقليص الحاجة إليها. ويمثّل هذا التمييز جوهر أي نهج قائم على الحلول؛ إذ لا ينبغي قياس النجاح بأعداد العائدين فقط، بل بمدى تمكين اللاجئين من الوصول إلى حقوقهم والعيش بكرامة، سواء من خلال العودة الطوعية الآمنة أو الاعتماد على الذات أو إعادة التوطين والمسارات التكميلية الأخرى. وبالنسبة إلى النهضة (أرض)، يتطلب ذلك اعتماد نهج حقوقي شامل يضمن وصول جميع اللاجئين في الأردن، بمن فيهم غير السوريين وغير المسجلين لدى المفوضية، إلى الوثائق المدنية والخدمات الأساسية وفرص العمل وسبل العيش المستدامة، باعتبارها شروطاً أساسية للحماية والكرامة والاستقلالية. كما أثارت الاجتماعات تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل المفوضية في ظل تراجع التمويل وإعادة هيكلة العمل الإنساني. فقد يكون تقليص حجم المفوضية ضرورياً، لكنه يجب ألا يؤدي إلى إضعاف منظومة الحماية أو نقل مسؤولياتها إلى الجهات المحلية دون توفير الدعم اللازم. فمحلية العمل الإنساني لا تعني نقل أعباء التنفيذ، بل بناء شراكات عادلة تعترف بالمنظمات المحلية شريكاً في صنع القرار وتحديد الأولويات وتخصيص الموارد. ويتطلب ذلك تمويلاً مستقراً، ودعماً مؤسسياً طويل الأمد، وتكاملاً بين دور المفوضية في حماية المعايير الدولية والتنسيق، ودور الجهات المحلية في فهم احتياجات المجتمعات والاستجابة لها. وفي هذا السياق، نظّمت النهضة (أرض) فعالية جانبية بعنوان «سد الفجوات المتزايدة: تعزيز الاستجابات بقيادة محلية في مرحلة تحوّل دور المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، بمشاركة شركاء من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب الدبلوماسي المستقل، والمفوضية، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC)، والمجلس الدولي للوكالات التطوعية (ICVA)، وجهات مانحة ومنظمات أخرى. وركزت الفعالية على ضرورة ترجمة الالتزامات بمحلية العمل الإنساني إلى شراكات عملية ومنصفة، تضمن مشاركة الجهات المحلية في صياغة الحلول والقرارات المتعلقة بالموارد. كما أتاحت المشاركة تعزيز الحوار مع المانحين والشركاء، والمساهمة في النقاشات التحضيرية للمنتدى العالمي للاجئين، والتأكيد على أن تقاسم المسؤوليات يجب أن يشمل دعماً مستداماً للدول المستضيفة ومنظومات الحماية المحلية. وتكتسب هذه النقاشات أهمية إضافية مع انتخاب الأردن عضواً في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة 2027–2029، بحصوله على 171 صوتاً، على أن تبدأ عضويته في الأول من كانون الثاني/يناير 2027. وتمثل هذه العضوية فرصة لتعزيز التزام الأردن بحقوق الإنسان والسلام والكرامة وعدم التمييز، استناداً إلى دوره الطويل في استضافة اللاجئين ودعم التعاون متعدد الأطراف رغم التحديات الإقليمية. في المحصلة، أكدت الدورة السابعة والسبعون أن مستقبل حماية اللاجئين يتطلب تضامناً حقيقياً، وشراكات منصفة، وموارد مستدامة، وحلولاً قائمة على الحقوق. وأي تحوّل في دور المفوضية يجب أن يضع اللاجئين واحتياجاتهم في صميم الأولويات، لا أن يخضع لمنطق تقليص الميزانيات. فالحماية لا ينبغي أن تتراجع بتراجع التمويل، ولا أن تتحدد وفق أولويات المؤسسات أو مستويات الاهتمام الدولي. الحماية يجب أن تتبع الناس، لا التمويل.

الأزمة الإنسانية في اليمن ومضيق باب المندب

فينسنت ميتزغر – متدرب في مركز النهضة الاستراتيجي منذ مطلع أيلول/سبتمبر 2026، امتدت المواجهات في اليمن إلى مواقع استراتيجية، من بينها جزيرة ميون ومدينة المخا الساحلية، ما زاد الضغوط المحيطة بمضيق باب المندب، أحد أهم ممرات الملاحة الدولية. وأدت موجة التصعيد إلى نزوح أكثر من 120 ألف يمني، توجّه كثير منهم إلى تعز ولحج. وعلى امتداد أكثر من عقد من النزاع، نزح داخليًا نحو 4.5 ملايين شخص، بعضهم أكثر من مرة، أي ما يعادل قرابة 14% من السكان. ولا تقتصر تداعيات النزاع على المجتمعات اليمنية، بل تمتد إلى اللاجئين المقيمين في البلاد، كما تهدد حركة التجارة وإيصال المساعدات عبر باب المندب. ويُقدَّر أن نحو نصف سكان اليمن، أي قرابة 41 مليون شخص، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. اليمن على حافة أزمة أعمق حتى قبل موجة التصعيد الأخيرة، كانت قدرة اليمن محدودة على الاستجابة لأزمة كبرى جديدة. فبعد أكثر من عقد من الصراع، يعاني الاقتصاد من الضعف، وتتسع رقعة الفقر، فيما يرزح النظام الصحي تحت ضغوط حادة. ويعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، في حين لا يعمل بكامل طاقته سوى نحو نصف المرافق الصحية. كما أسهم الانقسام بين فرعي البنك المركزي في صنعاء وعدن في نشوء أسعار صرف مختلفة وتعقيد النشاط الاقتصادي. وبحسب الباحث والناشط اليمني أسامة الفقيه، قد تخضع السلع المتجهة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، عبر ميناء عدن، لرسوم إضافية؛ إذ تُفرض عليها التزامات مالية من الحكومة ثم من سلطات الحوثيين، ما يرفع تكاليف التجارة ويحد من جاذبية الاستثمار. وزاد النزوح من الضغوط على المجتمعات المحلية. فاليمن يفتقر إلى مخيمات منظمة وكبيرة تستوعب أعداد الفارين من القتال، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى الإقامة لدى أقاربها أو الاندماج في المجتمعات المضيفة. ورغم أن ذلك يوفر مأوى مؤقتًا، فإن النزوح المتكرر يعني فقدان المنازل ومصادر الرزق والشبكات الاجتماعية. كما تصل الأسر النازحة إلى عدن والحديدة وأبين وتعز في وقت تعاني فيه الخدمات الإنسانية أصلًا من ضغوط كبيرة. أما سبل الخروج من اليمن فتبقى محدودة. فقد عبر نحو ثلاثة آلاف شخص مضيق باب المندب إلى جيبوتي، وهي من المسارات القليلة المتاحة لمغادرة البلاد. ويستوعب مخيم مركزي في جيبوتي حاليًا نحو خمسة آلاف لاجئ، فيما يُتوقع وصول أكثر من عشرة آلاف شخص إضافي، وفقًا لليونيسف التي تتابع أيضًا احتمالات تحرك النازحين باتجاه الصومال. وبينما يستطيع بعض من يملكون الموارد أو العلاقات مغادرة البلاد جوًا إلى عمّان أو القاهرة، لا يجد كثيرون بديلًا عن النزوح المتكرر داخل اليمن. وينطبق ذلك أيضًا على نحو 65 ألف لاجئ مسجل في اليمن، غالبيتهم من الصومال وإثيوبيا. وقد عاد بعضهم إلى بلدانهم، فيما بقي كثيرون في اليمن. وعلى الرغم من أن القانون اليمني يضمن لهم رسميًا الحماية من التمييز، فإنهم، بحسب أسامة الفقيه، يواجهون عمليًا كثيرًا من الانتهاكات نفسها التي يتعرض لها النازحون اليمنيون. باب المندب والتجارة العالمية تتزامن الأزمة الإنسانية مع تطورات متسارعة حول مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. ويُقدَّر أن 12–15% من التجارة العالمية تمر عبر المسار الأوسع للبحر الأحمر، ما يجعل المضيق شريانًا مهمًا للملاحة الدولية واقتصادات المنطقة. ومع استمرار الحرب، ازدادت الأهمية الاستراتيجية للمضيق في ظل تحويل جزء من صادرات النفط السعودية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي، عبر خط أنابيب «بترولاين» الممتد من شرق المملكة، والذي تعرض بدوره لهجمات عسكرية. ومن أصل نحو 4.5 ملايين برميل نفط تُصدَّر عبر ينبع، كان نحو ثلاثة ملايين برميل تمر عبر باب المندب. وقد دفعت التطورات الأخيرة إلى زيادة الاهتمام بالمضيق والساحل المحيط به. فأي اضطرابات أو مخاطر أمنية قد تدفع السفن إلى تجنب باب المندب والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، بما يطيل مدة الرحلات ويرفع تكاليفها ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية. ولا تنحصر آثار هذه الاضطرابات في التجارة، بل تمتد إلى العمليات الإنسانية. فالمنظمات الإغاثية تعتمد على استمرارية طرق النقل لإيصال الغذاء والأدوية وغيرها من المساعدات، وأي ارتفاع في التكاليف أو تأخير في الشحن أو تزايد للمخاطر الأمنية يزيد من صعوبة عملها. العمل الإنساني تحت الضغط تواجه المنظمات الإنسانية تحديات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين. وقد أشار لوران بوكيرا، المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، إلى أن انعدام الأمن، وقيود الحركة، ومشكلات الاتصالات تعرقل الوصول إلى مناطق الساحل الغربي، إلى جانب المخاوف المتعلقة بسلامة العاملين في المجال الإنساني والمستودعات. ويظل نقص التمويل تحديًا أساسيًا. فخطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، البالغة قيمتها 2.16 مليار دولار أمريكي، لم تتلقَّ، حتى وقت إعداد هذا التقرير، سوى نحو 18% من التمويل المطلوب. لكن توفر التمويل والإمدادات لا يضمن بالضرورة وصول المساعدات. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، يتعرض عاملون في المجال الإنساني للاحتجاز منذ عام 2014، وهي ممارسات أصبحت، بحسب أسامة الفقيه، من أبرز القيود المفروضة على العمل الإنساني. وبحلول أيلول/سبتمبر 2026، كان قد تم احتجاز 73 موظفًا تابعًا لمنظمات مختلفة في الأمم المتحدة منذ عام 2021. وقد أكدت الأمم المتحدة أن هذه الاحتجازات حدّت بصورة كبيرة من قدرتها على تقديم المساعدات في أنحاء اليمن. وفي عام 2025، علقت الأمم المتحدة التنقلات الرسمية إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وداخلها بعد احتجاز مزيد من موظفي الإغاثة، بسبب مخاوف تتعلق بسلامة العاملين، ما زاد صعوبة الوصول إلى بعض المناطق الأشد احتياجًا. وعليه، لا ترتبط الأزمة الإنسانية بحجم التمويل والإمدادات وحدهما، بل كذلك بقدرة العاملين في المجال الإنساني على الوصول الآمن إلى المجتمعات المتضررة. وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الإفراج الآمن عن الموظفين المحتجزين، محذرًا من أن هذه الاحتجازات تقيد قدرة الأمم المتحدة وشركائها على تقديم المساعدة. تكشف أزمة اليمن مدى الترابط بين الاحتياجات الإنسانية وحركة النقل والتجارة والأمن الإقليمي. فما يجري حول باب المندب تتجاوز آثاره حدود اليمن، إلا أن الأسر النازحة والمجتمعات المحلية تبقى أول من يتحمل كلفة التصعيد. فالصراع على السيطرة على أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة العالمية لم يعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب. ومع استمرار القيود على وصول العاملين في المجال الإنساني واتساع فجوات التمويل، ستظل الأسر النازحة في مواجهة التداعيات الأكثر إلحاحًا. ومن ثم، فإن ضمان الوصول الإنساني الآمن، وحماية العاملين في الإغاثة، وتقليص فجوة التمويل، إلى جانب استمرار الاهتمام الدولي بالأزمة، تمثل عناصر أساسية لمنع مزيد من التدهور ودعم السكان المتضررين من النزاع.

النهضة (أرض) وأرض الإنسان – إيطاليا تبحثان سبل تعزيز حماية الطفل في الأردن في ظل التحديات المتزايدة

يهدد تزايد الضغوط الاقتصادية وتراجع التمويل الإنساني بتفاقم المخاطر التي تواجه الأطفال والأسر الأكثر هشاشة في الأردن، بما في ذلك عمالة الأطفال والتسرب المدرسي والاستغلال وصعوبة الوصول إلى خدمات الحماية والمساعدة القانونية. وسلّطت جلسة حوارية نظمها مركز النهضة الاستراتيجي، الذراع البحثية لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، بالتعاون مع منظمة أرض الإنسان – إيطاليا، الضوء على هذه التحديات، من خلال مناقشة نتائج وتوصيات تقريرهما البحثي المشترك «تقاطع المخاطر والحقوق: احتياجات حماية الطفل والحماية القانونية في الأردن». وجمعت الجلسة ممثلين عن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والوطنية والعاملين في مجال حماية الطفل، حضورياً وعبر الإنترنت، لبحث سبل الحفاظ على خدمات الحماية وتعزيز فاعليتها في ظل تقلص الموارد وتزايد الاحتياجات. واستند التقرير، الذي شمل محافظات عمّان ومعان والمفرق والزرقاء، إلى تقييم لاحتياجات الفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين وأفراد المجتمعات المستضيفة، باستخدام أدوات بحثية كمية ونوعية، بما في ذلك الاستبيانات ومجموعات النقاش المركزة وتحليل البيانات الميدانية. وكشفت النتائج عن ترابط وثيق بين الضغوط الاقتصادية والفجوات القانونية والمخاطر التي يتعرض لها الأطفال، إذ يؤدي ضعف الوعي القانوني وصعوبة الحصول على الوثائق المدنية والضغوط النفسية والاجتماعية إلى زيادة احتمالات التعرض للعنف والاستغلال والإهمال، والحد من فرص الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية. وكانت إحدى أبرز الرسائل التي خرج بها النقاش ضرورة الحفاظ على المكتسبات التي تحققت عبر سنوات من العمل في مجال حماية الطفل، وعدم السماح لتراجع التمويل بتقويضها. وأكد المشاركون أهمية الاستفادة من الخبرات والتدخلات القائمة بدلاً من استحداث استجابات موازية، وتوجيه الموارد المحدودة نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً. وخلصت المناقشات إلى أربع أولويات لتعزيز الاستجابة المشتركة: استدامة خدمات الحماية: تعزيز التنسيق بين الجهات العاملة في القطاع وحشد الموارد بصورة مشتركة لضمان استمرار الخدمات الأساسية والحد من الفجوات الناجمة عن نقص التمويل. تيسير الوصول إلى الخدمات: تحديث المعلومات المتعلقة بمقدمي الخدمات وتطوير آليات الإحالة، بما يضمن وصول الأطفال والأسر إلى المساعدة القانونية والدعم النفسي والاجتماعي وخدمات الحماية المناسبة. تطوير التوعية المجتمعية: اعتماد وسائل تواصل مبتكرة ومستمرة تراعي احتياجات المجتمعات المحلية وقنوات التواصل الأكثر ملاءمة لها، رغم تراجع التمويل المخصص للتوعية. تعزيز البحث والتعلم المؤسسي: توثيق التدخلات والتجارب والدروس المستفادة، وتوظيف الأدلة البحثية في تطوير البرامج والسياسات وجهود المناصرة. وافتتحت الجلسة ماريا جيوفانا مارياني من مركز النهضة الاستراتيجي، فيما استعرضت مارتينا مانوكي، ممثلة منظمة أرض الإنسان – إيطاليا في الأردن ومنسقة برامجها في فلسطين، أبرز نتائج التقرير وما تطرحه من أولويات للعمل المشترك. وأكدت المناقشات أهمية الربط بين نتائج البحوث والخبرات الميدانية وصنع السياسات، لا سيما في ظل التحديات التمويلية التي تفرض على المؤسسات إعادة ترتيب أولوياتها، مع ضمان عدم تراجع مستوى الحماية المقدمة للأطفال. وتبقى الأولوية في المرحلة المقبلة ترجمة نتائج البحث والحوار إلى تنسيق أكثر فاعلية، ومسارات إحالة أكثر كفاءة، وجهود مشتركة تحافظ على استمرارية خدمات حماية الطفل والمساعدة القانونية. وفي هذا الإطار، تواصل النهضة (أرض) ومنظمة أرض الإنسان – إيطاليا دعم التعاون بين الجهات المعنية، وتعزيز المناصرة المستندة إلى الأدلة، بما يسهم في حماية حقوق الأطفال والحفاظ على المكتسبات التي تحققت في الأردن. للاطلاع على التقرير الكامل: تقاطع المخاطر والحقوق: احتياجات حماية الطفل والحماية القانونية في الأردن

الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 عند منعطف: أي مستقبل للتعددية؟

كلاس ياكوب فيليم هوغربروغه – متدرب في مركز النهضة الاستراتيجي   شكّلت الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة اختبارًا حاسمًا لقدرة التعددية على الاستمرار والفاعلية في عالم تتعمق فيه الانقسامات الجيوسياسية، وتتواصل النزاعات، وتتسارع المخاطر العابرة للحدود. وقد كشفت الدورة عن تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، بالتوازي مع محاولات لإعادة ترسيخ نظام دولي قائم على القواعد والقانون الدولي. ولم يكن التحدي الأكبر أمام التعددية رفض القانون الدولي صراحة، بقدر ما تمثّل في انتقائية تطبيقه، وهي إشكالية تتجلى بوضوح خاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. افتُتحت الدورة في 8 أيلول/سبتمبر 2026 تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، في إقرار واضح بتراجع الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف بفعل الحروب والأزمات الإنسانية وتغير المناخ والتحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي. وأكد رئيس الجمعية العامة المنتخب، خليل الرحمن من بنغلاديش، ضرورة تعزيز قدرة الأمم المتحدة على التكيف والإصلاح وتحقيق نتائج ملموسة. وتتجلى أزمة التعددية أيضًا داخل الأمم المتحدة نفسها، في ظل الضغوط المالية وتأخر الدول الأعضاء في سداد مساهماتها، واستمرار شلل مجلس الأمن، وتصاعد التساؤلات بشأن قدرة المنظمة على الوفاء بمسؤولياتها. ومع أزمة السيولة وتراكم الالتزامات المالية، باتت الفجوة أكثر وضوحًا بين حجم المهام الملقاة على الأمم المتحدة وإمكاناتها الفعلية لتنفيذها. وكما عبّر رئيس الجمعية العامة، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الأمم المتحدة موجودة، بل ما إذا كانت قادرة على أداء دورها بفاعلية. ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية مع اقتراب مرحلة انتقالية مؤسسية، تشمل اختيار خلف للأمين العام أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026.   تآكل التعددية أظهرت الدورة الحادية والثمانون أن ركائز النظام متعدد الأطراف، مثل المساواة في السيادة، وسلامة الأراضي، وحظر استخدام القوة، وحقوق الإنسان، ومؤسسات القانون الدولي، لا تزال قائمة من حيث المبدأ، لكنها تتعرض لضغوط متزايدة في الممارسة. وقد هيمنت على مداولات الجمعية العامة مجموعة من الأزمات الممتدة والمتشابكة، في مقدمتها الحرب على غزة والتطورات في الضفة الغربية والقضية الفلسطينية عمومًا، والحرب الروسية على أوكرانيا، والتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، فضلًا عن حوكمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية. تستند الدول جميعها تقريبًا إلى القانون الدولي في خطابها، لكن الالتزام به يتراجع حين يتعارض مع المصالح الوطنية. ففي القضية الفلسطينية، أوضحت قرارات مجلس الأمن وأحكام وفتاوى محكمة العدل الدولية التبعات القانونية للاحتلال والاستيطان وسياسات أخرى، إلا أن الإنفاذ الفعلي لا يزال محدودًا. في المقابل، شهد الغزو الروسي لأوكرانيا فرض عقوبات سريعة وإجراءات أخرى قُدمت صراحة باعتبارها ردًا على انتهاك ميثاق الأمم المتحدة. وهذا التفاوت ليس سياسيًا فحسب، بل يمس بنية النظام الدولي ذاته. فعندما تُطبق القواعد بحزم على بعض الانتهاكات، فيما تُهمَل أو تُضعف في حالات أخرى، يصبح القانون الدولي عرضة لأن يتحول من مرجعية عالمية إلى أداة محكومة بموازين الاصطفاف الجيوسياسي. وقد تكون الانتقائية في الإنفاذ أكثر ضررًا من الرفض الصريح للقانون، لأنها تقوض الثقة بكونه معيارًا محايدًا يسري على الجميع. ومن منظور المنطقة العربية، تبدو هذه المفارقة أكثر حدة. فاستمرار الاحتلال والحصار والتهجير القسري وغيرها من الانتهاكات يكشف الفجوة بين المبادئ التي يُعاد تأكيدها في نيويورك وبين غياب إنفاذها على الأرض. وحين يُستدعى حكم القانون من دون تطبيق متسق، تصبح التعددية نفسها عرضة للتحول إلى خطاب سياسي أكثر منها إطارًا للمساءلة. في الوقت نفسه، تتعرض منظومة المساءلة لضغوط إضافية، من بينها محاولات تقويض شرعية المحكمة الجنائية الدولية أو ثني الدول عن التعاون معها، إلى جانب التهديد بالانسحاب من مؤسسات واتفاقيات دولية، ونقص التمويل، وتأخر المساهمات المالية. وتبقى تجربة عصبة الأمم ذات دلالة. فهي لم تنهَر في لحظة واحدة، بل تآكلت تدريجيًا بفعل الانسحابات والاستثناءات والتسامح مع الانتهاكات. والخطر اليوم ليس أن تصبح الأمم المتحدة خالية من أعضائها، بل أن تبقى قاعاتها مكتظة فيما تتراجع قدرتها على التأثير والإنفاذ.   قوى تدعم التعددية وتجددها على الرغم من هذه التحديات، أظهرت الدورة أيضًا وجود قوى لا تزال قادرة على حماية التعددية ودفعها نحو التجدد. ففي 21 أيلول/سبتمبر 2026، وعلى هامش أعمال الجمعية العامة، أطلق الاتحاد الأوروبي وأستراليا وبربادوس والبرازيل وكندا والهند وكينيا مبادرة «شركاء من أجل التعددية» (P4M)، التي تجمع دولًا ملتزمة بالسلام والاستقرار والتنمية الشاملة والمستدامة والازدهار المشترك والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، وتسعى إلى حماية مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ودعم إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف وتحديثها لتصبح أكثر تمثيلًا وفاعلية وثقة. وتكمن أهمية المبادرة في طابعها العالمي والعابر للأقاليم؛ فهي تقدم التعددية باعتبارها بنية مشتركة لحماية القانون الدولي والسلام والازدهار، لا مشروعًا غربيًا أو إقليميًا. وسيعتمد أثرها الحقيقي على قدرتها على تحويل الالتزامات السياسية إلى عمل جماعي منسق. كما تمنح العضوية شبه العالمية للأمم المتحدة وشبكتها المؤسسية الواسعة النظام الدولي قدرًا مهمًا من الصمود. فالوكالات والبرامج الأممية حاضرة يوميًا في مجالات الصحة والأمن الغذائي وحماية اللاجئين والتنمية والعمل الإنساني، وهي بنية لا تحل جميع الأزمات، لكنها تبقى أساسًا لا غنى عنه للعمل الجماعي. وتؤكد دورة هذا العام أن الشرعية لم تعد تستند إلى التاريخ أو الإطار القانوني وحدهما، بل إلى القدرة على تحقيق نتائج ملموسة. فإذا استطاعت المؤسسات متعددة الأطراف الحد من المعاناة، وإدارة المخاطر المشتركة، وتوسيع فرص الوصول العادل إلى التنمية والعدالة، يصبح استعادة الثقة ممكنًا. كما أن تحديات مثل تغير المناخ والذكاء الاصطناعي والأوبئة وعدم الاستقرار المالي تجعل التعاون ضرورة لا خيارًا. وأظهرت الجمعية العامة كذلك أن الدبلوماسية تبقى ممكنة حتى في أوقات التوتر الحاد، وأن المنابر متعددة الأطراف لا تزال توفر مساحة ضرورية للحوار وخفض التصعيد. وتقدم مواقف دول المنطقة، ومنها الأردن، نموذجًا للدبلوماسية القائمة على القواعد في ظروف بالغة التعقيد. فقد حافظ الأردن على اتفاقيات السلام والشراكات الاستراتيجية، بالتوازي مع استخدام خطاب قانوني واضح في توصيف انتهاكات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية ومتعددة الأطراف بدلًا من اللجوء إلى التصعيد الأحادي. وتؤكد هذه المقاربة أن اختيار القانون بدل القوة ليس ضعفًا، بل مصدرًا للقوة، وأن الدول قادرة على حماية مصالحها وأمنها من خلال التمسك بالمعايير الدولية والمطالبة بتطبيقها.   لماذا تهم الدورة الـ81 المنطقة العربية؟ تكتسب هذه الدورة أهمية خاصة للمنطقة العربية، في وقت تتشابك فيه المخاطر العالمية بصورة غير مسبوقة، وتصبح شرعية المؤسسات الدولية أكثر ارتباطًا بقدرتها على تحقيق نتائج فعلية. فقد تأثرت أزمات فلسطين وسوريا واليمن وليبيا وغيرها بقرارات الأمم المتحدة ووساطاتها وعملياتها الإنسانية، إلا أن النتائج غالبًا ما ظلت دون التوقعات، بما عمّق الشكوك في قدرة المنظمة على تنفيذ قراراتها، حتى مع إدراكها حجم التدهور القائم. ويبقى السؤال المحوري: هل ستُستخدم التعددية لمعالجة الانتهاكات الممتدة ووضع حد لها، أم ستقتصر على إدارتها من دون حلول حقيقية؟ مع ذلك، فإن التخلي عن حكم

الضمان الاجتماعي والعمل الدولية والنهضة «أرض» تختتم أنشطة «جسور الضمان» ضمن مشروع «آفاق»

اختتمت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بالشراكة مع كلٍّ من منظمة العمل الدولية والنهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، أنشطة «جسور الضمان: تعزيز الوعي وإمكانية الوصول إلى الضمان الاجتماعي في الأردن»، التي نُفذت ضمن مشروع «آفاق» بتمويل من مملكة هولندا؛ بهدف تعزيز الوعي بأهمية الشمول بالضمان الاجتماعي، والتعريف بالمنافع التأمينية المقدمة للعاملين، ولا سيما الفئات الأقل وصولاً إلى خدمات الضمان الاجتماعي ومنافعه. وشارك في الورشة الختامية للمشروع موظفون من المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ومحامون من منظمة (أرض)، استعرضوا تجربتهم في إدارة جلسات التوعية والتعامل مع الاستفسارات القانونية والتأمينية، وما أظهره الاحتكاك المباشر بالمجتمعات من حاجة إلى أدوات توعية أكثر مرونة واستجابة لاختلاف احتياجات الفئات المستهدفة. بدورها، بيّنت مديرة مشروع «آفاق» في الأردن في منظمة العمل الدولية، داليا روكي، أن أهمية الضمان الاجتماعي تزداد في سياق السعي إلى توفير ظروف العمل اللائق لجميع العاملين، بوصفه أحد الركائز الأساسية للحماية الاجتماعية الشاملة، ليس فقط من خلال توفير التغطية التأمينية، بل أيضاً عبر ضمان وصول الأفراد، ومن ضمنهم اللاجئون والعاملون في الاقتصاد غير المنظم، إلى المعلومات والخدمات التي تمكّنهم من معرفة حقوقهم والاستفادة منها. وأضافت أن هذه المرحلة شكّلت محطة مهمة في تعزيز الوعي بالضمان الاجتماعي وتوسيع نطاق الوصول إلى خدماته، معربةً عن أملها في أن تسهم الجلسة الختامية في تبادل الخبرات والمعلومات واستخلاص الدروس التي تساعد على استدامة هذه الأنشطة والبناء عليها، نظراً لأهميتها في تعزيز الحماية الاجتماعية والوصول إلى الفئات الأكثر حاجة. ومن جانبها، بيّنت نائب مدير منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، سوزان محارب، أن هذه الجهود جاءت لتقريب منظومة الضمان الاجتماعي من المجتمعات، ولا سيما الفئات الأقل وصولاً إلى خدماتها، من خلال الجمع بين بناء قدرات العاملين في نشر التوعية التأمينية، والدعم القانوني، والتواصل المجتمعي، والعمل الميداني. وأوضحت أن أكثر من 900 شخص من مختلف الجنسيات استفادوا خلال فترة التنفيذ من الجلسات التوعوية حول الحقوق والخدمات التأمينية، وشملت الفئات المستفيدة النساء والشباب واللاجئين والمهاجرين والعاملين في القطاعات الأكثر هشاشة. وإلى جانب الجلسات التوعوية والعمل الميداني، أسهم المشروع في تطوير أدوات عملية لتعزيز استدامة جهود التوعية، شملت إعداد دليل للموظفين حول أفضل ممارسات التواصل والتوعية في مجال الضمان الاجتماعي، بما يدعم قدرتهم على إيصال المعلومات التأمينية بوضوح وفعالية لمختلف الفئات. كما تم إنتاج خمسة فيديوهات توعوية موجهة للجمهور العام، تقدم معلومات قانونية وتأمينية مهمة بأسلوب مبسط وسهل الوصول، بما يسهم في توسيع نطاق المعرفة بالحقوق والخدمات المرتبطة بالضمان الاجتماعي. إلى ذلك، قدم مستشار الدائرة القانونية في النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، رامي قويدر، عرضاً حول تحليل نتائج تقييم الاحتياجات، مؤكداً أهمية تضافر الجهود في رفع الوعي والانتقال من التدريب إلى التطبيق الميداني، بما يلبي الاحتياجات ويعزز فرص تطوير العمل التوعوي. وبيّن أن الأنشطة الميدانية نُفذت من خلال أربع «وحدات لدعم العاملين والعاملات»، توزعت في الرمثا والمفرق والرصيفة وجنوب عمّان، بالشراكة مع مؤسسات مجتمع مدني محلية، بما أسهم في تقريب المعلومات والاستشارات والخدمات من الفئات المستهدفة في أماكن وجودها. وفي ختام الفعالية، دار نقاش حول كيفية البناء على تجربة «جسور الضمان» وتعزيز التكامل بين بناء القدرات، والعمل الميداني، والدعم القانوني، والشراكات المحلية، بما يسهم في توسيع الوصول إلى الضمان الاجتماعي وتعزيز حماية اجتماعية أكثر شمولاً واستجابة لاحتياجات العاملين. ويُذكر أن هذه الأنشطة نُفذت ضمن مشروع «آفاق» الذي تنفذه منظمة العمل الدولية بتمويل من مملكة هولندا، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز العمل اللائق والحماية الاجتماعية، وتوسيع وصول الفئات الأكثر هشاشة إلى حقوقها وخدمات الضمان الاجتماعي.

النهضة (أرض) نهج استراتيجي لتعزيز سبل العيش المستدامة والرفاه الاقتصادي

عقدت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، في 28 أيلول/سبتمبر 2026، ورشة عمل داخلية بعنوان «نهج النهضة الاستراتيجي لتعزيز سبل العيش المستدامة والرفاه الاقتصادي: فهم سبل العيش في سياق العمل الإنساني والتنموي»، بمشاركة فرق البرامج والعمل القانوني والعمليات والبحث، بما فيها مركز النهضة الاستراتيجي، بهدف تعزيز نهج مؤسسي متكامل يربط بين برامج سبل العيش، وإنتاج المعرفة والأدلة، والمشاركة في السياسات العامة. وجاءت الورشة ضمن مشروع «نحو المستقبل: استكشاف فرص الاستدامة المحلية»، بدعم من البرنامج الإقليمي للتنمية والحماية (RDPP)، وناقشت واقع سبل العيش في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية في الأردن، بما في ذلك تراجع التمويل التنموي، واستمرار تحديات البطالة والعمل غير المنظم، والتفاوت في الوصول إلى الفرص الاقتصادية. وأكدت النقاشات أن تعزيز سبل العيش المستدامة يتجاوز توفير فرص الدخل قصيرة الأجل، إذ يرتبط بالبيئة الأوسع التي تحدد فرص الوصول إلى العمل اللائق، والحماية القانونية والاجتماعية، والأسواق، والقدرة على الصمود الاقتصادي. واستنادًا إلى إطار سبل العيش المستدامة، ناقش المشاركون أبرز العوائق التي تواجه النساء والشباب واللاجئين والفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا، وكيف يمكن للتمكين القانوني، والبرامج المستجيبة لاحتياجات السوق، والبحث والتحليل السياساتي، وتفعيل محلية العمل الإنساني أن تتكامل لمعالجة هذه التحديات. وفي هذا السياق، قالت لينا هلسة، مديرة مشروع «نحو المستقبل: استكشاف فرص الاستدامة المحلية»: «لا تقتصر استدامة سبل العيش على إيجاد الفرص، بل تتطلب تحسين الظروف التي تمكّن الأفراد من الوصول إلى الأسواق، وممارسة حقوقهم، والمشاركة في الاقتصاد على أسس أكثر عدالة واستدامة». وستسهم مخرجات الورشة في توجيه عمل النهضة المتواصل ضمن برنامج سبل العيش المستدامة والرفاه الاقتصادي، وتعزيز الربط بين الواقع الميداني وتصميم البرامج والحوار السياساتي بشأن العمل اللائق، والإدماج الاقتصادي، والتنمية المحلية المستدامة في الأردن.

فرصة الأردن في ظل أزمة مضيق هرمز

كلاس جاكوب ويليم هوغربروغه، متدرب مركز النهضة الاستراتيجي   يمرّ يوم الملاحة البحرية العالمي كل عام من دون أن يحظى باهتمام واسع خارج قطاع الشحن، في مفارقة لافتة؛ إذ تمثل التجارة البحرية بنية تحتية غير مرئية تنقل الغالبية العظمى من السلع التي يستهلكها العالم. غير أن عام 2026 جعل من الصعب تجاهل هذه البنية. فعندما دخلت الولايات المتحدة في حرب مع إيران في شباط- فبراير، امتد الرد الإيراني إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم. وتراجع عدد السفن التي تعبر المضيق يومياً من نحو 130 سفينة إلى ما لا يزيد على ثماني سفن في بعض الفترات، فيما ارتفعت أسعار النفط بنسبة 65% خلال أسابيع. بالنسبة إلى معظم دول العالم، انعكس ذلك في ارتفاع أسعار الوقود. أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فكان الأمر أقرب إلى أزمة اقتصادية واسعة، بينما حمل لدولة واحدة فرصة غير مخطط لها. فقد استوعب ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر زيادة كبيرة في حركة الشحن التي كانت تمر سابقاً عبر هرمز، وباتت الأرقام تطرح سؤالاً مهماً: هل يجد الأردن نفسه أمام فرصة لإعادة تشكيل اقتصاده وموقعه السياسي في المنطقة، أم أنه يستفيد من مكاسب ظرفية فرضتها الحرب قد يصعب الحفاظ عليها؟ وهنا تكمن أهمية هذه اللحظة، ليس للأردن وحده، بل لكل من يهتم بفهم الكيفية التي تعيد بها الحروب تشكيل التجارة وسبل العيش وموازين القوة بعيداً عن خطوط المواجهة.   تراجع حركة الملاحة عبر هرمز في عام 2025، مرّ عبر مضيق هرمز نحو 25% من تجارة العالم البحرية بالنفط الخام والمنتجات النفطية، إلى جانب نحو 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ومنذ بدء الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية ضد إيران في 28 فبراير 2026، هددت إيران مراراً الملاحة التجارية في المضيق ونفذت هجمات استهدفتها، ما أدى إلى اضطراب حاد في أنماط الحركة البحرية المعتادة. وبحلول أوائل أغسطس، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق إلى نحو 8–15 سفينة يومياً، مقارنة بنحو 130 سفينة قبل الحرب. وأشارت أحدث تقديرات شركة «كبلر» في مطلع سبتمبر إلى أن متوسط العبور خلال عشرة أيام بلغ نحو 10 سفن فقط يومياً. وبحلول نهاية مارس 2026، ارتفعت أسعار خام برنت بنحو 65%، في تطور وصفه البنك الدولي بأنه «أكبر صدمة في سوق النفط في التاريخ». وتراجعت الأسعار قليلاً خلال وقف إطلاق النار المؤقت في أبريل، قبل أن تعود إلى التقلب مع تجدد القتال. وفي 7 سبتمبر، بلغ سعر خام برنت نحو 97 دولاراً للبرميل، فيما اقترب سعر النفط الخام من 103 دولارات للبرميل في 13 سبتمبر، بعد إغلاق السعودية خط أنابيب الشرق–الغرب في أعقاب هجمات بطائرات مسيرة. وأدت الحرب إلى تقلبات استثنائية في أسعار النفط؛ إذ عادت الأسعار لفترة قصيرة إلى مستويات ما قبل النزاع عقب هدنة هشة في يونيو، قبل أن ترتفع مجدداً. ولا يقتصر أثر الأزمة على تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال، بل يمتد أيضاً إلى حركة سفن الشحن المتجهة إلى وجهات تقع خلف مضيق هرمز.   صعود العقبة مع تجنب السفن مضيق هرمز، بات جزء من الشحنات المتجهة إلى العراق ومنطقة المشرق الأوسع يُعاد توجيهه عبر ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، حيث تصل البضائع بحراً ثم تواصل رحلتها براً إلى وجهاتها النهائية. وارتفع عدد الحاويات الواصلة إلى العقبة بنسبة 15.1% خلال يناير وفبراير 2026، فيما ارتفعت حركة الحاويات العابرة «الترانزيت» بنسبة 137% في الربع الأول من العام، وزادت حركة بضائع الترانزيت بنسبة 155.1% خلال النصف الأول من 2026. وتشير هذه الأرقام إلى مسار متسارع، وليس مجرد طفرة مؤقتة. كما توحي البنية التحتية الداعمة لهذا الاتجاه بأن ما يجري قد يتحول إلى مسار أكثر استدامة، وليس مجرد تحويل طارئ للملاحة. فالعقبة مركز تجاري رئيسي للأردن بالفعل، إذ تمر عبرها نحو 80% من صادرات المملكة و65% من وارداتها، كما تستضيف خط الغاز العربي الممتد لنحو 1200 كيلومتر، والذي يربط مصر والأردن وسوريا ولبنان وإسرائيل. وبذلك، فإن حركة الشحن المعاد توجيهها تمر عبر ميناء يمتلك بالفعل بنية تحتية وطنية حيوية وقدرات تشغيلية قائمة، مع إمكانية للتوسع مستقبلاً. وفي السياق نفسه، يعيد الأردن والعراق إحياء مشروع خط أنابيب بقيمة 18 مليار دولار يربط البصرة بالعقبة، ما من شأنه أن يتيح للعراق تصدير النفط الخام متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل. ومثل هذا الالتزام الرأسمالي الكبير لا يُتخذ عادة بوصفه قراراً حكومياً عابراً، بل يشير إلى أن بعض الأطراف في المنطقة تنظر إلى التحولات الجارية باعتبارها تغيراً طويل الأجل في جغرافيا التجارة، وليس مجرد حل تفرضه ظروف الحرب.   دواعي الحذر رغم النمو المتواصل في حركة الشحن عبر العقبة، لا تزال هناك عقبات قد تحول دون تحول هذا المسار إلى واقع دائم. فقد ارتفعت تكلفة شحن الحاوية من شرق آسيا إلى العقبة من نحو 1500 دولار عند بداية الحرب إلى نحو 6000 دولار. وانخفضت التكلفة قليلاً أثناء وقف إطلاق النار في أبريل، لكنها عادت إلى نحو 6000 دولار قرب نهاية يوليو. وفي ظل الاضطرابات الإقليمية، يواجه الأردن مستقبلاً يتسم بدرجة عالية من عدم اليقين. وقال أحد العاملين في قطاع الشحن في العقبة: «سلسلة الخدمات اللوجستية في المنطقة بأسرها تعيش حالة من الاضطراب. نحن أمام مستقبل ضبابي، بل ربما مجهول». كما يرى بعض العاملين في قطاع الأعمال في العقبة أن الضربات الإيرانية قرب البحر الأحمر تحمل رسالة تتجاوز الأهداف العسكرية، عبر الضغط على الاستثمار ومحاولة تعطيل الزخم الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، أدى ارتفاع حركة الشحن إلى اختناقات في الميناء وعلى المعبر البري مع العراق، فيما فرضت شركات الشحن رسوماً طارئة مرتبطة بالنزاع بلغت نحو 2000 دولار للحاوية بطول 20 قدماً و4000 دولار للحاوية بطول 40 قدماً. وقد تشجع هذه التكاليف والعقبات شركات الشحن على العودة إلى مضيق هرمز عندما تهدأ الحرب. ومع ذلك، فإن استعادة حركة الملاحة الطبيعية في هرمز قد لا تتم بسرعة، إذ يمكن لاستمرار ارتفاع تكاليف التأمين ووجود الألغام ومخاطر الهجمات أن يطيل عمر المسارات البديلة التي فرضتها الأزمة، مانحاً العقبة مزيداً من الوقت لترسيخ مكاسب طويلة الأجل.   الزخم الاقتصادي الأردني رغم الحرب، كانت مؤشرات التجارة الأردنية تتجه صعوداً حتى قبل التحول الحالي في مسارات الشحن. فقد ارتفعت الصادرات بنحو 10% في عام 2025، واستمر هذا الزخم خلال الربع الأول من 2026، فيما تحسنت نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى نحو 57–60%. وتشير هذه المؤشرات إلى تنامي قدرة الاقتصاد الأردني على الاعتماد على ذاته والحفاظ على قدرته التنافسية، حتى في ظل الضغوط التي تتعرض لها سلاسل الإمداد الإقليمية. ويواصل الأردن استثمارات واسعة في بنيته التحتية، بما في ذلك مشروع سكة حديد ميناء العقبة ومشروع القطار السريع المخطط له بين عمّان والعقبة، واللذان يهدفان إلى خفض تكاليف التشغيل وتعزيز اندماج المملكة في سوق

من الوعي إلى الوقاية: خمس جلسات تعزز الحماية من المخدرات والجرائم الإلكترونية

في إطار جهودها لتعزيز الوصول إلى العدالة والوقاية القانونية والمجتمعية، شاركت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، خلال الفترة ما بين تموز وأيلول 2026، في خمس جلسات توعوية امتدت من مخيمي الزعتري والأزرق إلى المفرق وإربد وعمّان، ووصلت إلى أكثر من 125 مشاركاً ومشاركة من اللاجئين والأردنيين، لتعزيز الوعي بمخاطر المخدرات والجرائم الإلكترونية وسبل الوقاية والحماية والتعامل معها. ونُظمت الجلسات بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبمشاركة مختصين من إدارة مكافحة المخدرات ووحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام، إلى جانب محامي النهضة (أرض)، في نموذج يجمع بين المعرفة القانونية والخبرة المتخصصة والتواصل المباشر مع المجتمعات. ومن خلال عروض توعوية ونقاشات مفتوحة، تعرف المشاركون إلى المخاطر القانونية والمجتمعية المرتبطة بالمخدرات والجرائم الإلكترونية، وآليات الوقاية والإبلاغ والوصول إلى الجهات المختصة. كما قدم محامو النهضة (أرض) إرشاداً حول الحقوق والإجراءات القانونية ذات الصلة، وأجابوا عن الاستفسارات، وعرّفوا بخدمات المساعدة والحماية القانونية المجانية التي تتيح للمشاركين مواصلة الوصول إلى المشورة والمتابعة القانونية عند الحاجة. وبذلك، تتجاوز هذه الجلسات حدود التوعية الآنية، عبر ربط المعرفة بمسارات عملية للحماية والوصول إلى الخدمات، بما يعزز قدرة الأفراد والأسر على التعرف إلى المخاطر والتعامل معها، ويسهم في ترسيخ الوقاية كجزء من الحماية المجتمعية المستدامة. وتأتي هذه الجهود امتداداً للشراكة بين النهضة (أرض) والمفوضية، المستمرة منذ عام 2010 في مجال الحماية القانونية والوصول إلى العدالة للاجئين والمجتمعات المستضيفة داخل المخيمات وخارجها، بما يضمن استمرارية التوعية وربطها بخدمات قانونية يمكن الوصول إليها في مختلف محافظات المملكة. وفي مجال مكافحة المخدرات، يتكامل هذا العمل مع دور النهضة (أرض) في التحالف الوطني لتعزيز مكافحة المخدرات في الأردن، الذي أُطلق عام 2021 في إطار منتدى دعم قطاع العدالة، ويجمع مؤسسات المجتمع المدني والجهات الرسمية والخبراء والمختصين لتعزيز التعاون ودعم جهود الوقاية والتوعية والاستجابة المجتمعية. وتعكس هذه الجهود أهمية الشراكة بين المؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية، بحيث لا تبقى التوعية رسالة مؤقتة، بل تصبح مدخلاً لتعزيز المعرفة بالحقوق، والوقاية المبكرة، والوصول إلى الحماية والعدالة، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة المخاطر.

في عصر الذكاء الاصطناعي: ماذا نريد أن يقيس “التوجيهي” لدى طالب المستقبل؟

مع تحوّل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى جزء متزايد من تجربة الطلبة اليومية، لم يعد السؤال في التعليم الأردني يدور حول إمكانية استخدام هذه الأدوات فحسب، بل حول ما الذي ينبغي أن يتعلمه الطالب، وما الذي ينبغي أن تعكسه أساليب التقييم من مهارات ومعارف يحتاجها الطالب للمستقبل، وكيف يمكن الحفاظ على دور الطالب والمعلم في عملية تعلّم تتغير أدواتها بسرعة. انطلاقاً من هذه الأسئلة، عقدت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، يوم الثلاثاء 1 أيلول/سبتمبر 2026، جلسة حوارية بعنوان “الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعلّم: التوجيهي في الأردن في عصر الذكاء الاصطناعي”، ضمن سلسلة منتدى الذكاء الاصطناعي والابتكار في التعليم، وبالتنسيق مع التحالف الوطني لمستقبل التعليم في الأردن (نافع) ولجنة الذكاء الاصطناعي التابعة له. وركز الحوار على ثلاثة محاور مترابطة: التوجيهي والتقييم، والطالب والذكاء الاصطناعي، ودور المعلم والنظام التعليمي. وأدارت الجلسة المهندسة زينب الخليل، مديرة برامج التعليم ووصول المرأة للعدالة في النهضة (أرض)، واضعة أمام المشاركين سؤالاً محورياً: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي متاحاً لكل طالب توجيهي، فكيف يمكن أن يدعم تعلمه دون أن يحل محل عملية التعلم نفسها؟ وما الذي يعنيه ذلك لأهداف التوجيهي وأساليب التقييم وما يقيسه الامتحان فعلياً؟ ومن منظور التطبيق العملي، ركز الدكتور معتز عازر، المدير التنفيذي لجمعية المهارات الرقمية، على أن التحدي يتجاوز إدخال التكنولوجيا إلى التعليم ليصل إلى بناء عقلية الطالب تجاه التعلم وقدرته على فهم الأخطاء وتحليلها والتعلم منها. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر التفسير والتدريب والتغذية الراجعة، لكن قيمته تبقى مرتبطة بقدرة الطالب على التفكير والتحليل وعدم قبول مخرجاته بصورة تلقائية، مشدداً على أن “الحصول على إجابة جاهزة لا يعني بالضرورة حدوث عملية تعلّم.” أما سحر مطارنة، الخبيرة في قطاع التعليم، فركزت على أن الاستفادة الفعلية من الذكاء الاصطناعي تبدأ من الاستثمار في أساسيات التعلم، من المهارات اللغوية والحسابية إلى الفهم والتحليل والاستكشاف والتعلم الذاتي، مؤكدة أن “امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي لا يغني عن هذه الأساسيات.” كما شددت على اهمية مواءمة استخدام هذه الأدوات مع واقع التعليم واحتياجات الطلبة، مع مراعاة جاهزية البيئة التعليمية والبنية التحتية، وضمان وصول الطلبة إليها بصورة عادلة ومنصفة في مختلف محافظات الأردن. ومن زاوية التعليم والمهارات المستقبلية، أكدت سوزان قدومي، المدير التنفيذي لكلية الخوارزمي الجامعية التقنية، أن التحول التكنولوجي لا ينتقص من أهمية المعلم، بل يعيد التأكيد على دوره في تأسيس الطالب وتوجيهه وتنمية شخصيته ومهاراته وإعداده للحياة وسوق العمل، مشددة على أن “المعلم لا يُستبدل بالذكاء الاصطناعي.”. كما أكدت أهمية تهيئة الطالب لسوق العمل وتعليمه الاستخدام الواعي لهذه الأدوات واحترام الملكية الفكرية، إلى جانب تطوير أدوات تتناسب مع السياق الثقافي والتعليمي واحتياجات الطلبة، وتساعد المعلم على تقديم المعرفة بصورة أكثر تفاعلية وفاعلية. كما أبرزت النقاشات الحاجة إلى تدريب المعلمين على الاستخدام التربوي للذكاء الاصطناعي، ومراعاة الفروقات بين الطلبة في المهارات والخلفيات والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا والاستفادة منها. من أداة جديدة إلى سؤال حول مستقبل التقييم شنو رأيك يكون بيه عن التعلم فيصير العنوان من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إعادة التفكير في التعلّم والتقييم أعاد الحوار النقاش إلى جوهر امتحان التوجيهي نفسه: إذا أصبح الوصول إلى المعلومات والإجابات أكثر سهولة، فما الذي ينبغي أن يقيسه الامتحان مستقبلاً؟ وبرَزت الحاجة إلى تطوير أساليب تقييم تمنح وزناً أكبر للفهم والتحليل والتفكير المستقل وتطبيق المعرفة، مع التمييز بين الحالات التي يمكن فيها استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة للتدريب والتفسير والتغذية الراجعة، وتلك التي ينبغي فيها قياس قدرة الطالب بصورة مستقلة. كما وسّع المشاركون النقاش ليشمل الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، والتحقق من المعلومات، والملكية الفكرية، وتدريب الطلبة والمعلمين، والعدالة في الوصول إلى التكنولوجيا، والحاجة إلى تعزيز المحتوى والمراجع العربية الموثوقة. وخلص الحوار إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم ليس مسألة توفير أدوات فحسب، بل مسألة جاهزية تعليمية؛ فهو يتطلب طالباً يمتلك المهارات الأساسية والتفكير النقدي، ومعلماً قادراً على توظيف التكنولوجيا تربوياً، ومؤسسات قادرة على ضمان استخدامها بصورة مسؤولة وعادلة، بالتوازي مع إعادة التفكير في أهداف التعلم وما ينبغي أن تقيسه أدوات التقييم. وبهذا المعنى، لا يضع الذكاء الاصطناعي التكنولوجيا في مواجهة التعليم التقليدي، بل يفتح المجال أمام سؤال أوسع حول التعليم الذي يحتاجه الأردن للمستقبل، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز التعلم دون أن تنقص منه. هذا ويأتي اللقاء في إطار مشروع “الاستثمار في المستقبل: أنظمة تعليمية مستدامة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم الأردني”، الذي تنفذه النهضة (أرض) بالشراكة مع رؤيا أمل وبالتعاون مع غصون الرحمة، وفي سياق عمل نافع كمساحة للتنسيق وتبادل المعرفة والخبرات حول مستقبل التعليم والتحول الرقمي.

من المساعدة إلى الفرصة: ما الذي تحتاجه النساء فعلاً للمشاركة في اقتصاد الأردن؟

في الأردن، تتعلم النساء، يتخرجن من الجامعات، يمتلكن المهارات والطموح، ويحاولن دخول سوق العمل. ومع ذلك، ما تزال الغالبية العظمى منهن خارجه، وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها. فبحسب نظام معلومات سوق العمل الأردني، لم تتجاوز المشاركة الاقتصادية للمرأة في الأردن عام 2025 14.8%، بينما بلغت نسبة النساء غير النشيطات اقتصادياً 85.2%. أما البطالة بين الأردنيات، فقد وصلت في الربع الأخير من العام نفسه إلى 34.8%، مقارنة بـ 17.2% بين الأردنيين الذكور.   والأكثر لفتاً للنظر أن المشكلة لا تبدو مرتبطة بالتعليم وحده؛ حيث تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة للربع الثالث من 2025 أن 50.6% من قوة العمل النسائية تحمل درجة البكالوريوس فأعلى.   إذن، السؤال ما الذي يمنع النساء المؤهلات أصلاً من الدخول إلى سوق العمل والاستمرار فيه؟ هذا السؤال كان في صلب رؤى عضوات شبكة نساء النهضة حول الواقع الاقتصادي للنساء في الأردن وما يجب أن يتغير.   جهود كثيرة… لكن هل تصنع فرقاً حقيقياً؟   رسالة المشاركات في استبيان الرأي الذي أعدته منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) كانت واضحة: هناك جهود وبرامج ومبادرات، لكنها لا تزال أقل من حجم المشكلة. فقد رأت 93.8% من المشاركات أن الاستجابة الحالية للتحديات الاقتصادية التي تواجه النساء محدودة أو غير كافية. ورأت نصف المشاركات أن الجهود تسير في الاتجاه الصحيح، ولكن ببطء، بينما قالت 43.8% إنهن لا يلمسن تغيراً حقيقياً. المشكلة أيضاً ليست في عدد البرامج فقط، وإنما في ترابطها. فقد اعتبرت 68.8% أن التنسيق بين الجهات المعنية غير كافٍ أو غير كافٍ إطلاقاً. فالمرأة قد تحصل على تدريب، ولكن ماذا بعد التدريب إذا لم تجد فرصة عمل؟ وقد تجد وظيفة، لكن ماذا لو كان راتبها لا يغطي تكلفة النقل ورعاية أطفالها؟ وقد تبدأ مشروعاً صغيراً، ولكن كيف يستمر إذا لم تستطع الوصول إلى التمويل أو السوق؟ لهذا ترى 87.5% من المشاركات أن تحسين الوضع الاقتصادي للنساء مسؤولية مشتركة، تقود فيها الحكومة السياسات، ويشارك فيها المجتمع المدني والقطاع الخاص والجهات الأخرى.   النساء لا يطلبن مساعدة مؤقتة… بل فرصة للاستمرار   من أكثر الرسائل وضوحاً في آراء المشاركات أن النساء يحتجن إلى ما هو أبعد من البرامج قصيرة الأجل. المطلوب هو القدرة على تحقيق دخل مستدام والاستقلال اقتصادياً. ولهذا جاءت فرص العمل اللائق والمستدام، ودعم المشاريع وريادة الأعمال، وتحسين الأجور وظروف العمل، والحماية الاجتماعية، وخدمات رعاية الأطفال بأسعار مناسبة، في مقدمة الأولويات. فالرعاية، على سبيل المثال، ليست قضية عائلية منفصلة عن الاقتصاد. عندما لا تجد الأم مكاناً آمناً وميسور التكلفة لأطفالها، تصبح قدرتها على قبول وظيفة أو الاستمرار فيها محدودة مهما كانت مؤهلاتها. ولهذا فإن التوسع المخطط له في الأردن في خدمات رعاية الأطفال، بما يشمل إنشاء 700 مرفق جديد وتوفير نحو 1,000 فرصة عمل، يمثل خطوة مهمة إذا ارتبط فعلياً باحتياجات النساء العاملات. والأمر نفسه ينطبق على النقل الآمن والميسر، والأجور، والعقود، والتأمين والحقوق العمالية.   وليست كل النساء في الموقع نفسه من الخطأ أيضاً التعامل مع النساء باعتبارهن فئة واحدة لها الاحتياجات نفسها. فقد وضعت المشاركات النساء المعيلات لأسرهن في مقدمة الفئات الأكثر تأثراً بالتحديات الاقتصادية بنسبة 93.75%، تليهن النساء ذوات الإعاقة بنسبة 68.8%، ثم العاملات في القطاع غير المنظم بنسبة 56.25%. كما أشارت نصف المشاركات إلى الباحثات عن عمل والعاملات بأجور منخفضة أو في وظائف غير مستقرة. وهذا يعني أن برنامجاً واحداً للجميع لن يكون كافياً. إذ أن المرأة المعيلة لأسرتها لها احتياجات مختلفة عن خريجة تبحث عن أول وظيفة، والعاملة في القطاع غير المنظم تواجه تحديات تختلف عن صاحبة مشروع صغير أو امرأة ذات إعاقة تحاول الوصول إلى سوق العمل.   التمكين الحقيقي يبدأ عندما نرى هذه الاختلافات ونصمم الحلول بناءً عليها.   الاقتصاد الرقمي يفتح باباً… لكنه لا يضمن الدخول فقد رأت 62.5% من المشاركات أن هناك أيضاً فرصة جديدة لا ينبغي تجاهلها، تتمثل بالتحول الرقمي الذي ساهم، إلى حد ما، بصورة إيجابية في تمكين النساء اقتصادياً. لكن امتلاك هاتف أو استخدام الإنترنت لا يعني تلقائياً الوصول إلى الاقتصاد الرقمي. ما تحتاجه النساء هو مهارات رقمية مرتبطة بفرص حقيقية، وإمكانية الوصول إلى التجارة والتسويق الإلكتروني، والمنصات والأسواق والتمويل الرقمي. إذا تحقق ذلك، يمكن للتكنولوجيا أن تساعد بعض النساء على تجاوز عوائق المكان والتنقل والوصول إلى الأسواق. أما إذا لم تتوفر المهارات والفرص والموارد بالتساوي، فقد تتحول التكنولوجيا نفسها إلى فجوة جديدة.   لا لتصميم الحلول للنساء من دون النساء ربما تكون هذه واحدة من أهم الرسائل التي طرحتها المشاركات. فالنساء لا يحتجن فقط إلى برامج مصممة من أجلهن، بل إلى أن يكنّ شريكات في تصميم هذه البرامج والسياسات منذ البداية. هن الأقرب إلى معرفة العقبات اليومية: تكلفة المواصلات، مسؤوليات الرعاية، ضعف الأجور، صعوبة التمويل، ظروف العمل، أو عدم توافق بعض التدريبات مع الوظائف الموجودة فعلياً. لذلك، تقترح المشاركات من نساء النهضة الانتقال من التعامل مع النساء كمستفيدات إلى التعامل معهن كشريكات في تحديد المشكلة، وتصميم الحل، ومتابعة التنفيذ، وتقييم النتائج. كما أن ذلك يتطلب بيانات أفضل حول النساء الأكثر احتياجاً، حتى تذهب الموارد إلى المكان الذي يمكن أن تحدث فيه الفرق الأكبر.   من برامج متفرقة إلى منظومة حقيقية للتمكين   لا يحتاج الأردن بالضرورة إلى مزيد من المبادرات المنفصلة بقدر حاجته إلى ربط ما هو موجود ضمن رؤية واحدة. فرصة العمل ترتبط بالأجر. والأجر يرتبط بالنقل والرعاية. والمشروع الصغير يحتاج إلى تمويل وسوق. والتدريب يجب أن يقود إلى فرصة حقيقية. والعمل يحتاج إلى حماية اجتماعية وحقوق تضمن الاستمرار. لهذا تقترح أصوات نساء النهضة مجموعة مترابطة من الأولويات: عمل لائق ومستدام، حماية اجتماعية أقوى، دعم المشاريع النسوية والوصول إلى التمويل والأسواق، أجور وظروف عمل أفضل، رعاية أطفال ونقل أكثر ملاءمة، ومهارات رقمية مرتبطة بسوق العمل، مع اهتمام أكبر بالنساء الأكثر عرضة للهشاشة. وفي النهاية، ربما يكون المعيار الأبسط لنجاح أي برنامج اقتصادي موجّه للنساء هو السؤال:   ماذا حدث للمرأة بعد انتهاء البرنامج؟   هل وجدت عملاً؟ هل استطاعت الاستمرار فيه؟ هل أصبح لديها دخل أكثر استقراراً؟ هل وصلت إلى سوق أو تمويل؟ وهل أصبحت أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها الاقتصادية؟ إذا لم تتغير هذه الأمور، فإننا نكون قد قدمنا استجابة، لكننا لم نصل بعد إلى التمكين.   فالانتقال الذي تحتاجه النساء اليوم ليس مجرد انتقال من برنامج إلى برنامج آخر، بل من المساعدة المؤقتة إلى فرص حقيقية ومستدامة للعمل والاستقلال والمشاركة في صنع المستقبل الاقتصادي. عن شبكة نساء النهضة تعمل  شبكة نساء النهضة تحت مظلة منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، وتجمع نساءً من قطاعات وخبرات مختلفة بهدف تعزيز دورهن القيادي، وتبادل الخبرات، وفتح مساحات للحوار والعمل المشترك. وفي هذا السياق، استطلعت الشبكة آراء عضواتها حول الأوضاع الاقتصادية واحتياجات النساء في الأردن، بهدف الاستماع إلى تجاربهن وتحويلها إلى أولويات للحوار والمناصرة والعمل في المرحلة المقبلة. وتقدم نتائج الاستطلاع مؤشرات نوعية مهمة حول رؤى المشاركات وأولوياتهن، ولا يُقصد بها أن تكون تمثيلاً